بغداد 35°C
دمشق 24°C
السبت 15 مايو 2021
حوارا ت من أجل سوريا.. في وجوب الهجرة إلى دار الخلافة - الحل نت

حوارا ت من أجل سوريا.. في وجوب الهجرة إلى دار الخلافة


د. محمد حبش

في أول تسجيل صوتي له منذ عام يعلن #البغدادي ما أعلنه #بن_لادن قبل خمسة عشر عاماً بأن العالم مقسوم إلى فسطاطين دار إسلام ودار حرب، ولا خيار للمؤمن إلا اللحاق بدار الإسلام ووجوب الهجرة إليها، والمقصود هنا بدار الإسلام هو أرض #داعش التي تلتزم تسمية دولة الخلافة، وترفع شعار لا إله إلا الله، وتطبق أحكام الحدود على الصيغة المنصوص عليها في كتب الفقه الأولى.

 

ومع أن تأويل الأحداث هنا يتم في دائرة مكر السياسة ولعبة الأمم، ولكن لا بأس من مناقشة الأصول المؤسسة لفكر يعيش خارج التاريخ ويعيد رسم خريطة العالم على مقاس ميتافيزيقي لا يمت لعالم التنمية والبناء والفيلولوجيا بأي منطق.

وسيصعب على الأجيال التالية تصديق قيام داعش واستمرارها في مواجهة العالم بأسره في الأرض والفضاء، بالرغم من التحالف الدولي وطائراته وصواريخه ومدمراته وبوارجه، ولكن يجب القول أن هذه الأسطورة الميتافيزيقية المسكونة بالغيب صارت أكبر دولة في المشرق العربي، حيث تبلغ المسافة من مدينة #الباب إلى #الرمادي نحو 650 كم فيما تبلغ المسافة من #الموصل إلى #تدمر نحو 500 كم، وهي مساحات لم تعد متوفرة في #العراق ولا في #سوريا، وهي ترفع شعار باقية وتتمدد، وليس بالضرورة أن يكون هذا الرقم دقيقاً عندما تقرأ هذه السطور فهي باقية وتتمدد.

ومع أنه خارج المنطق الجيوبوليتيكي، ولكن من الواجب أن نحلل بقدر من الاهتمام الأصول الفكرية المؤسسة لهذا تصور للعلاقات الدولية في القرن الحادي والعشرين، وبعد مرور مئات السنين على وستفاليا وجنيف وأخيراً قيام #الأمم_المتحدة.

ومن المؤكد أن كثيراً من الأصدقاء لا يؤيدون حواراً كهذا ولا يصدقون أن عشرات الآلاف من أبناء سوريا والعراق والمجتمعات الإسلامية الأخرى يعتبرون الهجرة إلى دار الخلافة واجبة، ويعتبرون قعودهم عن الهجرة نكوصاً عن واجب شرعي وركن من أركان الدين، وأنه لا يستوي من هاجر من قبل الفتح وجاهد مع الذين هاجروا من بعد وجاهدوا، وأن تمام الإيمان إنما يكون في الانخراط مع كتائب الجهاد التي تحمل الراية الإسلامية وتقاتل الطواغيت في الأرض.

ويعيش آخرون عجز المنطق وبؤس الواقع، ويشعرون بأن عليهم تطبيق ما تعلموه، وأن الهجرة إلى دار الجهاد فريضة واجبة، ولعل أقرب الأمثلة إلى ذلك هو هجرة الدكتورة #إيمان_البغا إلى دولة داعش، وهي أستاذة جامعية في الدراسات الإسلامية في جامعة سعودية رسمية، وابنة واحد من أهم محققي التراث الإسلامي وأشهر فقهاء سوريا وهو الشيخ مصطفى البغا وله علي يد فضل وإحسان فقد درست الحديث والتفسير والفقه على يديه في كلية الشريعة بجامعة #دمشق.

ولا أشك أبداً أن هذه الدوافع الدينية المحضة هي وراء هجرة كثيرين، وانخراطهم في القتال والعنف ضد كل من لم يهاجر، باعتباره مستكبراً عن الهجرة مؤثراً لمتاع الدنيا على متاع الآخرة، ويتحول الأمر إلى هدر الدم حين تصدر فتوى الدولة الإسلامية بأن الممتنع عن الهجرة والبيعة هو فئة ذات شوكة كما هو الحال في قبيلة #الشعيطات التي تتم إبادتها بشكل مستمر بعد صدور فتوى الموت هذه.

وجوب الهجرة واحدة من أسوأ تطبيقات ظاهر النص التي يمارسها الخوارج الجدد، وهم يقومون ببناء دولتهم خارج الزمان والتاريخ، في إطار تطبيق حرفي لظاهر النص، ومن المؤسف أن التطبيق الذي مارسوه هو عينه ما يتلقاه حتى اليوم طلبتنا في المدراس الدينية حول وجوب الهجرة عند قيام دولة الإسلام.

لقد كانت الهجرة في الدولة الإسلامية الناشئة أمراً واقعياً وحلاً اجتماعياً للأسر المنكوبة ببطش قريش، التي كانت لا ترفع السوط عن ظهور المستضعفين وخاصة من العبيد الذين كانوا تحت يد المستكبرين فيها، وبعد أن سبق إلى الجنة ياسر بن مالك وسمية بنت خياط تحت التعذيب الدموي القاسي الذي مارسه أبو جهل، وبعد أن أصبح للمسلمين دولة ومقام في المدينة فإن الهجرة هنا لم تعد تكليفاً شرعياً بقدر ما أصبحت حاجة ضرورية وخياراً ملزماً وحلاُ واقعياً للخلاص من القهر والعذاب، في وقت كانت تسود فيه شريعة الناس على دين ملوكهم، وكان مجرد الخروج عن آلهة القبيلة يحول الصادق الأمين إلى الساحر المجنون، ويلقي فيه الأب آزر بابنه إبراهيم في النار ويقول احرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين.

وكانت الإقامة بين ظهراني المشركين انتحاراً عقائدياً واجتماعياً حيث سيتم إرغامهم على عبادة آلهة القوم، واستخدامهم لإشباع غرائز الانتقام والثأر من الدولة الناشئة الجديدة الثائرة على تقاليد الكهنوت الراسخة.

وفي هذا السياق المحدد نزلت الآيات المتتالية: إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيراً.

وفي هذا السياق المحدد جاءت أوامر نبوية شديدة اللهجة ضد أولئك الذين يريدون أن يكونوا في دولة الإسلام ولكنهم يجبنون عن مواجهة الجاهلية، ويحبون أن يكتبوا في ديوان الثورة المجيدة ولكنهم يؤثرون أن يبقوا في حياة الذل والكسل يطالبون بالمجد ولكنهم لا يفعلون شيئاً من أجله.

واشتدت لهجة النبي في رفض منطق بعض المؤمنين من الذين يريدون العيش على منطق نعبد الله ونعبد آلهة قريش، ونصلي للرحمن وللشيطان، واختار بعضهم أن يمضيها سياحة بين مكة والمدينة، فيخاطب هؤلاء بلسان وهؤلاء بلسان، ويرضي كلاً بظاهر من القول، فيعيش بوجهين ولسانين، وهذا بالطبع يحمل مخاطر انتقال أسرار الدولة الناشئة إلى أعدائها، وفي هذا السياق المحدد ورد خطاب النبي الكريم، أنا بريء ممن أقام بظهراني المشركين، لا تتراءى ناراهما…

وبالفعل فقد تحرك الشباب والنساء من دورهم في مكة إلى أرض الهجرة، وهم يحملون الآمال الكبيرة في بناء المشروع النهضوي على أساس من الحرية والعدالة والتنمية.

وهكذا فإن الهجرة في فهم الصحابة الأوائل لم تكن طقساً ميثولوجياً بقدر ما كانت حاجة اجتماعية واقتصادية تتصل بالحرية الدينية في المقام الأول، وتتصل بأمن الدولة في المقام الثاني.

ولكن الانحباس في هذا الخيار ليس قدر الأمة المحتوم، بل هو قدر اللحظة، ولأجل ذلك فإن الآية على وضوحها ودقتها سرعان ما طرأ عليها التقييد والتخصيص إن لم نقل النسخ، فقد أذن الرسول لعدد من الصحابة بالإقامة في ظهراني المشركين، ومنهم بديل بن ورقاء وحكيم بن حزام والعباس بن عبد المطلب، وكانت مبرراتهم بساطة أنهم يملكون مكانة في قريش وليسوا مضطرين للخروج منها حتى يقيموا شعائرهم، ومن جانب آخر فقد أمر النبي جعفر بن أبي طالب وأصحابه بالبقاء في الحبشة سبع سنين أخرى رغم قيام دولة الإسلام على أرض المدينة، وكانت الحبشة أرض البعداء المشركين كما تصفهم أسماء بنت عميس، ومع ذلك فقد استمر مقامهم بالحبشة سبع سنين أخرى، والرسول نفسه بالمدينة.

وفي تطور آخر طرأ على النص فقد أنجز النبي الكريم صلح الحديبية وفيه نص واضح بمنع الهجرة، وكان على النبي أن يسلم من يهاجر إليه من المسلمين، وبالفعل تم تسليم أبي بصير عتبة بن أسيد بعد أن قرر تطبيق ظاهر النص في وجوب الهجرة وحضر بنفسه إلى المدينة، ومن قبله كذلك أبو جندل بن سهيل بن عمرو.

إنها تطبيقات العقل والحكمة في سياق النص، وهي السنة التي ألهمت الفقهاء من بعد أن العبرة بمقاصد النص وليست بظاهره وأن الأمة مأمورة أن تحقق مصالح الناس بعض النظر عن تطابق ذلك مع ظاهر النص أو تنافره.

هل يدرك خطابنا الفقهي التقليدي أننا لا نزال ندرس فقه الهجرة تماماً على النهج الذي تطالبنا به داعش، وتدعونا إليه، وأن التطبيق العملي لما نعلمه من تعلمه هو ما فعلته إيمان البغا تحديداً، وأننا مستمرون في تطبيق هذه الثقافة بدون أي اعتبار لظروف الزمان والمكان والتاريخ وبدون اعتبار لمنهج الفقهاء في روح النص وليس في ظار النص؟

ربما يحتاج فقهاؤنا اليوم إلى بضع مئات أخرى من السنين حتى يدركوا ما حرره الإمام الحنبلي الرائع نجم الدين الطوفي عام 716  بعبارة واضحة لا لبس فيها: إذا تعارض النقل مع المصلحة فالمصلحة أولى بالاعتبار، أو بعبارة أكثر وعياً وبصيرة قالها الإمام ابن القيم: حيثما كانت المصلحة فثم شرع الله.


التعليقات