مصفاة حمص في مرمى مخطط إرهابي.. ما تداعيات استهدافها؟

الاستخبارات السورية
الاستخبارات السورية

أثار إعلان الاستخبارات العامة السورية إحباط مخطط إرهابي لاستهداف مصفاة حمص النفطية تساؤلات بشأن دوافع استهداف منشآت الطاقة في البلاد، في وقت تواجه فيه سوريا تحديات تتعلق بتأمين إمدادات الوقود وإعادة تأهيل بنيتها التحتية، بالتزامن مع مساعٍ لتعزيز دورها في نقل الطاقة إقليمياً.

وتكتسب المحاولة أهمية إضافية مع اقتراب موسم الشتاء، الذي يرتفع خلاله الطلب على المازوت ومواد التدفئة، ما يجعل أي تعطيل محتمل للمنشآت النفطية عاملاً ضاغطاً على الأسواق والخدمات الأساسية.

مخطط بلا تفاصيل معلنة

لم تكشف الأجهزة الأمنية السورية تفاصيل المخطط أو الجهة التي تقف وراءه، وأفادت وكالة الأنباء السورية “سانا”، في الأول من تشرين الثاني/ نوفمبر، نقلاً عن مصدر في جهاز الاستخبارات العامة، بإحباط المحاولة، مشيرة إلى أهمية المصفاة، إلى جانب مصفاة بانياس، في تأمين المشتقات النفطية للسوق المحلية.

يأتي الإعلان بعدما حذرت وزارة الطاقة السورية من الاعتداءات التي تطول قطاع الطاقة، مشددة على أهمية حماية خطوط النفط والغاز لضمان استمرارية إمدادات الكهرباء وتقليص الاعتماد على الوقود المستورد، وفق ما نقلته “سانا”.

القوى الأمنية تعثر على أسلحة وذخائر خلال القبض على خلية تنظيم الدولة في دير الزور (قوى الأمن الدخلي)- إنترنت

 وبحسب أرقام الوزارة، تعرضت خطوط النفط في سوريا إلى 22 اعتداءً نتيجة حوادث تخريب وسرقة منذ بداية العام الحالي، بما يعكس حجم التحديات الأمنية التي تواجه البنية التحتية للطاقة.

وتُعد مصفاة حمص، التي أُنشئت عام 1959، إحدى المنشأتين الرئيسيتين لتكرير النفط في سوريا، وتؤدي دوراً أساسياً في تأمين المشتقات النفطية للسوق المحلية، وقد ازدادت أهميتها مع أعمال إعادة تأهيل وحدة التقطير الجوي رقم “10” وصيانتها خلال تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، بطاقة تصميمية تبلغ مليون طن من النفط الخام سنوياً، بهدف دعم إنتاج المازوت والفيول والكيروسين.

من المستفيد من تعطيل قطاع الطاقة؟

لا تقتصر أهمية المنشأة على إنتاج المشتقات النفطية، بل تمتد إلى ارتباطها بقطاعات النقل والصناعة والخدمات، ما يجعل تعطلها المحتمل عاملاً قد يزيد الضغوط على سوق المحروقات ويرفع الحاجة إلى الاستيراد، بحسب حجم الأضرار ومدة توقف الإنتاج.

وعن الجهات التي قد تستفيد من استهداف منشأة حيوية كهذه، يرى الباحث السياسي عباس شريفة أن هناك أطرافاً، أولها فلول نظام الأسد، تحاول خلق أزمة طاقة في سوريا من خلال استهداف المصافي والأنابيب والآبار؛ لما لذلك من انعكاس على أزمة الطاقة في سوريا في ظل عدم انتظام سلاسل التوريد، وهو ما يعني دفع الناس إلى الاحتجاج والتأثير في شرعية الحكومة السورية، وفق ما نقلت عنه صحيفة “الشرق الأوسط”.

وأشار أيضاً إلى أطراف إقليمية، على رأسها أذرع إيران، قال إنها منزعجة من طرح سوريا كبديل لمضيق هرمز، خصوصاً بعد زيارة رئيس الوزراء العراقي لسوريا والاتفاق على زيادة حجم التصدير عبر الأراضي السورية ليصل إلى مليوني برميل عبر ميناء بانياس. وتظل هذه التفسيرات تقديرات سياسية، لا أدلة مثبتة على صلة أي طرف بالمخطط الذي أُحبط.

فرضيات أمنية.. والفاعل لم يُحسم

من جهته، قال الخبير الأمني ضياء قدور، في إفادته لـ”الشرق الأوسط”، إن البنية التحتية النفطية جزء من حرب اقتصادية تهدف إلى إضعاف أي سلطة قائمة وحرمانها من الإيرادات، مشيراً إلى أن لتنظيم “داعش” سجلاً طويلاً في استهداف البنية التحتية النفطية، وقد وثقت تقارير عدة خلال العام الحالي هجمات وخلايا نشطة للتنظيم في مناطق مختلفة من سوريا، بما في ذلك استهداف خطوط نفط وغاز وحراس منشآت.

ويرى قدور أنه بعد سقوط النظام السابق، يبدو أن “داعش” يحاول استغلال الفترة الحالية ليضرب الدولة الجديدة في مفاصلها الاقتصادية والأمنية، وهذا يتسق مع نمط عملياته السابقة والحالية، مضيفاً أن “داعش” يسعى إلى “جعل دمشق تجثو على ركبتيها دون أن يطلق رصاصة واحدة من خلال شن حرب اقتصادية متصاعدة”.

القوى الأمنية تعثر على أسلحة وذخائر خلال القبض على خلية تنظيم الدولة في دير الزور (قوى الأمن الدخلي)- إنترنت

ورغم ترجيح قدور فرضية تورط التنظيم، فإنه لا يستبعد احتمالات أخرى، من بينها أطراف محلية متضررة من الترتيبات الجديدة أو جهات تسعى إلى عرقلة مشروعات الطاقة الإقليمية.

وفي هذا السياق، قال إن طهران لا ترغب في وجود بدائل فعالة لمضيق هرمز تقلل من نفوذها في التحكم بمسارات الطاقة، وأي مشروع يجعل سوريا والعراق أقل اعتماداً على المضيق قد يُنظر إليه كتهديد لمصالحها.

تداعيات تتجاوز المصفاة

لكن قدور شدد على صعوبة الجزم بالجهة المسؤولة في غياب التفاصيل الرسمية، موضحاً أن الإعلان عن “مخطط إرهابي” لا يكفي وحده لتحديد هوية المخططين، وإن كان يرى أن الدليل العلني حالياً يميل أكثر نحو الفاعل الإرهابي المحلي أو العابر للحدود الذي ينشط داخل سوريا.

ولا تتوقف تداعيات التهديد عند الخسائر المباشرة التي قد تلحق بالمنشأة، بل تشمل احتمال اضطراب إمدادات الوقود وزيادة تكاليف النقل والإنتاج، فضلاً عن الضغوط الإضافية على المالية العامة إذا اضطرت الدولة إلى تعويض النقص عبر الاستيراد، كما أن أي استهداف ناجح قد يضعف ثقة المستثمرين بقدرة السلطات على حماية المنشآت الحيوية، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى استثمارات لإعادة تأهيل قطاع الطاقة.

وفي المقابل، يرى قدور أن إحباط المخطط يحمل رسالة تتعلق بقدرة الأجهزة الأمنية على اكتشاف التهديدات قبل وصولها إلى أهدافها، لكنه لا يعني انتهاء المخاطر.

ويشير إلى أن الوضع الأمني في سوريا عموماً لم يصل إلى مرحلة الاستقرار التام في بعض المناطق، وأي استهداف ناجح لمصفاة نفطية سيترك أثراً كبيراً في إمدادات الوقود المحلية وفي الطموحات الإقليمية المتعلقة بالممرات البديلة.

وبينما لم تُعلن السلطات الجهة التي تقف وراء المخطط أو الأدلة التي استندت إليها في إحباطه، تبرز حماية مصفاة حمص وسائر منشآت الطاقة بوصفها جزءاً من معادلة أوسع تتداخل فيها متطلبات الأمن مع استقرار الأسواق وقدرة الدولة على تأمين الخدمات، فاستمرار تشغيل هذه المنشآت لا يرتبط بالإنتاج النفطي وحده، بل أيضاً بقدرة سوريا على الحد من أزمات الوقود ودعم التعافي الاقتصادي في مرحلة لا تزال فيها البنية التحتية عرضة للمخاطر.

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم