“البندقية مقابل السيولة”.. هل يدفع الاختناق المالي حكومة الشرع لإرسال قوات إلى اليمن؟

الشرع وولي العهد السعودي

أثارت الأنباء المتداولة مؤخراً بشأن احتمال انخراط تشكيلات عسكرية سورية في صراعات إقليمية، خصوصاً في اليمن بمواجهة جماعة “الحوثيين”، تساؤلات تتجاوز الأبعاد العسكرية والأمنية إلى تداعياتها الاقتصادية، وما إذا كانت دمشق تتجه إلى الاعتماد على أدوارها العسكرية الخارجية للحصول على التمويل في ظل أزمتها المالية، وما قد يحمله هذا المسار من مخاطر على مستقبل الاقتصاد السوري.

فقد كشفت وكالة “رويترز” للأنباء عن مشاورات تجريها دمشق لدراسة نشر قوات تساند الرياض في مواجهة هجمات “الحوثيين”، فيما ذهب موقع “أكسيوس” أبعد من ذلك، متحدثاً عن خطة قيد التداول لبحث نشر ما يصل إلى 20 ألف جندي سوري في اليمن جرى تداولها خلال لقاءات رفيعة في الرياض جمعت رئيس الإدارة الانتقالية السورية، أحمد الشرع، بولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان.

بين التسريبات المتضاربة والنفي الرسمي

فيما تلتزم دمشق نفياً رسمياً حازماً؛ إذ شدد الشرع في مقابلة تلفزيونية مع قناة المشهد اللبنانية في حزيران/ يونيو الماضي على أن بلاده “لا تتبنى أي خيارات عسكرية خارج حدودها”، وهو ما انسحب سابقاً على تسريبات مماثلة نفتها دمشق بشأن التدخل في لبنان، إلا أن دبلوماسياً سورياً أكد في الوقت ذاته لـ”رويترز”، أمس الخميس، وقوف بلاده “بحزم مع السعودية”، مشيراً إلى أن أي تعاون دفاعي سيكون محكوماً بالقنوات الرسمية والاتفاقات الثنائية.

الرئيس السوري وولي العهد السعودي محمد بن سلمان- إنترنت

وبين الإنكار السوري القاطع لإرسال قوات لمحاربة الحوثيين إلى جانب السعودية، وضجيج التسريبات، تبرز مساحة رمادية من التساؤلات المشروعة، لماذا قد تلتفت قيادة سياسية ورثت بلداً خارجاً من 15 عاماً من الدمار، ويحتاج إلى كل قطرة جهد داخلي للتعافي، نحو فتح جبهات خارجية؟، خاصة في ظل اعتماد دمشق على تمويل ودعم الرياض.

في هذا السياق، تبرز التساؤلات حول الدوافع الاقتصادية المحتملة وراء هذا التحرك، إذا تأكدت صحته، وما إذا كان يعكس ضغوطاً مالية تدفع دمشق إلى البحث عن مصادر جديدة للعملة الصعبة، عبر أدوار عسكرية خارجية و “السلاح البشري”، لسد جانب من احتياجات الخزينة العامة وفجوات التمويل المفزعة.

تعافٍ هش وفجوات مالية واسعة

لفهم الدوافع الاقتصادية المحتملة وراء هذا التوجه، لا بد من النظر إلى واقع المالية العامة في سوريا خلال المرحلة الانتقالية، ومدى قدرة الدولة على تغطية نفقاتها وتوفير موارد مستقرة، فحجم الضغوط التي تواجه الموازنة قد يساعد في تفسير لجوء دمشق إلى البحث عن مصادر تمويل جديدة، لكنه يطرح في الوقت نفسه تساؤلات حول انعكاسات ربط الموارد المالية بالأدوار العسكرية الخارجية على مستقبل الاقتصاد السوري.

رغم رفع جزء من العقوبات الدولية القاسية التي فرضت إبان حقبة النظام السابق، وبدء تحسن نسبي في بعض المؤشرات مع عودة نحو 1.5 مليون لاجئ، وتصنيف صندوق النقد الدولي للأداء المالي لعام 2025 بأنه “أرشد بشكل ملحوظ” بعد تحقيقه فائضاً دفترياً طفيفاً نتيجة كبح الإنفاق، إلا أن هذه المؤشرات الإيجابية لا تعدو كونها قشرة رقيقة تخفي تحتها هشاشة هيكلية بالغة:

  • فجوة إعادة الإعمار المهولة: يقدّر البنك الدولي كلفة التعافي بنحو 216 مليار دولار، منها 108 مليارات دولار كأضرار مادية مباشرة لحقت بالبنية التحتية، وسط انكماش في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي تجاوز 53 بالمئة خلال سنوات الصراع.
  • جفاف التمويل الخارجي المستدام: حتى مع سداد الرياض والدوحة ديون سوريا للبنك الدولي وتقديم حزمة مشتركة بقيمة 89 مليون دولار لتغطية رواتب ومساعدات إنسانية مؤقتة عبر الأمم المتحدة، لا تزال حزم الدعم الكبرى غائبة، فالصناديق السيادية تحجم عن ضخ استثمارات استراتيجية في بيئة غير مستقرة، وتتريث العواصم الكبرى في فتح خطوط التمويل المليارية.
  • أزمة السيولة اليومية وتفجر الشارع:  تعجز الخزينة عن تأمين فاتورة الأمان الحيوي (القمح، المحروقات، الدواء)، وقد تجلى هذا المأزق بوضوح حين أجبرت الحكومة الشهر الماضي على رفع أسعار الديزل بأكثر من 40 بالمئة لتخفيف أعباء الدعم، ما أشعل موجة احتجاجات واسعة امتدت عبر ست محافظات، وأرغم السلطة على التراجع الجزئي تحت وطأة الغضب الشعبي.

ويضع هذا التناقض الصارخ بين احتياجات إعادة الإعمار الفلكية والعجز عن تدبير كلفة استيراد الوقود اليومي، الإدارة السورية أمام إغراء البحث عن أي نافذة سيولة طارئة، ولو تطلّب الأمر مقايضة الأدوار العسكرية بالمساعدات النقدية.

سوابق تاريخية تعيد سؤال اقتصاد الحرب

إن استخدام الدور العسكري لتحقيق مكاسب مالية أو سياسية ليس سابقة في تاريخ السياسة السورية، إذ ارتبطت بعض التحركات الخارجية لدمشق، في مراحل مختلفة، بحسابات إقليمية واقتصادية، خصوصاً خلال فترات اشتداد الضغوط المالية وتراجع الموارد.

فقد بنى النظام السابق طوال عقود جانباً من بنيته على “اقتصاد الحرب”؛ سواء بتوظيف الفصائل والميليشيات في ساحات ليبيا والسودان وأفريقيا، أو باستخدام ملف المساعدات الإنسانية كمورد تمويلي لمواجهة العزلة.

الجيش السوري- إنترنت

غير أن الاستدعاء التاريخي الأخطر يعود إلى ما قبل ذلك؛ وتحديداً مطلع تسعينيات القرن الماضي، فيوضح الخبير الاقتصادي محمد علبي، في تصريح خاص لـ”الحل نت”، هذه المفارقة مستعيداً تجربة سوريا خلال ثمانينيات القرن العشرين.

“أسهم تراجع المساعدات العربية في تفاقم الضغوط الاقتصادية حينها، قبل أن تتيح مشاركة دمشق في التحالف الدولي خلال حرب الخليج عام 1991 تحسناً ملموساً في علاقاتها مع العواصم الخليجية واستئنافاً للتدفقات المالية، لكن تلك التجربة أثبتت أن أي انفراج مرتبط بالأدوار الإقليمية لا يكفي بمفرده لبناء اقتصاد منتج يولد موارده ذاتياً، بل يمنح السلطة سيولة آنية مقابل التزامات سياسية وأمنية تفوق عوائدها بكثير”.

الخبير الاقتصادي محمد علبي

ويستشهد علبي بالتجربة العراقية الكارثية عقب الحرب مع إيران، موضحاً أنها خلّفت ديوناً ضخمة وأزمة مالية خانقة، ساهمت إلى جانب الخلافات الإقليمية حول النفط والتمويل في تهيئة الظروف لاجتياح الكويت عام 1990، وفق وثائق الخارجية الأمريكية، وهو مسار انتهى بحرب مدمرة وعقوبات سحقت الاقتصاد العراقي، مشيراً إلى أن ذلك يثبت أن محاولة إنقاذ الموازنة عبر بوابة الجبهات الخارجية غالباً ما يكون مناورة مؤقتة تدفع الدول نحو مستنقعات أمنية تسحق استقرارها المالي بدلاً من إنقاذه.

التمويل العسكري.. أين تذهب الأموال؟

عند طرح احتمال إرسال قوات عسكرية مقابل دعم مالي، قد يبدو الأمر وكأنه صفقة تتيح للدولة الحصول على أموال إضافية لتمويل نفقاتها العامة،  لكن طبيعة هذه التدفقات وآليات توزيعها تحددان مدى استفادة الخزينة منها، إذ لا يعني الحصول على تمويل مرتبط بمشاركة عسكرية بالضرورة أن الأموال ستدخل المصرف المركزي أو تُوجه إلى رواتب المدنيين وبناء المدارس والخدمات العامة، فقد تذهب أجزاء منها إلى نفقات عسكرية أو جهات وسيطة، بحسب طبيعة الاتفاق وآليات تنفيذه.

ويوضح الباحث الاقتصادي يونس الكريم، في تصريح خاص لموقع “الحل نت”، خطورة هذا الفهم المحاسبي القاصر، قائلاً إن هناك فرق جوهري بين المساعدات الرسمية في إطار التحالفات التنموية، وبين التمويل المرتبط بتقديم خدمات عسكرية، ففي الحالة الثانية، يصبح تدفق الأموال مشروطاً باستمرار التدخل أو توسعه، مما يجعل القرار الأمني والسياسي محكوماً بالحاجة إلى الإيرادات، بدلاً من حسابات المصلحة الوطنية.

الرئيس السوري ووزير خارجية بلاده أثناء زيارته السعودية- إنترنت

ويضيف الكريم أن طبيعة هذه الإيرادات لا تبني تنمية مستدامة، مشيراً إلى أن الأموال المرتبطة بالأدوار العسكرية تختلف جذرياً عن عوائد الإنتاج والتصدير والاستثمار؛ وأن الإيرادات الاستثنائية قد تغطي نفقات طارئة، لكنها لا تنشئ مصانع ولا تستصلح أراضي ولا توفر فرص عمل مستقرة، وبذلك تحصل الدولة على سيولة مؤقتة دون أن تتغير قدرتها الأساسية على توليد الدخل الذاتي.

ويتلاقى هذا الطرح مع تشخيص علبي، الذي يحذر من المسار الواقعي لتلك التدفقات، مؤكداً على ضرورة التمييز بين تمويل رسمي يدخل الخزينة العامة، وبين أموال تصب في جيوب المقاتلين وسماسرة التجنيد وشبكات النفوذ، وموضحاً أن التدفقات المرتبطة بالجبهات نادراً ما تنعكس على الموازنة والاحتياطيات وقدرة الحكومة على الإنفاق الخدمي؛ بل ينتهي الأمر بتغذية طبقة مصلحية واقتصاد ظل يعرقل فرض سلطة القانون وبناء مؤسسات الدولة الشفافة.

ورأى أن سوريا قد تتحول إلى نموذج “اقتصاد تصدير الحرب” إذا أصبح إرسال المقاتلين نشاطاً متكرراً تعتمد عليه السلطة أو شبكات مرتبطة بها لتأمين التمويل، فيما تعتمد عليه بعض الأسر مصدراً للدخل، محذراً من أن هذا المسار قد يفاقم خسائر الأرواح والقدرات البشرية، ويرتب أعباء طويلة الأجل لإعالة المصابين وأسر القتلى، فضلاً عن تقوية شبكات مسلحة ترتبط مصالحها بممولين خارجيين، بما قد يحد من استقلال القرار الوطني.

الكلفة الخفية على سوق العمل والاستثمار

إذا كانت المكاسب المحتملة من هذا المسار تقتصر على سيولة مؤقتة، فإن تكلفته قد تمتد إلى سوق العمل والاستثمار، إذ قد تدفع العوائد المرتفعة المرتبطة بالمهام العسكرية بعض الشباب إلى العزوف عن القطاعات الإنتاجية، مثل التعليم والصحة والزراعة والهندسة، بما يفاقم نقص الكفاءات ويعرقل إعادة الإعمار، بحسب علبي.

كذلك، فإن ربط السياسة الخارجية بصراعات إقليمية قد يزيد المخاطر التي يواجهها المستثمرون، ويدفع بعضهم إلى تأجيل مشروعاتهم أو المطالبة بضمانات أكبر، في وقت تحتاج فيه سوريا إلى استثمارات طويلة الأجل لإحياء الإنتاج وخلق فرص العمل وتحقيق التعافي الاقتصادي.

المستثمر يقيّم أولاً استقرار البيئة العامة، وأنه لا ينظر إلى حجم الدعم المؤقت الذي تحصل عليه الحكومة، بل يقيّم الأمان المؤسسي والقانوني، منوهاً بأنه إذا ارتبطت سوريا بصراعات إقليمية جديدة، فسترتفع كلفة المخاطر السيادية إلى حدود تمنع تدفق رؤوس الأموال، مما يبدد فرص التعافي التي أشارت إليها تقارير البنك الدولي وصندوق النقد الدولي لعام 2026 حول أهمية اندماج سوريا بالاقتصادين الإقليمي والعالمي.

الباحث الاقتصادي يونس الكريم

فيما يؤكد علبي الزاوية ذاتها، مبينّاً أنه حتى لو تدفقت أموال من أطراف ممولة لصفقات أمنية، فإن مستثمرين دوليين وإقليميين كُثراً سيؤجلون خططهم أو يطالبون بضمانات تعجيزية لتعويض مخاطر الانخراط في نزاعات خارجية، وهو ما يضعف الحوافز الهيكلية لإصلاح القطاع المصرفي وتحسين بيئة الأعمال.

وخلص علبي إلى أن الاعتماد المتزايد على تصدير المقاتلين قد يجعل الخروج من اقتصاد الحرب أكثر صعوبة، مع نشوء مصالح مالية وسياسية تستفيد من استمرار هذا النمط، لذلك، فإن معيار نجاح أي تمويل خارجي لا ينبغي أن يكون حجم السيولة التي يوفرها على المدى القصير فحسب، بل مدى مساهمته في إعادة بناء المؤسسات، وخلق فرص عمل مدنية، وتحفيز الإنتاج والصادرات، وتوسيع الإيرادات العامة، ومن دون ذلك، قد تتحول الأموال المرتبطة بالأدوار العسكرية من فرصة لالتقاط الأنفاس إلى حلقة جديدة من التبعية المالية والمخاطر السياسية والأمنية.

اقتصاد الظل.. الوجه الآخر للتدخل العسكري

فيما رأى الكريم، أن الخطر لا يتوقف عند التمويل العسكري، بل قد يمتد إلى تنشيط اقتصادات الظل، بما فيها تهريب السلاح والمخدرات والسلع، وتعزيز نفوذ الشبكات المسلحة والوسطاء الذين يستفيدون من ضعف الرقابة والمؤسسات، موضحاً أنه حين تصبح الأنشطة المرتبطة بالحرب مصدراً للدخل، تتشكل مصالح مالية يصعب فصلها عن استمرار الاضطراب، وقد تتحول هذه المصالح إلى قوة تعرقل فرض القانون وإعادة بناء مؤسسات الدولة.

ومن التداعيات التي حذّر منها الكريم استنزاف القوة البشرية، إذ إن توجيه الجنود والمقاتلين والموارد الأمنية إلى مهام خارجية قد يحد من القدرة على معالجة الاحتياجات الداخلية، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى حماية الحدود، وضبط الأمن، وإعادة تأهيل المؤسسات، وتهيئة الظروف اللازمة لعودة النشاط الاقتصادي، مؤكداً أنه إذا تكررت هذه المهام واتسعت، فقد تتزايد كلفتها البديلة، ليس فقط من حيث النفقات المباشرة، بل أيضاً من حيث الفرص التي تخسرها البلاد عندما تُوجَّه الموارد البشرية والمالية إلى أنشطة لا تنتج قيمة اقتصادية مدنية مستدامة.

يقدّر البنك الدولي كلفة التعافي في سوريا بنحو 216 مليار دولار، منها 108 مليارات دولار كأضرار مادية مباشرة لحقت بالبنية التحتية- إنترنت

وأضاف أن المشكلة قد تتجاوز المؤسسة العسكرية لتطال المجتمع بأكمله، إذا أصبح الاقتصاد موجهاً بصورة متزايدة نحو تلبية احتياجاتها وتمويلها، على حساب التعليم والصحة والخدمات والبنية التحتية والاستثمار.

وتابع بأنه في مثل هذا السيناريو، قد تتراجع جاذبية العمل المدني والإنتاجي إذا لم تستطع القطاعات الاقتصادية توفير دخل وفرص مستقرة، بينما تصبح الأنشطة المرتبطة بالمؤسسة العسكرية أكثر حضوراً في توزيع الموارد والوظائف، محذراً من أن استمرار هذا الاختلال قد يضعف رأس المال البشري، ويقلص فرص الشباب في بناء مستقبل اقتصادي خارج دوائر التجنيد والأنشطة المرتبطة بالصراع.

إيرادات غير مضمونة وعجز قابل للتجدد

تبرز، بحسب الكريم، مخاطر إضافية على المالية العامة، إذ إن الإيرادات التي تأتي مقابل أدوار عسكرية لا يمكن افتراض استمرارها أو إدراجها بوصفها مورداً مضموناً لتمويل النفقات الدائمة، فالدولة التي تبني التزاماتها على تدفقات استثنائية قد تجد نفسها أمام عجز جديد إذا توقف التمويل أو تغيرت أولويات الجهة الداعمة، بينما تبقى الرواتب والنفقات التشغيلية واحتياجات الخدمات قائمة، ومن ثم، فإن استخدام هذه الأموال لتغطية احتياجات مؤقتة يختلف جذرياً عن الاعتماد عليها في تمويل التزامات طويلة الأجل، وقد يؤدي غياب التخطيط إلى تعميق الاختلالات المالية بدلاً من معالجتها.

كما حذّر من أن الانخراط في صراعات إقليمية قد يعقّد ملف عودة اللاجئين، الذي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالاستقرار الأمني وتوافر الخدمات وفرص العمل، لافتاً إلى أن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين شددت على أن العودة المستدامة تحتاج إلى ظروف آمنة وكريمة، ودعم لإعادة الاندماج، وتحسين سبل العيش والخدمات الأساسية، وإذا تجددت المخاوف الأمنية أو اتسعت رقعة التوترات، فقد تتراجع ثقة بعض اللاجئين في إمكانية العودة، أو تتأخر عودتهم، بما يحرم الاقتصاد من طاقات بشرية وخبرات وطلب محلي يمكن أن يسهم في التعافي.

لفت كذلك إلى احتمال تعرض سوريا لمخاطر سياسية وقانونية إضافية إذا ارتبط تدخلها الخارجي بانتهاكات أو أنشطة تثير اعتراضات دولية، بما قد يفتح الباب أمام إجراءات تقييدية جديدة أو يعرقل مسار إعادة دمجها في الاقتصاد العالمي، محذراً من أن خسارة الثقة الدولية ستكون مكلفة في مرحلة تحتاج فيها سوريا إلى التمويل التنموي والاستثمارات وإعادة تأهيل قطاعاتها الإنتاجية.

وفي المقابل، أقرّ بأن المشاركة العسكرية قد تتيح الحصول على دعم مالي أو سياسي من دول عربية، لكنه شكك في قدرة هذه التدفقات على توفير حل دائم، خصوصاً إذا كانت مرتبطة بتطورات الصراع ومصالح أطرافه، موضحاً أن الدعم الذي لا يستند إلى قاعدة إنتاجية وإيرادات مستقرة يظل عرضة للتغير، كما أن غياب مظلة سياسية ودولية واسعة قد يجعل الدولة أكثر عرضة لتقلبات التحالفات وتداعيات الخلافات الإقليمية.

وخلص الكريم إلى أن أخطر ما في هذا المسار هو نشوء علاقة عكسية بين الحاجة إلى التمويل والقدرة على اتخاذ قرار مستقل بشأن السياسة الخارجية، فكلما ازدادت حاجة الدولة إلى الإيرادات العسكرية، ارتفعت احتمالات توسع أدوارها الخارجية، وكلما توسعت تلك الأدوار، زادت المخاطر التي قد تعرقل الاستثمار والتعافي وتفرض نفقات جديدة، لتدخل بذلك سوريا في حلقة يصعب كسرها، تتراجع فيها الموارد المدنية، فتزداد الحاجة إلى التمويل العسكري، ثم تتعاظم تبعية القرار الاقتصادي والسياسي لمصادر هذا التمويل.

من اقتصاد الحرب إلى اقتصاد الإنتاج

أكد الكريم، أن الأموال التي يمكن أن تأتي من المشاركة العسكرية قد تؤجل الأزمة المالية، لكنها لا تحلها، وأن الخروج من اقتصاد الحرب يتطلب أكثر من وقف القتال؛ فهو يستلزم إعادة بناء المؤسسات، وتوسيع القاعدة الضريبية والإنتاجية، وتنشيط الصادرات، واستعادة الثقة في النظام المصرفي والقانوني، وتوجيه الإنفاق العام إلى الخدمات والبنية التحتية وفرص العمل.

 ويضيف أن المعيار الحقيقي للتعافي ليس مقدار ما تحصل عليه الدولة من أموال مقابل أدوارها العسكرية، بل قدرتها على تمويل نفسها من اقتصاد منتج، وحماية استقلال قرارها، وتوفير حياة مستقرة لمواطنيها من دون أن يصبح استمرار الصراع شرطاً لاستمرار الإيرادات.

أجبرت الحكومة السورية الشهر الماضي على رفع أسعار الديزل بأكثر من 40 بالمئة لتخفيف أعباء الدعم- إنترنت

وتضع هذه المعطيات القيادة السورية أمام تساؤل جوهري بشأن النموذج الاقتصادي الذي تسعى دمشق إلى ترسيخه في المرحلة المقبلة، هل تتجه نحو اقتصاد إنتاجي يعيد تأهيل المصانع، وينشّط الزراعة، ويستعيد الكفاءات، ويوسّع الصادرات، بما يتيح توليد موارد مستدامة وفرص عمل مستقرة، أم نحو اقتصاد ريعي يعتمد على توظيف القوة البشرية والعسكرية في صراعات خارجية مقابل تمويل مؤقت، قد يوفر الوقود أو يسد بعض الفجوات المالية، لكنه لا يعالج الاختلالات الهيكلية؟.

وتكمن المخاطر في أن يتحول التمويل المرتبط بالأدوار العسكرية إلى بديل عن الإصلاح الاقتصادي، بما يضعف الحوافز لمعالجة عجز الموازنة، ومكافحة الفساد، وتطوير المؤسسات، وتحسين بيئة الاستثمار،  فكلما ازدادت قدرة الدولة على تغطية احتياجاتها من إيرادات استثنائية، تراجعت احتمالات معالجة الأسباب التي تجعلها بحاجة مستمرة إلى هذه الموارد، خصوصاً إذا ارتبط تدفقها باستمرار الصراعات الخارجية.

من هذا المنطلق، فإن تجاوز الأزمة الاقتصادية السورية يتطلب توجيه الموارد البشرية والمالية نحو إعادة الإعمار والإنتاج، وتعزيز الثقة بالمؤسسات، وتوسيع القاعدة الاقتصادية، بدلاً من ربط الإيرادات بأدوار عسكرية خارج الحدود، فالتمويل المؤقت قد يمنح الخزينة متنفساً، لكنه لا يضمن التعافي، وقد يفرض كلفة سياسية واقتصادية طويلة الأجل إذا جاء على حساب استقلال القرار الوطني وفرص بناء اقتصاد مدني مستدام.

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم