مع تضييق أميركا منافذها الاقتصادية.. إلى أي حد تستطيع الصين وروسيا إنقاذ إيران؟

مع اتساع الضغوط الأميركية على الاقتصاد الإيراني، تحاول طهران التعويض عن تضييق قنواتها مع الغرب بالاعتماد على الصين وروسيا، باعتبارهما أبرز شريكين قادرين على إبقاء بعض المنافذ التجارية والسياسية مفتوحة.

لكن هذا الرهان يواجه حدوداً واضحة. فالصين، رغم كونها المشتري الرئيسي للنفط الإيراني، لا تستطيع منع العقوبات الأميركية من التأثير في قدرة طهران على التصدير والوصول إلى العملات الأجنبية، فيما توفر روسيا دعماً سياسياً واقتصادياً لطهران، لكنها لا تملك حجم الطلب الصيني على الخام الإيراني ولا القدرة على تعويض خسائر الاقتصاد الإيراني.

وتزامن ذلك مع تصعيد أميركي واسع تحت اسم “عملية المنبوذ الاقتصادي”، أطلقتها وزارة الخزانة الأميركية في 24 آب/ أغسطس بهدف استهداف شبكات الإيرادات والتمويل والالتفاف على العقوبات المرتبطة بإيران.

وفرضت الخزانة عقوبات على 36 هدفاً مرتبطاً بقطاع الطيران الإيراني، بينهم 27 شركة طيران إيرانية، واستهدفت أيضاً شركات ووسطاء في دول ثالثة تتهمهم واشنطن بمساعدة قطاع الطيران الإيراني.

الصين.. منفذ النفط الأهم لإيران

تمثل الصين أهم منفذ تجاري متبقٍ أمام إيران، وخصوصاً في قطاع النفط. وتظهر بيانات نقلتها “رويترز” أن صادرات الخام الإيرانية تعرضت لانخفاض حاد خلال الحرب، إذ تراجعت عمليات تحميل النفط من نحو مليوني برميل يومياً في آذار/ مارس إلى ما بين 220 و255 ألف برميل يوميًا في آب/ أغسطس، فيما بقيت الصين المشتري الرئيسي للخام الإيراني.

الرئيس الصيني شي جينبينغ يستقبل نظيره الإيراني مسعود بزشكيان في بكين خلال سبتمبر 2025 (الرئاسة الإيرانية)

ويعتقد محللون في الشأن الاقتصادي أن هذا التراجع يكشف حدود قدرة السوق الصينية على تعويض الخسائر الإيرانية. حيث وجود مشترٍ رئيسي للنفط لا يعني قدرة طهران على إيصال الكميات نفسها إلى السوق، خصوصاً مع القيود المفروضة على حركة الناقلات واضطراب الملاحة في المنطقة.

وبحسب “رويترز”، ظل النفط الإيراني معروضاً للتسليم إلى الصين رغم تراجع قدرة إيران على شحن الكميات المعتادة، بينما تراكمت كميات من الخام في مخزونات عائمة في آسيا نتيجة تعطل حركة التصدير.

وبذلك على الرغم من أن الصين تبدو بالنسبة إلى طهران منفذاً حيوياً، لكنها ليست بديلاً عن النظام التجاري والمالي العالمي الذي تحاول العقوبات الأميركية إغلاق وصول إيران إليه.

وترى بكين أنها العقوبات الأميركية الأحادية لا تعرقل تعاونها مع إيران. وقالت وزارة الخارجية الصينية إن التعاون الصيني الإيراني يجري “في إطار القانون الدولي”، وإن بكين ستتخذ الإجراءات اللازمة لحماية حقوقها ومصالحها.

ولاحقاً حين التقى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي نظيره الصيني وانغ يي في بكين، قال الأخير إن الصين مستعدة لتعزيز الحوار والتعاون مع إيران، وإن استمرار الصراع الأميركي الإيراني لا يخدم مصالح الأطراف المعنية أو المجتمع الدولي.

السوق موجود لكن

تكشف أزمة صادرات النفط بصورة أوضح حدود الرهان الإيراني على الصين. فوفق “رويترز”، أدى الحصار البحري الأميركي منذ منتصف تموز/ يوليو إلى توقف فعلي لصادرات الخام الإيرانية عبر مضيق هرمز لفترات، وتراجعت عمليات تحميل النفط من نحو مليوني برميل يومياً في آذار/ مارس إلى 220-255 ألف برميل يومياً في آب/ أغسطس.  كما تراكم النفط الإيراني في مخزونات عائمة في آسيا مع تعذر إعادة بعض الناقلات إلى الموانئ الإيرانية.

ويمثل ذلك بالنسبة لطهران عائقاً يتمثل في قدرتها على إيصال النفط إلى المشتري وتحويل عائداته إلى موارد مالية يمكن استخدامها داخل الاقتصاد الإيراني.

وتشير “رويترز” إلى أن الضغوط أدت إلى نقص العملات الأجنبية وتراجع الواردات وارتفاع الأسعار داخل إيران، فيما تواجه البلاد واحدة من أشد أزماتها الاقتصادية نتيجة الجمع بين تراجع صادرات النفط والقيود التجارية والمالية.

روسيا.. سند سياسي

إلى جانب الصين، تراهن طهران على روسيا باعتبارها شريكاً سياسياً واقتصادياً في مواجهة الضغوط الغربية.

وفي 17 أيلول/ سبتمبر، استخدمت موسكو وبكين حق النقض ضد مشروع قرار في مجلس الأمن كان يهدف إلى تمديد ولاية فريق الخبراء المستقل المكلف بمراقبة تنفيذ العقوبات المفروضة على إيران والإبلاغ عن الانتهاكات. وحصل المشروع على 11 صوتاً مؤيداً، مقابل تصويت روسيا والصين ضده وامتناع باكستان والصومال.

وقع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان معاهدة شراكة استراتيجية خلال مراسم جرت بعد محادثاتهما في الكرملين. موسكو 17 يناير 2025

ويمثل التصويت دعماً سياسياً مهماً لطهران، لكنه جاء أيضاً في سياق خلاف قانوني وإجرائي بين موسكو وبكين من جهة، والولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا من جهة أخرى، بشأن استمرار العقوبات الأممية وآلية إعادة فرضها.

ومن الجانب الاقتصادي، تعمل روسيا وإيران على توسيع العلاقات التجارية وممرات النقل وآليات الدفع خارج بعض القنوات الغربية، مستفيدتين من تعرض البلدين لعقوبات واسعة.

لكن قدرة موسكو على تعويض خسائر إيران تبقى محدودة. فروسيا نفسها تواجه عقوبات وضغوطاً اقتصادية واسعة، كما أنها ليست سوقاً بديلة بحجم الصين بالنسبة إلى النفط الإيراني.

يرى محللون في الشأن الاقتصادي أن اعتماد طهران على روسيا والصين يضع جزءاً أكبر من تجارتها الخارجية في علاقات مع دولتين لديهما حساباتهما ومصالحهما الخاصة، وليس في تحالف اقتصادي قادر بالضرورة على تعويض خسارة الوصول إلى الأسواق والمؤسسات المالية الغربية.

بريكس.. مساحة سياسية لطهران

ظهر الرهان الإيراني على مجموعة “بريكس” بصورة واضحة خلال قمة المجموعة في نيودلهي في 12 و13 أيلول/ سبتمبر.

قادة دول مجموعة بريكس في الهند – تعبيري

ودفعت طهران داخل المجموعة باتجاه تعزيز التعاون الاقتصادي والمالي بعيداً عن الأدوات التي تفرضها الولايات المتحدة. وقال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إن دول بريكس تحتاج إلى مقاومة العقوبات الأحادية وتوسيع العلاقات الاقتصادية والمالية المستقلة عن “الأدوات الاحتكارية”.

وتنظر إيران إلى بريكس بوصفها مساحة لتوسيع هامش مناورتها الدولية وتقليل أثر العقوبات، وليس باعتبارها وسيلة قادرة على إلغائها.

ويرى مراقبون أنه حتى مع اتساع المجموعة وتعدد قنواتها التجارية، لا تزال طهران بحاجة إلى آليات عملية لتحويل التجارة إلى تدفقات مالية مستقرة، وإلى نقل السلع والنفط، وإلى الوصول إلى التكنولوجيا والاستثمارات والأسواق.

محمد حبش

محمد حبش

صحفي سوري

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم