رغم غياب الدعم.. هل تعيد الحسكة رسم خريطة الأمن الغذائي في سوريا؟

رغم تراجع الخدمات الزراعية، وارتفاع تكاليف الإنتاج، واستمرار التحديات اللوجستية التي تواجه القطاع الزراعي في شمال شرقي سوريا، تواصل محافظة الحسكة ترسيخ موقعها بوصفها الخزان الأكبر للقمح في البلاد، مع اقتراب إنتاجها من 1.2 مليون طن خلال موسم 2026، في وقت تراهن فيه الحكومة السورية على المحصول لتعزيز مخزونها الاستراتيجي وتقليص فجوة الاستيراد.

وبلغت كميات القمح التي استلمتها المؤسسة السورية للحبوب من مزارعي محافظة الحسكة حتى نهاية تموز/يوليو الماضي مليوناً و150 ألف طن، مع توقعات بارتفاع الحصيلة إلى نحو مليون و200 ألف طن مع انتهاء الموسم.

وقال مدير فرع المؤسسة في مدينة القامشلي، عبد الحميد داوود، لشبكة “روداوو” الكردية، إن القمح من الدرجة الأولى استحوذ على الحصة الأكبر من الكميات المستلمة، بواقع 400 ألف طن، فيما توزعت بقية الكميات على الدرجات الثانية والثالثة والرابعة.

350 ألف طن إلى دمشق وحلب

وفي سياق العمليات اللوجستية، أوضح داوود أن نحو 350 ألف طن من القمح نقلت إلى محافظتي دمشق وحلب، مبيناً أن الطاقة التخزينية لصوامع الحسكة تبلغ مليوناً و200 ألف طن، إلا أن وجود 560 ألف طن من مخزون الموسم الماضي قلص المساحات المتاحة لاستقبال المحصول الجديد.

مزارعون يحصدون موسم القمح في محافطة الحسكة – انترنت

وأضاف أن المؤسسة اضطرت إلى نقل كميات إضافية إلى محافظات أخرى لتفريغ الصوامع واستيعاب الإنتاج الحالي، استعداداً أيضاً لاستقبال محصول الموسم المقبل.

ولتسهيل عمليات الاستلام، ارتفع عدد مراكز استلام الحبوب في المحافظة إلى 21 مركزاً، بعد افتتاح مركز جديد في مدينة الدرباسية، مع خطط لتأهيل وتوسعة صوامع “عالية” و”الدرباسية”، اللتين تتجاوز طاقتهما التخزينية 100 ألف طن. ووفقاً للمؤسسة السورية للحبوب.

لا تعويض للمزارعين المتضررين

في المقابل، لا يزال آلاف المزارعين يواجهون خسائر كبيرة دون تعويضات رسمية. وكانت مديرية الزراعة والإصلاح الزراعي في الحسكة كشفت، في وقت سابق، لوكالة “سانا”، أن حرائق موسم الحصاد أتلفت نحو 65 ألف دونم، منها 61 ألف دونم مزروعة بالقمح و4 آلاف دونم بالشعير، تركزت معظمها في مناطق أبو راسين والدرباسية وعامودا بريف الحسكة.

وأضافت المديرية أنها أنهت عمليات حصر الأضرار بالتنسيق مع الجهات المعنية، ووثقت جميع المساحات المتضررة وفق الكشوف النهائية، مشيرة إلى أن القوانين النافذة لا تتيح تعويض المزارعين المتضررين، ما يضع آلاف الأسر الزراعية أمام خسائر مباشرة، رغم أن المحافظة تعد أكبر منتج للقمح في سوريا.

وأوضح مدير الزراعة، رجب الكلش، أن حرائق المحاصيل الزراعية لا تندرج ضمن الحالات التي يشملها صندوق التخفيف من آثار الجفاف والكوارث الطبيعية، وهو ما يحرم المزارعين من أي تعويضات رسمية، رغم خسارة مصدر دخلهم الرئيسي.

الحسكة تتصدر الإنتاج

وبحسب إحصاءات وزارة الاقتصاد والصناعة السورية، تصدرت محافظة الحسكة حتى 12 تموز/ يوليو الماضي قائمة المحافظات الأكثر توريداً للقمح، بعدما تجاوزت الكميات المسلمة 907 آلاف طن، أي ما يعادل 43.7% من إجمالي الكميات المستلمة على مستوى البلاد، والبالغة نحو مليونين و76 ألف طن.

حصاد القمح عام 2021 في بلدة الدرباسية شمال محافظة الحسكة (الشرق الأوسط)

وتتوزع بقية الكميات على محافظات الرقة وحلب، إضافة إلى إنتاج أقل في حماة ودير الزور ودرعا وإدلب وحمص ومناطق الساحل.

وكان مدير الشؤون الزراعية والوقاية في وزارة الزراعة السورية، أحمد جلال الأحمد، توقع في تصريحات سابقة لوكالة “رويترز” أن يتراوح إنتاج القمح في سوريا هذا الموسم بين 2.3 و2.5 مليون طن، مقارنة بنحو 900 ألف طن فقط في الموسم الماضي، مدفوعاً بتحسن الهطولات المطرية وعودة احتساب إنتاج المحافظات الشمالية والشمالية الشرقية ضمن التقديرات الرسمية.

وأكدت وزارة الزراعة في بيان سابق أن كميات القمح المستلمة وجودة المحصول حققتا تقدماً ملحوظاً، بما يسهم في تعزيز المخزون الاستراتيجي ودعم الأمن الغذائي.

ورغم الأرقام القياسية التي تسجلها الحسكة في إنتاج القمح، فإن استمرار ضعف الدعم الحكومي، وغياب التعويضات عن الأضرار التي لحقت بالمزارعين، ومحدودية البنية التخزينية، يثير شكوك حول قدرة المحافظة على الحفاظ على دورها بوصفها ركيزة الأمن الغذائي في سوريا.

محمد حبش

محمد حبش

صحفي سوري

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم