سارة العمر
في الوقت الذي يعاني فيه مئات آلاف المعتقلين في سجون النظام السوري كافة أشكال انتهاك حقوق الإنسان، يعاني أضعافهم من آبائهم وأمهاتهم وأزواجهم وأخوتهم الأمرين في سبيل إخراجهم من المعتقل، أو الاطمئنان على حياتهم على أقل تقدير، ويدفعون الغالي والنفيس في سبيل ذلك.
واستغلالاً لاستعداد أهالي المعتقلين لفعل أي شيء لإنقاذهم، يقوم من يعرفون اليوم بـ “سماسرة” المعتقلين بابتزازهم بطريقة ممنهجة ويسلبونهم مبالغ ماليّة ضخمة مقابل مجرد خبر قد يصح أو يخطئ.. على مدى السنوات الخمس الماضية ازدادت أعداد سماسرة المعتقلين وتطورت أساليبهم، وذلك مع ارتفاع أعداد المعتقلين والمخطوفين، وغياب قوانين واضحة تحكم عمل الأفرع الأمنية التي تشرف على معظم عمليات الاعتقال.
وتتم عمليات الابتزاز والسمسرة على يد محامين، أو ضباط، أو أشخاص عاديين يدّعون معرفتهم بمكان تواجد المعتقلين وقدرتهم على إطلاق سراحهم مقابل مبالغ مالية ضخمة، يطلبونها من أهل المعتقل. هذا الأمر وصل إلى إنشاء مكاتب خاصة في العاصمة #دمشق، تعمل سراً، و تدعي قدرتها على معرفة مكان تواجد المعتقلين، وإخلاء سبيلهم، متذرعين بارتباطهم بالجهات الأمنية المسؤولة.
يوضح علاء وهو أخ لأحد المعتقلين في سجون النظام “يقوم الأهل عند تقدمهم لهذه المكاتب بتسجيل معلومات عن أبنائهم، ووفقاً للتهمة الموجهة للمعتقل تتراوح تسعيرة الدفع من 2000 دولار أمريكي لتصل إلى 25000 دولار، فالمعتقل من الأحياء الثائرة ليس كالمعتقل من الأحياء الهادئة، وتهمة الفتاة غير تهمة الشاب، وتهمة الشاب الذي في سن الاحتياط غير تهمة العجوز فوق الستين سنة وهكذا”.
اعتقل أحد حواجز النظام في دمشق زوج السيدة أم عمار وهو عائد من عمله، ولم تعرف عنه أي شيء منذ ذلك الحين، استمرت بالتردد على قسم الشرطة العسكرية في القابون لمعرفة مكان اعتقاله والاطمئنان عليه دون جدوى، تقول “سمعت من جارتي عن هذا المكتب وذهبت للتسجيل فيه لمعرفة ماحلَّ بزوجي، بعد إعطائهم المعلومات المطلوبة طلبوا مني مبلغ 2000 دولار أمريكي، أعطيتهم إياه بعد أن وعدوني بإعلامي بمكان تواجده خلال أيام. انتظرت أسبوعاً ولم يصلني منهم أي رد، وعند مراجعتي لهم أخبروني بأنه متهم بدعمه للجيش الحر وبأنه سيخضع للمحاكمة خلال مدة أقصاها شهر”.
وتضيف “كلما سألتهم عن مصير زوجي وكيف يمكن أن نساعده كانوا يطلبون مبلغاً جديداً من المال. الغريق يتعلق بقشة .. كنت أدفع لأريح ضميري، إلى أن قدّم لي مكتب الشرطة العسكرية وثيقة تثبت وفاة زوجي، ذكر فيها أنه توفي بسبب تسمم جرثومي، وأجبروني على توقيع ورقة تؤكد ذلك، كنت ضحيةً لكذب واحتيال هؤلاء الأشخاص الذين استغلوا ضعفي ورغبتي بمساعدة زوجي، دون أن يكون هناك طريقة لمقاضاتهم ومحاسبتهم”.
إلى ذلك، يؤكد ناشطون أن سلطات النظام تغضّ الطرف عن عمليات “النصب” التي يتعرض لها أهالي المعتقلين من قبل السماسرة والوسطاء التابعين لهم، والذين يعملون على تعظيم التهم للمعتقل، للإيحاء بأنه لا يمكن إخراجه من المعتقل إلا بدفع المبالغ الكبيرة.. المبالغ التي تعتبر مصدر دخل جديد ومهم للضباط وحلفائها، ولكن المصيبة الأكبر تقع على عاتق أهالي المعتقلين الذين يفاجؤون بعد دفعهم لمبالغ ضخمة بخبر مقتل أبنائهم تحت التعذيب.
كذلك يقوم الكثير من المحامين العاملين في السلك القضائي والمعروفين بالفساد، بابتزاز الأهالي واستغلال جهلهم في القوانين الخاصة بالمعتقلين، ويدّعون وجود علاقات قريبة مع المسؤولين والضباط بما يمكنهم من اخراج المعتقلين ومعرفة مصيرهم.
أبو عمر كان ضحية لمحامٍ ادّعى مقدرته على إخراج ابنته المعتقلة وطلب منه مليون ليرة سورية ليبدأ العمل في قضيتها، وقبل الدفع بيوم واحد تم الافراج عن المعتقلة بموجب مرسوم العفو الذي أصدره رأس النظام دون أن يكون للمحامي أي يد في ذلك ودون أن يعرف مكان تواجدها حتى، يقول أبو عمر إن الله نجّاه من “هذا المحتال” الذي كان سيسلبه كل ما يملك بلحظة واحدة.
أدوار المحامين
معرفة مكان تواجد المعتقل باتت مهمة شبه مستحيلة بسبب تكتّم الأجهزة الأمنية، فالأفرع الأمنية لا تسمح حتى اليوم لأحد بمراجعتها أو السؤال عن المعتقل، كما تتقصد إعطاء معلومات كاذبة ونفي وجود المعتقل في سجونها.
يقول عبد المعطي وهو محام من حلب إن “السبيل القانوني الوحيد لمعرفة مصير المعتقل، هو تقديم الأهل طلب كشف مصير ابنهم للقضاء العسكري، ووزارة العدل، ووزارة المصالحة الوطنية، وتكرار تقديم الطلب حتى الحصول على نتيجة، مع هذا لا يمكن ضمان الحصول على نتيجة”.
بدوره نشر المحامي السوري ميشيل شمّاس توضيحاً على صفحته الشخصية على “فيس بوك” يقول فيه “لو أنّ المحامي يستطيع أن يراجع فروع الأمن أو يطرح سؤالاً، كنت سأعرف مصير استاذي وصديقي ورفيق دربي المحامي خليل معتوق المعتقل”.
ويضيف: “المحامي ممنوع من مراجعة الفروع الأمنية. يأتي دوره عندما تتم إحالة المعتقل أو الموقوف إلى القضاء. باستثناء محكمة الميدان التي تمنع مراجعتها أو الترافع أمامها لأنها محكمة سرية، وتصدر أحكامها بشكل سري غير قابلة للطعن. كما لا يسمح للمحامي بزيارة أي سجين أو معتقل في سجن صيدنايا أو حتى السؤال عنه. أما دور المحامي في محكمة الإرهاب فلا يتعدى متابعة تسجيل الملف وحضور الاستجواب وتقديم مذكرات، وطلبات إخلاء سبيل”.
وعن السبيل الذي يمكن اتباعه لمن يتعرض لعملية نصب أو ابتزاز، يوضح شماس “يتوجب التقدم بشكوى للنقابة إذا كان المحتال محامياً، وللمحامي العام الأول إذا كان شخصاً عادياً. فعدم الشكوى ضدهم خوفاً من تهديدهم هو الذي يشجعهم على المضي في عمليات النصب والاحتيال. وعند توكيل محام في مثل هذه المسائل يجب أن يكون هناك اتفاق خطي أو شهود على الواقعة. حتى تكون دليل اثبات فيما إذا حصل شيء في المستقبل”.
المعتقل السابق.. مصدر معلومات
سنا منافيخي (30 عاماً) هي معتقلة سابقة في سجن عدرا، تلفت إلى أن “للمعتقلين السابقين في سجون النظام الدور الأكبر في مساعدة أهالي المعتقلين على معرفة مصيره أبنائهم عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي، وأن لتلك الوسائل دور هام في التذكير بقضية المعتقلين، والضغط على النظام لتخفيف آلام المعتقلين وإخلاء سراحهم”.
يذكر أنه ومع كل العقبات التي يواجهها المعتقلون وذووهم في طريق نيل حريتهم، تغيب الجهود الدولية في الضغط على النظام لإطلاق سراح المعتقلين، وتخفيف معاناتها ليبقى ملف المعتقلين والمفقودين جرحاً ينزف ويزيد من أوجاع السوريين.
يذكر أيضاً أن حالات الاعتقال التعسفي في سوريا تجاوزت 215 ألف حالة اعتقال، 99% منها تمت على يد القوات الحكومية، التي تُنكر قيامها بعمليات الخطف أو الاعتقال عند سؤال ذوي المعتقلين عنهم، وذلك وفقاً للشبكة السورية لحقوق الإنسان.

