قال وزير الطوارئ وإدارة الكوارث السوري رائد الصالح إن بلاده تحتاج إلى أكثر من 300 مليار دولار لإعادة الإعمار، داعياً المجتمع الدولي إلى الانتقال من تقديم المساعدات إلى بناء شراكات واستثمارات طويلة الأمد، ومنتقداً عدم عقد مؤتمر دولي جديد مخصص لإعادة إعمار سوريا.
وفي مقابلة مع قناة “الحرة“، قال الصالح: “مع الأسف، مثلما خذل المجتمع الدولي الشعب السوري على مدار 14 عاماً ماضية، اليوم يفعل الشيء نفسه”.
وأشار الوزير السوري إلى أن إعادة الإعمار بالنسبة لهم لا تعني إعادة بناء المنازل والطرق والبنية التحتية فحسب، وإنما تشمل إعادة بناء الاقتصاد وإطلاق دورة الإنتاج، بما يوفر فرص عمل ويسهم في تحقيق الاستقرار وتهيئة الظروف لعودة السوريين “بشكل آمن ومستدام”.
مسار مرتبط بالتعافي والتمويل
وتأتي مطالبة الصالح في وقت شهد فيه الملف السوري بالفعل تحركات دولية مرتبطة بالتعافي والتمويل، لكن من دون عقد مؤتمر جديد مخصص حصراً لإعادة إعمار البلاد وجمع التمويل اللازم لها.
ففي 17 آذار/ مارس 2025، استضاف الاتحاد الأوروبي مؤتمر بروكسل التاسع تحت عنوان “الوقوف إلى جانب سوريا: تلبية احتياجات مرحلة انتقال ناجحة”، بمشاركة الحكومة السورية الانتقالية ودول مانحة ومنظمات دولية. وأسفر المؤتمر عن تعهدات بقيمة 5.8 مليار يورو لسوريا والدول المجاورة لعامي 2025 و2026، بينها نحو 3.37 مليار يورو من الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء.
لكن طبيعة المؤتمر كانت أوسع من إعادة الإعمار، إذ ركز على دعم المرحلة الانتقالية والاحتياجات الإنسانية والتعافي الاجتماعي والاقتصادي، إلى جانب دعم المجتمعات المضيفة للاجئين في دول الجوار.
وفي أيار/ مايو 2026، عقد الاتحاد الأوروبي والحكومة السورية “منتدى تنسيق الشراكة السورية”، بهدف تنسيق الجهود الدولية المتعلقة بالمساعدات وإعادة الإعمار والتنمية، بمشاركة دول ومنظمات دولية ومؤسسات مالية كبرى. كما تناول أول حوار سياسي رفيع المستوى بين الاتحاد الأوروبي وسوريا في الشهر نفسه دعم الاستقرار والتعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار.
ويقرأ مراقبون قول الصالح إن مؤتمراً دولياً جديداً لإعادة الإعمار لم يعقد باعتباره مطالبة بمؤتمر تمويلي مخصص لإعادة إعمار سوريا، وليس إشارة إلى غياب الاجتماعات والآليات الدولية المتعلقة بالتعافي وإعادة الإعمار.
فجوة كبيرة بين الاحتياجات والتعهدات
وتبرز حجم الفجوة التمويلية عند مقارنة الرقم الذي طرحه الصالح بالتقديرات الدولية المتاحة. فقد قدر البنك الدولي، في تقييم نشره في تشرين الأول/ أكتوبر 2025، كلفة إعادة بناء الأصول المادية المتضررة في سوريا بنحو 216 مليار دولار، مع نطاق تقديري يتراوح بين 140 و345 مليار دولار.

ويشير التقييم إلى أن البنية التحتية والمباني السكنية وغير السكنية تضررت على نطاق واسع خلال الفترة بين 2011 و2024.
ويختلف تقدير الصالح البالغ أكثر من 300 مليار دولار عن الرقم الأساسي للبنك الدولي، لكنه يقع ضمن النطاق الأعلى لتقديراته البالغ 345 مليار دولار. كما أن تقييم البنك الدولي يقتصر على تكاليف إعادة بناء الأصول المادية التي شملها المسح، ولا يمثل بالضرورة كامل تكلفة التعافي الاقتصادي والاجتماعي الأوسع.
في المقابل، بلغت تعهدات مؤتمر بروكسل التاسع 5.8 مليار يورو لعامي 2025 و2026، وهي أموال موجهة إلى الانتقال والتعافي الاقتصادي والاجتماعي والاحتياجات الإنسانية في سوريا والمنطقة، وليست حزمة تمويل لإعادة إعمار البلاد بقيمة تعادل احتياجاتها الإجمالية.
دمشق تريد الاستثمار
ويطرح الصالح تصوراً عن نموذج المساعدات التقليدي، إذ يقول إن الحكومة لا تطلب من المجتمع الدولي تأمين كامل تكلفة إعادة الإعمار، وإنما تسعى إلى جذب الاستثمارات وإقامة شركات وشراكات طويلة الأمد.

ويضع هذا الطرح إعادة الإعمار في إطار اقتصادي أوسع، يقوم على إعادة تشغيل الإنتاج وتوفير فرص العمل، بدل الاقتصار على تمويل إصلاح الأضرار المادية. ويقول الصالح إن هذا المسار يمكن أن يساعد أيضاً في توفير الظروف اللازمة لعودة السوريين.
ويتقاطع هذا التصور مع التحول التدريجي في النقاش الدولي حول سوريا من الاستجابة الإنسانية الطارئة إلى التعافي والتنمية. وقال برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في شباط/ فبراير 2025 إن الاقتصاد السوري يحتاج إلى تسارع كبير في النمو حتى يستعيد مستويات ما قبل الحرب خلال فترة أقصر، بعدما أدى الصراع إلى تراجع حاد في رأس المال الاقتصادي والبشري
كما اتجهت المؤسسات الدولية خلال 2026 إلى تمويل مشاريع مرتبطة بإعادة تأهيل الخدمات الأساسية؛ إذ وافق البنك الدولي في نيسان/ أبريل 2026 على تمويل بقيمة 225 مليون دولار للمياه والصحة، يستفيد منه نحو 4.5 ملايين سوري.
ما الذي ينقص المسار الدولي؟
وتكشف تصريحات الصالح عن فجوة بين حجم الاحتياجات التي تقدرها الحكومة والمؤسسات الدولية، وبين طبيعة التمويل المتاح حتى الآن. فالبنك الدولي يقدر كلفة إعادة بناء الأصول المادية المتضررة بمئات المليارات، بينما ما يزال الدعم الدولي موزعاً بين المساعدات الإنسانية، والتعافي المبكر، وتمويل قطاعات محددة، ودعم الانتقال الاقتصادي.
وفي أيار/ مايو 2026، قال الاتحاد الأوروبي إنه يعمل مع السلطات السورية على تنسيق الجهود الدولية في مجالات المساعدات وإعادة الإعمار والتنمية، في إطار منتدى الشراكة، ما يشير إلى وجود مسار تنسيقي قائم، لكنه لا يرقى إلى مؤتمر مانحين شامل مخصص لتغطية احتياجات إعادة الإعمار التي يتحدث عنها الصالح.
وبذلك، لا تتمثل المسألة فقط في عقد مؤتمر جديد، وإنما في طبيعة الآلية التي يمكن أن تجمع بين التمويل العام والاستثمار الخاص والمؤسسات المالية الدولية، وتحوّل التعهدات والمساعدات القطاعية إلى مشاريع إعادة إعمار وتنمية طويلة الأمد.
- “لا مؤتمر إعادة إعمار سوريا”.. دمشق تنتقد غياب مسار دولي لتمويل مرحلة التعافي
- بعد إعلان توقيف أحد المتهمين.. ماذا نعرف عن “مجزرة العتيبة” بريف دمشق؟
- مفتي السعودية يدعو لتوحيد الصفوف ضد جماعة “الحوثي”
- تأخر عودة مهجري سري كانيه/رأس العين يحرم آلاف الأطفال من التعليم
- تراجع الخدمات الصحية يرهق سكان البوكمال مع نقص الأدوية والتجهيزات

