“الاسم المستعار آنا”.. وثائقي يكشف تفاصيل الإيقاع بمرتكبي مجزرة التضامن

بدأ التلفزيون السويدي الرسمي عرض الوثائقي البريطاني “الاسم المستعار آنا”، الذي يتناول للمرة الأولى بتفصيل واسع عملية استدراج أمجد يوسف، المتهم الرئيسي بارتكاب مجزرة حي التضامن في دمشق، والجهود البحثية التي قادت إلى كشف هويته وربط اسمه بتسجيلات توثق عمليات قتل نفذتها قوات مرتبطة بالنظام السوري السابق.

ويركز الفيلم، على الباحثة السورية أنصار شحود، التي استخدمت هوية افتراضية باسم “آنا” على موقع فيسبوك للتواصل مع أمجد يوسف وأشخاص آخرين مرتبطين بأجهزة أمن النظام السابق، بهدف جمع معلومات وأدلة حول الانتهاكات التي ارتُكبت خلال سنوات الحرب في سوريا.

ويتضمن الوثائقي تسجيلات وصوراً ومواد أصلية مرتبطة بعملية البحث، إلى جانب شهادات ناجين من مجزرة التضامن، ويعرض كذلك التأثير النفسي الذي تعرضت له شحود خلال عملها في التحقيق.

من “آنا” إلى أمجد يوسف

بحسب الفيلم ومراجعات سابقة له في الصحافة البريطانية، بدأت شحود بالتواصل مع أشخاص مرتبطين بالنظام السوري السابق باستخدام شخصية افتراضية على فيسبوك حملت اسم “Anna sh”.

صورة لأمجد يوسف وهو يرتكب مجزرة في حي التضامن بدمشق – غارديان

وكان الهدف من هذه الاتصالات جمع معلومات حول جرائم وانتهاكات ارتكبت خلال الحرب، قبل أن تتطور العملية إلى تواصل مباشر مع أمجد يوسف، أحد عناصر أجهزة أمن النظام السابق والمتهم بالمشاركة في مجزرة التضامن.

ويستعرض الوثائقي الاتصالات التي جرت بين شحود ويوسف، في محاولة لفهم ما حدث في حي التضامن، والوصول إلى معلومات تتعلق بالجرائم التي وثقتها تسجيلات مصورة انتشرت لاحقاً على نطاق واسع.

وكما يظهر الفيلم مواد مصورة من المحادثات التي أجرتها شحود تحت اسم “آنا”، إلى جانب تسجيلات لحوارات مع أشخاص آخرين سبق لهم العمل مع النظام السوري السابق.

وتشكل هذه المواد أحد أبرز عناصر الفيلم، إذ يحاول الانتقال من قصة اكتشاف تسجيلات مجزرة التضامن إلى كيفية الوصول إلى هوية أحد المتهمين بارتكابها.

ناجون من المجزرة أمام الكاميرا

يتضمن الوثائقي شهادات لناجين من مجزرة التضامن، بينهم أشخاص تعرضوا لإطلاق النار خلال عمليات القتل التي شهدها الحي.

ويعرض الفيلم شهادات عن ناجين أصيبوا بالرصاص، إلى جانب تفاصيل عن حجم الإصابات التي تعرض لها بعض الضحايا، في محاولة لإظهار الجانب الإنساني للجرائم التي وثقتها التسجيلات المصورة.

وتأتي هذه الشهادات بالتوازي مع المواد التي جمعتها شحود وفريقها البحثي، لتربط بين التسجيلات التي وثقت عمليات القتل وبين الأشخاص الذين كانوا يبحثون عن هويات مرتكبيها.

وثائق قد تكون ذات صلة بالتحقيقات القضائية

يقدم الفيلم تفاصيل جديدة حول عملية البحث واستدراج يوسف والمواد التي جمعت خلالها، وهي معلومات قد تكون ذات صلة بالتحقيقات الجنائية الجارية بشأن الجرائم المرتكبة في سوريا.

واعتبر ناشطون سوريون أن هذه النقطة تكتسب أهمية خاصة مع وجود تحقيقات وملفات قضائية مرتبطة بمجزرة التضامن وبأمجد يوسف، الذي أعلنت الحكومة السورية الجديدة اعتقاله في وقت سابق من العام الحالي.

“الغارديان” تنتقد

كان العرض البريطاني الأول للفيلم قد أقيم ضمن مهرجان Sheffield DocFest في 12 حزيران/يونيو 2026، قبل عرضه في عدد من دور السينما البريطانية خلال الشهر نفسه.

صورة نشرتها وزارة الداخلية السورية بعد اعتقال أمجد يوسف

وسبق أن تناولت صحيفة “الغارديان” الفيلم في مراجعة نقدية، أشارت فيها إلى أن الوثائقي يقدم قصة شحود بوصفها أكاديمية سورية مقيمة في أمستردام، نجحت في بناء شخصية افتراضية والوصول من خلالها إلى أشخاص مرتبطين بالنظام السابق.

وبحسب الصحيفة، فإن الفيلم يتعامل مع العملية باعتبارها نوعاً من الاستدراج الإلكتروني، نفذته شحود بالتعاون مع أستاذ دراسات الإبادة الجماعية أوغور أوميت أونغور، بهدف جمع معلومات وشهادات حول الانتهاكات، والوصول بشكل خاص إلى أمجد يوسف.

لكن “الغارديان” انتقدت تركيز الفيلم على عناصر المطاردة والتشويق، معتبرة أن ذلك جاء، في بعض أجزائه، على حساب التعمق في جذور العنف والصدمة والشعور بالعار.

وأشارت الصحيفة إلى أن الفيلم قدم لمحات محدودة عن خلفية يوسف ودوافعه، كما لم يتوسع بما يكفي في شهادات أشخاص آخرين تحدثت إليهم شحود خلال عملها بالهوية المستعارة.

من هي أنصار شحود؟

يعرف موقع “معهد نيو لاينز”، وهو مركز أبحاث أمريكي مقره واشنطن ويعنى بقضايا السياسة الخارجية والأمن الدولي، أنصار شحود بوصفها باحثة متخصصة في عنف الدولة في سوريا. وتحمل شحود شهادة في القانون ودرجة ماجستير في دراسات الهولوكوست والإبادة الجماعية، كما عملت ميدانياً مع منظمات إنسانية، بينها منظمة أطباء بلا حدود.

وكان اسمها قد ارتبط مع فريق البحث الذي عمل على كشف وتوثيق مجزرة حي التضامن، بالتعاون مع الباحث أوغور أوميت أونغور، في التحقيق الذي أدى إلى نشر التسجيلات وتحديد هوية أمجد يوسف.

ظهور أنصار شحود لأول مرة في الفيلم الوثائقي

ويعيد الفيلم تسليط الضوء على الجانب الشخصي من هذه العملية، بما في ذلك الضغوط والصدمة النفسية التي تعرضت لها شحود خلال التواصل مع أشخاص متهمين بارتكاب انتهاكات جسيمة.

لم يخلُ عمل شحود وفريقها من الانتقادات، خصوصاً بعد الكشف عن معلومات مرتبطة بضحايا آخرين، بينهم أطفال الطبيبة السورية رانيا العباسي.

وتركز جانب من الجدل على طريقة إدارة التسجيلات والمواد التي جمعت خلال التحقيق، وتوقيت تسليمها إلى الجهات القضائية، إضافة إلى التساؤلات حول ما إذا كانت عائلات المفقودين والضحايا حصلت في الوقت المناسب على معلومات تتعلق بأقاربها.

ونقلت وسائل إعلام سورية في وقت سابق انتقادات تتعلق بمزاعم الاحتفاظ ببعض المواد وعدم تسليمها سريعاً إلى عائلات الضحايا أو الجهات السورية المختصة.

في المقابل، نفت شحود والباحث أوغور أوميت أونغور إخفاء الأدلة، وقال فريقهما إن المواد سلمت إلى السلطات القضائية في ألمانيا وهولندا قبل نشر التحقيق المتعلق بمجزرة التضامن عام 2022.

وأوضح الفريق أن عدم نشر التسجيلات بشكل كامل كان مرتبطاً، بحسب روايته، بحماية كرامة الضحايا والحفاظ على سلامة الأدلة، وأن تحديد هويات القتلى والضحايا يقع ضمن مسؤولية الجهات القضائية والمختصة.

وبينما اختار الفيلم تقديم هذه القصة من زاوية شخصية أنصار شحود وعملها تحت اسم “آنا”، فإن أهميته بالنسبة إلى الملف السوري تتجاوز الجانب السينمائي، بالنظر إلى أنه يعيد عرض مواد واتصالات مرتبطة بإحدى أكثر المجازر السورية توثيقاً، في وقت دخل فيه أحد أبرز المتهمين فيها مسار الاحتجاز والتحقيق داخل سوريا.

محمد حبش

محمد حبش

صحفي سوري

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم