وثقت منظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” حالات اختفاء قسري واحتجاز ظل فيها مصير ومكان محتجزين مجهولين، خلال الفترة الممتدة من كانون الثاني 2025 وحتى آب 2026، محذرة من استمرار الانتهاكات خلال المرحلة الانتقالية رغم انتهاء حقبة النظام السابق.
وقالت المنظمة، في تقرير نشرته بمناسبة اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري، إن الحالات الموثقة تختلف من حيث طبيعتها واتساعها عن نمط الاختفاء القسري الذي كان سائداً خلال عهد نظام الأسد، لكنها تكشف في الوقت نفسه عن ثغرات مؤسسية وقانونية قد تسمح بتحول هذه الوقائع إلى ممارسة أوسع.
اختفاءات في المرحلة الانتقالية
بحسب التقرير، تضمنت الحالات التي جرى توثيقها أشخاصاً قال أقاربهم أو شهود إن عناصر من قوى الأمن الداخلي التابعة لوزارة الداخلية أو وزارة الدفاع احتجزوهم، استناداً إلى الزي الرسمي الذي كان يرتديه العناصر أو إلى تعريفهم عن أنفسهم بهذه الصفة.

وأفادت المنظمة بأن بعض الجهات الرسمية أنكرت احتجاز الأشخاص أو امتنعت عن الكشف عن مصيرهم وأماكن وجودهم، بينما انتهت حالات أخرى بعد الكشف عن مكان المحتجز والسماح لأسرته بزيارته.
وأكدت “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” أن الكشف عن مكان المحتجز لا يلغي بالضرورة الانتهاكات التي وقعت خلال فترة إخفائه، خصوصاً إذا ترافقت مع اعتقال تعسفي أو سوء معاملة.
أطفال مفقودون
ورصد التقرير أيضاً بلاغات عن أطفال انقطعت أخبارهم، مشيراً إلى أن التحقيقات والمقابلات مع ذويهم أظهرت ارتباط بعض الحالات بتجنيد أطفال أو إلحاقهم بتشكيلات مسلحة تابعة لسلطات أمر واقع، قبل فقدان الاتصال بهم أثناء نقلهم بين مناطق السيطرة أو عقب عمليات قتالية.
وفي حالات أخرى، رجحت المعلومات احتمال تعرض الأطفال للاحتجاز والإخفاء، فيما تلقت عائلاتهم روايات متضاربة بشأن مصيرهم، بين مقتلهم أو إصابتهم أو بقائهم على قيد الحياة داخل أماكن احتجاز، من دون الحصول على تأكيد موثوق.
وشدد التقرير على أن هذه الوقائع لا تصنف تلقائياً كاختفاء قسري ما لم تثبت عناصر الجريمة وفق المعايير القانونية، لكنها قد تنطوي على انتهاكات أخرى، بينها تجنيد الأطفال واستخدامهم والحرمان من الحرية وعدم البحث عنهم أو الكشف عن مصيرهم.
غياب سجل موحد للمحتجزين
وترى المنظمة أن استمرار حالات الاختفاء لا يرتبط فقط بغياب قانون مستقل يجرّم الاختفاء القسري، وإنما أيضاً بـغياب سجل موحد للمحتجزين، وضعف الرقابة القضائية، وبطء الاستجابة للبلاغات، وتعدد جهات الاحتجاز من دون سلسلة مسؤولية واضحة.

ورغم إنشاء الهيئة الوطنية للمفقودين، يعتبر التقرير أن الإجراءات المؤسسية المتخذة لم تتحول بعد إلى ضمانات عملية كافية لمنع وقوع حالات جديدة، أو البحث عن جميع الضحايا بصورة شاملة ومن دون تمييز.
كما أشار إلى أن عائلات المختفين تحملت في كثير من الحالات عبء البحث عن ذويها، وما رافقه من استنزاف نفسي ومادي، بينما تعرض بعضها للابتزاز في مقابل الحصول على معلومات عن مصير المحتجزين.
توصيات للسلطات السورية
ودعت المنظمة السلطات السورية الانتقالية إلى إنهاء الاحتجاز السري وغير المسجل، وإنشاء سجل وطني موحد لجميع الأشخاص المحرومين من حريتهم، وإبلاغ عائلاتهم فوراً بأماكن احتجازهم وأسبابها.
كما طالبت بضمان حق المحتجزين في الوصول إلى محامٍ وطبيب، والمثول أمام القضاء دون إبطاء، وفتح تحقيقات مستقلة في الحالات الواردة في التقرير، إلى جانب اعتماد قانون يجرم الاختفاء القسري وفق المعايير الدولية وإلغاء النصوص التي تسمح بالاحتجاز لفترات طويلة من دون رقابة قضائية.
ودعت “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” كذلك إلى أن يشمل عمل الهيئة الوطنية للمفقودين الحالات التي وقعت بعد سقوط النظام السابق، والتصديق على الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، والتعاون مع المؤسسات الدولية والأممية، بما فيها المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في سوريا، والسماح لها بالعمل في جميع أنحاء البلاد.

