سمر مهنا
لم تستطع أم محمد الغياب عن عملها كـ”فلاحة في الأرض” في تركيا على الرغم من تعبها الشديد، فالشاويش وهو المشرف على تشغيل الفلاحين، لا يسمح لأحد بالتغيب عن العمل أياً كان العذر، كمرض الكلى الذي تعاني منه أم محمد قبل قدومها إلى تركيا بأعوام، والنتيجة أنها استيقظت تحت حر الشمس وهي ممدة بين نباتات الفليفلة، والنمل يجري على يديها ووجهها بعد أن أصيبت بالإغماء بسبب مرضها.
تعمل أم محمد بـ”الفاعل”، هي ونساء أخريات في بلدة الريحانية الحدودية مع سوريا، بعد أن خرجن من بلادهن تاركات وراءهن بيوتهن التي تهدمت، وذكريات عن شهدائهن، لم يحضرن معهن إلا بعض الثياب فقط، بالإضافة إلى الأوراق الثبوتية التي نجت من الضياع لدى البعض فقط.
لجوء
تحدثت أم محمد عن رحلتها من قرية حلفايا في ريف حماه إلى تركيا، عندما أخرجهم جيش النظام مساء من بيوتهم على عجل، آخذين معهم ما استطاعوا حمله على عجل من ثيابهم إلى الطرف الآخر من الحدود التي وقفوا عليها مدة أسبوع قبل أن يستطيعوا الهروب من تحت السياج إلى تركيا على غفلة من رصاص الحرس التركي، فهم لا يمتلكون جوازات سفر تجعلهم يعبرون بطريقة نظامية.
تقول أم محمد لموقع الحل: “لم نكن نملك سوى أجرة الطريق وطعاماً لمدة أسبوع، لكن عائلة تركية قدمت لنا منزلاً صغيراً مجاناً للمكوث فيه ريثما وجدنا عملاً”.
فرصة عمل
بعد شهر من وصول أم محمد وعائلتها إلى تركيا، جاءت إليها جارتها السورية وأخبرتها أنها ستعمل بالزراعة مقابل 15 ليرة تركية في اليوم، وسألتها إن كانت تريد العمل معهم، فما كان من أم محمد إلا أن وافقت بسرعة لحاجتهم الشديدة للمال من جهة، ومن جهة أخرى لأنها كانت في سورية فلاحة أيضاً فهذا العمل ليس غريباً عنها، لكن أكبر مخاوفها كان مرض الكلى الذي تعاني منه، والذي يحتاج إلى كميات كبيرة من الماء والراحة.
بدأت أم محمد العمل مع 15 امرأة سورية جاؤوا من حلب وحماه وادلب إلى تركيا للأسباب ذاتها، حيث تبدأ رحلتهن كل يوم من ركوبهن في الشاحنة من الخلف الساعة الخامسة صباحاً لتنتهي عند الساعة الخامسة مساء.
لون بشرة أم محمد السمراء اكتسبته هذا الصيف بسبب العمل تحت الشمس، تقول مبتسمة “كنت بيضاء سابقاً، عندما بدأنا العمل في فصل الشتاء كان كل شيء بخير، حتى صحتي أما الآن فالوضع صعب بالنسبة لي خاصة بعدما أجريت عملية واستأصلت إحدى كليتي”.
عن الشاويش
الشاويش كما توضح أم أحمد هو من يجمع الفلاحين للعمل لدى مالك الأراضي، وهو قد يكون جيداً أو سيئاً “أنت وحظك… وأنا من ذوي الحظ السيء، فقد رفض الشاويش أن يمنحني إجازة بسبب تعبي، فقد أصبت أكثر من مرة بحالة إغماء خلال عملي لأن مرض الكلى يحتاج إلى الراحة، وعلى الرغم من تناولي جرعات كبيرة من الماء لكن العمل تحت الشمس يجعلني أتعرق وأصرف هذه الكميات بسرعة”.
بعض العاملين أكثر حظاً من غيرهم، حيث تكون معاملة شاويشهم أفضل من غيره، تقول أم محمد إن شاويش جارتها يسمح للعاملين معه بالاستراحة، كما أنه يمازحهم دائماً، مع أنه لا يدفع لهم أجرتهم كل 6 أشهر، لكنهم في حال احتاجوا وطلبوا يعطيهم فوراً.
توقل أم محمد: ” موسم القطاف الحالي هو الفليفلة وهو أصعب موسم بسبب الحر الشديد، وأثر لهيب الفليفلة على الأيادي، أما الموسم القادم هو موسم القطن وهو صعب القطاف أيضاً، لكنه يبقى أفضل بالنسبة لنا”.
أكثر من 3000 عائلة سورية تقطن في بلدة الريحانية التركية الواقعة على الحدود السورية، وأغلب العاملين في الأراضي الزراعية التركية هم سوريون، وهو ما أثر على أجر الفلاح التركي الذي انخفض من 25 ليرة تركية إلى 15 ليرة بسبب انخفاض أجر اليد العاملة السورية.
خيمة أو حصيرة
غرفة المعيشة المتواضعة في منزل أم محمد مؤلفة من فرشتين وحصيرة وبعض الوسائد وتلفاز صغير، أما الجدران فهي خالية من أي شيء إلا صورة عشريني يلف كوفية على عنقه، وفي زاويتها شريط أسود.
نظرت أم محمد إلى صورة ابنها بحزن، قائلة: “استشهد ولم استطع رؤيته لوداعه للمرة الأخيرة، لا أريد شيئاً سوى العودة إلى أرضي وإن تهدم منزلي سأضع مكانه خيمة أو حصيرة لا يهمني، أكثر ما يهمني هو أن أعود”.

