كاترين إلجر, موقع الـ ,Spiegel 4 آب 2014.
ترجمة موقع الحل السوري.
لقد دمّرت الحرب الأهلية السورية عدداً غير محدود من ثروات الوطن القديمة، وقتلت أيضاً عشرات الآلاف من الناس. بينما يخاطر الآن مجموعة من السوريين بحياتهم في محاولة لإنقاذ ما بوسعهم من تلك الثروات.
يدفع شيخموس علي علبة من أقلام الحبر الناشف عبر الطاولة نحو صديقه وابن بلده أحمد، ذلك السوري الشجاع الذي يسأله ضاحكاً بصوتٍ جَهوري وهو يدس أحد الأقلام في جيب قميصه: ” أتعتقد أنه سوف يعمل؟”.
هز علي رأسه قائلا: “وكيف”، عالم الآثار هذا فخورٌ بخطته: لقد غرس كاميرات رقمية صغيرة داخل الأقلام، ويكمل قائلاً: “الجودة ليست عالية، ولكنها تفي بالغرض”.
إنه يومٌ صيفيٌ حار، ويجلس الرجلان على شرفة مطعم في الطابق الأول من متجر في غازي عنتاب الواقعة جنوب تركيا، وتحت تلك الشرفة يوجد مركز لبيع الأدوات الكهربائية، وشارع مزدحم رباعي الأفرع حيث تستعر الحرب الأهلية السورية على بعد نحو 60 كيلومتراً منه.
في غضون بضعة أيام سينطلق أحمد مسلحاً بالقلم القيّم من جيمس بوند نحو إدلب في المنطقة الشمالية الغربية من البلاد. “الكاميرا العادية ستكون محفوفة بالمخاطر” يوضّح علي الذي اشترى مؤخراً أداته من متجر في ستراسبورغ الفرنسية، حيث سكنه المعتمد.
تصوير مقاطع الفيديو والتقاط الصور يثير الشّك في سوريا هذه الأيام، ليس فقط بين الجنود الموالين للأسد في الجيش السوري، إنما أيضاً في صفوف الثوّار.
يقوم أحمد بمهمة قد تكون قاتلة – فهو معرض لخطر الاختطاف والتعذيب وربما الإعدام للاشتباه به بالتجسس – مع ذلك، فهو عازم على توثيق ما يحدث حالياً في المساجد السورية القيمة، والقلاع، بالإضافة إلى المتاحف المليئة بالكنوز التاريخية التي تعود إلى الإمبراطورية الرومانية والبيزنطية، ينوي أحمد أيضاً أن يصوّر التهريب الجاري في البلاد التي مزّقتها الحرب.
التراث العالمي في خطر
لكن علي البالغ من العمر 35 عاماً ليس إنديانا جونز، فهو يعتمد على أشخاص مثل أحمد للحصول على المعلومات، ويحتاج مساعدتهم إذا ما أراد أن يبدأ بابتكار خطة إنقاذ للمساجد والمتاحف والمواقع الأثرية المعرضة للخطر، كما يحتاج المساعدة لجمع أرشيف من شأنه تسهيل عملية إحياء هذه المواقع يوماً ما بمجرد انتهاء النزاع.
وعندما اندلعت الحرب في سوريا أسّس منظمة أسماها جمعية حماية الآثار السورية (APSA) والتي لديها هذه الأيام حوالي 24 صحفي موظف، مثل أحمد، كما لديها باحثون يعملون لصالحها، ما يزال البعض منهم يعيش في سوريا، والبعض في فرنسا، وآخرون يتنقّلون ذهاباً وإياباً بين سوريا وتركيا، يلتقون في غازي عنتاب حيث يعقدون اجتماعاتهم وتتم عمليات التنسيق.
دُمّر كل موقع تاريخي بقذيفة، حُطّمت كل الفسيفساء، مزّقوا تاريخ وهوية سوريا. “لن نكون قادرين على تحمّل هذا الكم من الدمار” يقول علي الّذي غادر سوريا عام 2003 ملتحقاً بجامعة ستراسبورغ لكتابة رسالة الدكتوراه في التصوير المعماري للفن الجوهري في الشرق الأدنى.
لم يجرُؤ على العودة للوطن منذ اندلاع أولى الاحتجاجات ضدّ الرئيس بشار الأسد عام 2011.
لقد حصدت الحرب الأهلية السورية أكثر من 160000 نفس بشرية، وتوحي مناظر بعض المدن مثل حمص وحلب بوقوع القيامة، بينما ينتظر ما يقرب من 3 مليون شخص حياة أفضل في مخيمات اللاجئين في لبنان والأردن وتركيا، أما البلدات والقرى التي هربوا منها فما تزال تسري نحو الخراب. ما يحصل ليس فقط خسارة للشعب السوري، إنما أيضاً لعلماء الآثار والمؤرخين في كل أنحاء العالم.
غالباً ما توصف هذه المنطقة بأنها مهد الحضارات، فقد وجد علماء الآثار في تل براك شمال بلاد ما بين النهرين آثار لأقدم الحضارات في العالم والتي يعود تاريخها إلى 8000 قبل الميلاد.
ومن غير الواضح – في الوقت الراهن – أية حالة من الظروف تعيشها الكنوز المعمارية السورية، فمواقع التراث العالمي الستة المتضمنة في اليونسكو في البلاد، مثل قلعة الحصن العائدة للقرن الثاني عشر، وتدمر ومدينة حلب القديمة – هي الآن موجودة على قائمة التراث العالمي المعرض للخطر.
المواقع المفقودة
كان شيخموس علي – في يوم لقاءه بـ أحمد – يجوب طريقه عبر السوق في مدينة غازي عنتاب كطفل في طريقه إلى المدرسة، بحقيبته المتدلية على كتفه، المقالي النحاسية مكومة أمام المحال، تختلط أصوات الناس بثرثرات الأطفال وقعقعة مطارق الحداد على المعادن.
يقول علي واصفاً حال السوق: “هذا لا شيء بالمقارنة مع حلب”، ويضيف: “السوق في حلب كان أقدم بمئات السنين، أجمل وأكثر أهمية أيضاً”، “أما اليوم فكل ما بقي من السوق هو كومة من الأنقاض”.
احترقت المحلات في السوق مع أبوابها الخشبية المزخرفة أثناء القتال بين الجيش والثوار، وتوسع الدمار حتى وصل للسوق الحجري المسقوف، وما تزال حلب في جبهة القتال.
علي، الذي رزق وزوجته الفرنسية بمولود منذ بضعة أشهر يقول: “لن يكون لدى ابني الفرصة برؤية سوريا كما رأيتها أنا”.
ترعرع علي في بلدة سورية صغيرة على بعد نحو 40 كيلومتراً ( 25 ميلاً) من الحدود مع تركيا. منذ سنتين، قام بقيادة سيارته ليقترب منها حتى استطاع الوصول، “كنت استطيع حتى رؤية أضواء بلدتي” قال متذكراً: “بكيت” ورغم ذلك، اختار عدم العودة، “فهو خطرٌ جداً” حسب قوله.
هُجِر العشرات من مواقع التنقيب، وتركت مكشوفة وعرضةً للدمار الذي تُحدثه الشمس شمالي بلاد الشام، ومن بينها تل براك التي ترتفع 40 متراً (130 قدم) وتبلغ من الطول كيلو متراً واحداً، هذه التلّة القديمة المأهولة ليست بعيدة عن القرية التي ترعرع بها علي، والتي يعود تاريخها لـ 6000 سنة، فقد كانت تل براك أحد المدن الأولى في العالم.
“لقد كَبَرتُ ومعي الكثير من الذكريات الفريدة على عتبة منزلي”، يُصرّح علي “لم أكن سأُصبح أي شيء آخر سوى عالم آثار”.
التحف مقابل السلاح
فريق لعلماء آثار بريطانيين كانوا يعملون في تل براك إلى حين تفشي الحرب الأهلية في البلاد، ووفقاً للسلطات السورية، فقد نُهب المخيم ومعداته والخزف الذي يُحتفظ به هناك منذ فترة طويلة، أي قبل الحرب.استبدلوا الخبراء _ الذين كانوا ينفضون الغبار عن التحف القديمة بفراشي الرسم – استبدلوا بقطاعي الطرق المسلحين الجشعين.
كان عالم الآثار البريطاني ماكس مالوان أول من اكتشف آثار هذا الموقع القديم, كان مسؤولاً عن أول تنقيب بدأ عام 1937 بمساعدة وتشجيع زوجته كاتبة الألغاز أغاثا كريستي التي ساعدت في توضيح الاكتشافات، وبعد ذلك يقومون بتصويرها. كان الزوجان مسؤولان عن اكتشاف”صنم العين” الشهير في تأسيس المعبد والذي يعتقد أنه مؤرخ لأكثر من 5000 سنة.
كانت ولسنوات هذه المنحوتات _ بأجسامهم الصغيرة المضحكة قليلاً ذات الشكل الجرسي ورقابهم الاسطوانية التي تعلوها دائرتان مثقوبتان_ من بين الأشياء الأكثر أهمية في متحف حلب الوطني، والتي لا أحد يعرف هذه الأيام كم منهم بالضبط قد بقي. وقد أضاف المجلس الدولي للمتاحف (ICOM) هذه التماثيل رسمياً لقائمة الطوارئ الحمراء للأشياء الثقافية السورية التي تواجه خطر البقاء أو التلف أو النهب أو التهريب بشكل غير شرعي للاتجار بها، كذلك بالنسبة للنقوش في تدمر، والمصباح البرونزي من دمشق والمجوهرات الذهبية من حلب.
يتمنى خبراء المتاحف أن القائمة الحمراء سوف تساعد الشرطة التركية والأردنية واللبنانية على التعرف على الفن المنهوب والمسروق، المهرب عبر الحدود.
تُبتذل العديد من التحف من قبل اللاجئين وتنتهي من أيدي الباعة في السوق السوداء إلى أيدي تجّار في غازي عنتاب وأورفة وماردين والذين يبيعونها تباعاً إلى أوربا والولايات المتحدة.
يشير علي إلى أن “دوافع المهربين تختلف” فالبعض منهم مجبرون على القيام بذلك بسبب اليأس لأن التهريب هو الطريقة الوحيدة التي يمكنهم تأمين المأكل منها، البعض الآخر يقودهم الطمع، ففي أغلب الأحيان يكون الدخل مع بعض من هذه التحف التي تُقدّر بمئات آلاف من اليورو، وتستخدم فوراً للحصول على الأسلحة والذخيرة، فعمليات النهب والتعامل مع تهريب الأثريات من سوريا يساعد جهادي داعش بالحفاظ على رصيد خزينتهم.
كلّما نجحت الشرطة التركية بالاستيلاء على التحف التراثية والثقافية المهربة، فإنها عموماً تكون في أيدي أمينة، حيث إن تركيا تتعاون مباشرة مع المعارضة السورية، أعداء الأسد، ويخططون فقط لإرجاع التحف إلى سوريا حالما تنتهي الحرب الأهلية.
علم الآثار يجلب السياسة
لقد انطلقت حكومة المعارضة المؤقتة المنفية في مقرٍ عام لها في بيت مموه في غازي عنتاب، حيث أن علي هو زائر منتظم للطابق الثاني، فيجتمع هناك مع وزير الثقافة لمناقشة، على سبيل المثال، أصالة القطع المهربة.
صادرت الحكومة التركية في وقت سابق من هذا العام تحفة سورية أخرى مهرّبة، فقد حاول المهرب نقل أكثر من 300 قطعة أثرية قديمة عبر الحدود قرب ماردين، وتُحفظ القطع الأثرية المستولى عليها في متحف في مدينة تركية، وقد أثارت غضب نظام الأسد الذي يطالب بعودة تلك التحف.
ففي سوريا هذه الأيام، ترتبط السياسة بعلم الآثار ارتباطاً وثيقاً.
تُساير بعض البلدان مثل لبنان, مطالب الجيش الأسدي، فقد قامت المديرية العامة للآثار اللبنانية (DGA) بتسليم 18 قطعة فسيفساء للسلطات السورية، والتي كَشفت عنها خلال المراقبة الروتينية للحدود. حيث قام الحراس بتفتيش حافلة سياحية أوقفوها لدفع الرسوم الجمركية فوجدوا فيها أعمال فنية أثرية محفوظة جيداً، والتي تصور مشهد من ملحمة هوميروس. من المحتمل أنهم جاؤوا بها من الشمال السوري، بحسب الخبراء.
وذكرت صحيفة الأخبار اللبنانية أن المهرّبين كانوا محترفين حيث أخفوا الفسيفساء في صندوق أمتعة الحافلة، وقد لُفّت بقماش لاصق مشابه لنوع صائدة الذباب اللزجة التي غالباً ما تُستخدم في الزرائب، الأمر الذي سهل عليهم فصل الأحجار الصغيرة من موقعها ولفّها كما تُلف السجادة، جمعوا الأحجار غير المتماسكة وألقوا بها ببساطة على سطح الحافلة.
“الحقيقة الأسوأ من سرقة المجرمين لهذه القطع، هي أنهم يحطموها أيضاً” قال علي متذمّراً، يقومون أحياناً أيضاً باستبدال قطع الفسيفساء المفقودة بأخرى جديدة وبذلك يشككون في أصالتها.
كيس رمل واحد كل مرة
ينتظر علي في غازي عنتاب ليتمكن من مقابلة شخصين متواصلين معه من حلب حريصين على العمل معه، ينتمون إلى مجموعة تتكون من نحو عشرة ناشطين تشبه منظمة (APSA) الخاصة بـعلي لكنها أقل حذراً منها، يقول علي: “هؤلاء الأشخاص يمشون على النار”، ففي العام الماضي فقدوا عضواً من مجموعتهم كان في مهمة وسط مدينة حلب.
ورد فراتي ذي الـ 26 عاما، وصديقاه المتواصلين قد بقوا سالمين حتى الآن، طلبوا قهوة مع كيكة الجبن الأميركية قبل أن يبدؤوا مناقشة مهمتهم الجديدة مع علي، بدو كأنهم طلاب في استراحة بين الحصص، يقول فراتي: ” أحياناً، وعندما أُسرع بكيس الرمل على ظهري عبر ساحة مكشوفة والقناصة حولي في كل مكان أتساءل، هل أنا أحمق تماماً؟!”، لكنه وبغض النظر كان يستمر، محافظاً على التحف من الرصاص الممطر بكيس من الرمل في كل مرة،”وإلا سوف لن يبقى شيء في سوريا” يقول علي، ويضيف “وبعد ذلك أين سوف نكون نحن؟” قالها وهو يدفع شعره الطويل بعض الشيء عن وجهه بنظارته الشمسية، يرتدي قميص وبنطلون جينز، ويتفحّص حسابه على الفيسبوك كثيراً عبر هاتفه الذكي.
كان فراتي يدرس الهندسة المعمارية في جامعة حلب، وقد زُجّ به في السجن لمشاركته في الاحتجاج ضد الأسد عام 2001، وعندما أطلق سراحه كان قد تبقى القليل من المدينة والجامعة.
ومنذ ذلك الحين أصبح يعيش بين حلب وغازي عنتاب، “ليس من الصعب إيجاد سرير فارغ لقضاء الليلة”، يقول فراتي الذي منح نفسه اسماً جديداً بعد الربيع العربي، فلا أحد من الناشطين يستخدم اسمه الحقيقي.
قام فراتي، بالتعاون مع رفاقه، بتفكيك مئذنة المسجد الأموي في حلب ونقلها لمكان آمن، كما قاموا أيضاً بتخليص كتب من مكتبة دبلوماسي بلجيكي واقتلعوا محراباً من الآجر كان قد زُيّن بآيات من القرآن الكريم في القرن الثالث عشر، ذلك لحمايتهم من الرصاص.
لا شيء يدعو للتفاؤل جداً
قضى فراتي وعلي حوالى ساعتين يتناقشان كيف يمكن لمنظمتيهما العمل سوية، فيودون توحيد قواهم لتوثيق الحالة الراهنة للمدن الميتة في الكتلة الكلسية السوريةشمال غربي سوريا، وهي مجموعة من 700 مستوطنة مهجورة يعود تاريخهم لما بين القرن الأول والقرن السابع. يقول علي موضحاً: “سنكون قادرين على التخطيط لتحركاتنا المقبلة إذا كانت لدينا نظرة عامة وشاملة عن الحالة الراهنة”. على سبيل المثال: وضع هياكل وقائية للأبنية، أو استعادة المواقع في نهاية المطاف.
يقوم علي بخربشة الأرقام في دفتره, ويُجري فراتي الحسابات,يخمّن علماء الآثار أنهم بحاجة لحوالي 180000$ أي 135000 € لإطلاق المشروع، فهم بحاجة لمركبات ومعدات، والأهم بحاجة للدفع للناشطين. “عندها سنكون حقاً قادرين على إحداث الفرق”، قالها علي رغم أنه لم يبدُ عليه التفاؤل جداً.
يدرك علي تماماً صعوبة جمع الأموال لهذا النوع من المشاريع، فمن يهتم بالتراث والثقافة، والناس تموت؟
ترجمها عن الألمانية: جين باوليك.

