وسعت الولايات المتحدة نطاق ضغوطها على إيران، عبر استهداف طرق الإمداد البرية والبحرية التي تستخدمها طهران لتأمين احتياجاتها التجارية والعسكرية، مع إدخال بحر قزوين ضمن نطاق التحرك الأميركي الجديد، لتضع أحد أهم مسارات التجارة بين إيران وروسيا تحت المراقبة.
وأمس السبت، أعلنت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، تشكيل قوة مهام جديدة تحمل اسم “البوابة الحديدية”، بهدف الحد من قدرة إيران على نقل منظومات الأسلحة المتطورة والتكنولوجيا ذات الاستخدام المزدوج والمواد الخاضعة للعقوبات، فضلاً عن ما وصفته بتدفقات الإيرادات غير المشروعة، عبر الحدود البرية الإيرانية وبحر قزوين.
وقال قائد القيادة المركزية الأميركية، الأدميرال براد كوبر، إن القوة الجديدة ستعزز الإجراءات الأميركية المفروضة على إيران، وتحد من قدرة طهران على تمويل الجماعات المسلحة وإعادة بناء مصانع الأسلحة وتعويض مخزوناتها العسكرية.
وتتألف القوة من نحو 20 عسكرياً وموظفاً مدنياً، وسيكون مقرها في مدينة تامبا بولاية فلوريدا، على أن تعمل بالتنسيق مع مؤسسات حكومية أميركية، بينها وزارات الخزانة والخارجية والعدل وأجهزة الاستخبارات، وفق ما نقلته وكالة “رويترز”.
ويأتي الإعلان بعد أشهر من فرض واشنطن حصاراً بحرياً على الموانئ الإيرانية في تموز/ يوليو الماضي، حيث منعت طهران من تصدير نفط خام تتجاوز قيمته 25 مليار دولار. وفق أرقام “سنتكوم”.
ويرى مراقبون للتصعيد الأميركي الإيراني أنه يمثل توسيعاً في أداوت الضغط على النظام الإيراني، إذ لم تعد واشنطن تركز على حركة الصادرات النفطي من الموانئ الجنوبية فقط، إنما تسعى أيضاً إلى مراقبة المسارات البديلة التي يمكن أن تستخدمها طهران لتجاوز القيود المفروضة على تجارتها.
بحر قزوين.. ممر التجارة بين إيران وروسيا
ويتفق مراقبون على أهمية بحر قزوين في الحسابات الأميركية، بسبب موقعه الجغرافي الذي يتيح لإيران الوصول إلى روسيا ودول آسيا الوسطى عبر شبكة من الموانئ والطرق البرية والسكك الحديدية، بعيداً عن الممرات البحرية الجنوبية التي تخضع للقيود الأميركية.
وتضم الدول المطلة على البحر إيران وروسيا وأذربيجان وكازاخستان وتركمانستان، ما يجعله مساحة اتصال تجاري بين شمال إيران وجنوب روسيا وآسيا الوسطى. وفق مراقبون.
وتبرز أهمية هذا المسار في إطار مشروع “ممر النقل الدولي شمال-جنوب”، الذي يربط روسيا بإيران وصولاً إلى الخليج والمحيط الهندي، عبر شبكة متعددة الوسائط تشمل النقل البحري والبري والسكك الحديدية.
ويعتمد المسار البحري للممر على موانئ روسية، بينها أستراخان وأوليا ومحج قلعة، وموانئ إيرانية أبرزها بندر أنزلي وأمير آباد، بما يسمح بنقل البضائع بين البلدين عبر بحر قزوين، ثم مواصلة نقلها براً أو عبر السكك الحديدية.
وتشير دراسة لمعهد الدراسات الاستراتيجية الدولية (RUSI) إلى أن هذا المسار اكتسب أهمية متزايدة منذ عام 2022، مع توسع التعاون الروسي الإيراني، واستخدامه في نقل النفط والأسلحة والمعدات، بعدما كان أحد المسارات المرتبطة بنقل الطائرات المسيرة الإيرانية إلى روسيا قبل انتقال موسكو إلى إنتاجها محلياً.
ولا تقتصر أهمية الممر على العلاقات الثنائية، إذ يمنح البلدين بديلاً عن طرق التجارة التقليدية التي تمر عبر أوروبا والممرات البحرية الدولية، في ظل العقوبات الأميركية المفروضة عليهما.
وتسعى موسكو إلى تطوير هذا الممر لتأمين خطوط تجارية بديلة، فيما تستفيد طهران من موقعها الجغرافي لربط روسيا بالأسواق الجنوبية، وتوفير منافذ إضافية للتجارة والاستيراد بعيداً عن الموانئ الإيرانية المطلة على الخليج.
مسارات بديلة لتجاوز العقوبات
وتزداد أهمية بحر قزوين بالنسبة إلى إيران مع تعرض موانئها الجنوبية لضغوط الحصار الأميركي، إذ يوفر لها منفذاً تجارياً شمالياً يمكن من خلاله استقبال شحنات من روسيا ودول أخرى، ثم نقلها إلى الداخل الإيراني عبر الطرق البرية وشبكات السكك الحديدية.

وفي تقرير نشره مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) في حزيران/ يونيو 2026، أشار إلى أن إيران قد تتجه إلى توسيع مسارات استيراد المعدات ذات الاستخدام المزدوج عبر باكستان وبحر قزوين، في ظل تراجع قدرة الموانئ الجنوبية على أداء دورها السابق.
ولفت التقرير إلى أن نقل البضائع من دول ثالثة إلى الدول المطلة على بحر قزوين، ثم إلى الموانئ الإيرانية الشمالية، يوفر مساراً بديلاً عن الخليج العربي، ويجعل عمليات مراقبة الشحنات أكثر تعقيداً، خصوصاً مع تعدد الدول والشركات والوسطاء المشاركين في عمليات النقل.
وفي هذا السياق، كشف تحقيق نشرته “رويترز” أواخر تشرين الأول/ أكتوبر عن شبكة مشتريات مرتبطة بوزارة الدفاع الإيرانية تضم أكثر من 5 آلاف جهة، استخدمت لاستيراد معدات ومكونات عسكرية بقيمة لا تقل عن ملياري دولار منذ كانون الثاني/ يناير 2025.
ورصد التحقيق وصول شحنات عبر سفن من روسيا وشاحنات من آسيا الوسطى وطائرات شحن من الصين، شملت مكونات تدخل في تصنيع الصواريخ والطائرات المسيّرة، ومواد متفجرة ومعدات صناعية وشاحنات ثقيلة.
كما أشار التحقيق إلى ارتباط بعض الجهات بشبكات تابعة للحرس الثوري الإيراني ومؤسسات اقتصادية مرتبطة بالنخبة الحاكمة، ما يكشف حجم التعقيد في شبكات التوريد التي تعتمد عليها المؤسسات العسكرية الإيرانية لتأمين احتياجاتها الخارجية.
روسيا أمام تدقيق أميركي متزايد
يشيرون مراقبون أن التحرك الأميركي يضع طرق التجارة بين روسيا وإيران أمام تدقيق أكبر، خصوصاً أن بحر قزوين يمثل أحد المسارات التي يعتمد عليها البلدان لتعزيز التبادل التجاري والتعاون اللوجستي في مواجهة العقوبات الغربية.
وتشير بيانات نشرتها مؤسسة “لويدز ليست” المتخصصة في الشؤون البحرية، في تشرين الأول/ أكتوبر 2026، إلى ارتفاع عدد السفن الإيرانية والروسية النشطة في بحر قزوين بنسبة 21 بالمئة على أساس سنوي خلال آب/ أغسطس، بالتزامن مع زيادة سعة الشحن العام على الممر التجاري بين البلدين بنسبة 36 بالمئة.
وربطت المؤسسة هذا النشاط بتوجه التجار إلى استخدام بحر قزوين مساراً بديلاً، في ظل اضطرابات الملاحة في مضيق هرمز، لكنها أشارت أيضاً إلى وجود قيود تتعلق بانخفاض مستويات المياه ومحدودية قدرات الموانئ والاختناقات في طرق الوصول النهرية.
ولا تقتصر أهمية هذا المسار على التجارة المدنية، إذ سبق أن ارتبط بنقل معدات وتكنولوجيا عسكرية بين موسكو وطهران.
ووفق دراسة نشرها المعهد الملكي للخدمات المتحدة (RUSI) في أيار/ مايو 2026، استخدمت روسيا وإيران موانئ بحر قزوين لنقل الأسلحة والنفط، كما شكل البحر أحد المسارات الرئيسية لنقل الطائرات المسيّرة الإيرانية إلى روسيا قبل أن تبدأ الأخيرة بتوطين إنتاجها.
الحرس الثوري يقلل من أهمية التحرك
في المقابل، قلل الحرس الثوري الإيراني من أهمية القوة الأميركية الجديدة، وقال المتحدث باسمه حسين محبي، اليوم الأحد، إن خطة “البوابة الحديدية” لن تحقق أهدافها في فرض ضغوط اقتصادية تؤدي إلى انهيار الاقتصاد الإيراني.

وأضاف محبي، في تصريحات نقلتها وكالة “فارس” شبه الرسمية، أن إيران اتخذت استعدادات لمواجهة الضغوط الأميركية، وأن علاقاتها مع دول الجوار وثيقة، معتبراً أن الخطة الأميركية “ليست سوى تلاعب بالألفاظ”.
ويأتي الموقف الإيراني في وقت تواجه فيه طهران تحدياً يتعلق بالحفاظ على طرق الاستيراد والتجارة الخارجية، في ظل القيود المفروضة على موانئها وصادراتها النفطية، وتزايد التدقيق الأميركي في شبكات الشركات والوسطاء المرتبطة بمؤسساتها العسكرية.

