صحيفة ذا ريجون: إفلاس أخلاقي في البحر الأبيض المتوسط

نشرت صحيفة ذا ريجيون مقالاً تنتقد فيه الدول الأوربية في أسلوب تعاملها مع الواصلين بشق الأنفس من المهاجرين غير الشرعيين إلى شواطئها، واصفة دول البحر الأبيض المتوسط بأنها أفلست أخلاقياً.

كما ألقت باللوم على دول أوروبا الشمالية في عدم تقديمها يد العون لدول الجنوب لإيجاد سبل مناسبة في التعامل مع الواصلين. حيث يبين المقال كيف أن 721 مهاجراً غير شرعي لقوا حتفهم خلال شهري حزيران وتموز من العام الجاري أثناء محاولتهم عبور البحر الأبيض المتوسط إلى أوروبا. وقد جاء هذا الارتفاع في العدد نتيجةً لحملة نشطة ضدّ جهود الإنقاذ. فقد غرق خلال العام الحالي حوالي 1500 شخص نتيجة انقلاب القوارب أو غرقها بسبب حمولتها الزائدة المحفوفة بالمخاطر أو الظروف الغادرة في البحر، ليصل بذلك إجمالي عدد الغرقى منذ العام 2014 إلى ما يفوق الـ 12000، يرقدون الآن في مقابر جماعية سطحية.

وبحسب صحيفة ذا ريجيون، تساهم أوروبا بزيادة هذا العدد من الغرقى وذلك من خلال عِدائها لقوارب المهاجرين غير الشرعيين. فقد أعلنت الحكومة اليمينية المتطرفة الجديدة في إيطاليا رفضها تقديم المساعدة في عمليات الإنقاذ البحرية. كما أغلقت موانئها أمام المهاجرين الذين يحاولون النزول على سواحلها. ونتيجة لذلك، ترك المهاجرون الذين تم إنقاذهم محاصرين في البحر بإمدادات محدودة بانتظار رؤية ما إذا كانت هناك أي دولة أوروبية سوف تقدم مساعدتها لهم.

وفي حزيران الماضي، مُنع قارب يحتوي 629 مهاجراً بينهم 100 طفل بدون أهل، من الدخول إلى إيطاليا ثم مالطا. وأجبر أخيراً على الإبحار لمدة أربعة أيام في ظروفٍ بحرية سيئة إلى إسبانيا. وفي نهاية شهر تموز من هذا العام، جمعت سفينة إيطالية لشحن النفط 100 شخص في البحر المتوسط وأعادتهم إلى ليبيا. حيث يواجهون خطر التعذيب في معسكرات الاعتقال. مما أدى لفتح تحقيق كون هذا الفعل ينتهك مبدأ عدم الإعادة القسرية، حيث يجب ألا يعاد أحدا إلى مكان قد يتعرض فيه لخطر انتهاك حقوق الإنسان.

وإن كان من الصعب التعاطف مع وحشية موقف الحكومة الإيطالية، فإنه من الصعب كذلك الموافقة على نفاق الرئيس الفرنسي ماكرون عندما سخر من إيطاليا واعتبرها غير مسئولة، في حين لم تقبل فرنسا بعد حصتها من المهاجرين الذين تعهدت بإعادة توطينهم في العام 2015، بحسب الصحيفة المذكورة. كما تعتبر فرنسا تقريباً في نهاية قائمة الدول من حيث معدلات قبول طلبات اللجوء، فقد رفضت القاصرين غير المصحوبين بذويهم على الحدود مع إيطاليا. إضافة إلى أنها سنّت هذا العام قانون هجرة عقابي جديد.
وبحسب المقال, لا ينبغي نعت الدول الأوربية الواقعة على البحر الأبيض المتوسط والتي تكون الوجهة الأولى لعبور المهاجرين بالقسوة، فهي على حق في توقيعها تعهدات موثوقة بتلقي المساعدة من الشمال. فإذا كانت دول الشمال تهتم بوصول المهاجرين إلى اليابسة بسلام، يجب عليها أن تستعد لمهمة إعادة التوطين. فلا يمكن الاعتماد على الطبيعة الجغرافية فقط في تحقيق المساواة ضمن المسئوليات الأخلاقية.

ومع ذلك، تخطئ أوربا في تحقيق ذلك. ففي قمة الاتحاد الأوربي في حزيران المنصرم، تم اقتراح إنشاء “مراكز معالجة اللاجئين” في شمال أفريقيا. الهدف منها فرز اللاجئين من المهاجرين الآخرين والسماح لذوي الأولوية فقط بالانتقال إلى أوروبا وطلب اللجوء. إلا أن كل من ليبيا ومصر والمغرب وتونس رفضوا استضافة مثل تلك المراكز. وقد أشار رئيس الوزراء الألباني إيدي راما إلى أن مثل هذه الإستراتيجية ستعمل على إغراق الناس اليائسين في مكان ما مثلهم كمثل النفايات السامة التي لا أحد يرغب ببقائها.
وتكشف صحيفة ذا ريجيون أن أسباباً كثيرة تقف وراء الفشل في التعاطف مع اللاجئين في جميع أنحاء أوربا. فيُعتبر البعض منهم لاجئون حقيقيون يستحقون المساعدة والباقون “مهاجرون اقتصاديون” يسرقون وظائف الأوروبيين ويرفضون العمل في الوقت ذاته. فـ اللاجئ وفق اتفاقية جنيف هو الشخص الذي تنبع هجرته من الخوف القائم على وجوده من التعرض للاضطهاد بسبب العرق أو الدين أو الجنسية أو الانتماء إلى مجموعة معينة أو بسبب رأيه السياسي. أما المهاجر فهو الشخص الذي اتخذ قراره بالهجرة بحريته الشخصية لأسباب تتعلق براحته الشخصية دون وجود عوامل خارجية مقنعة تؤثر على قراره.

وقد صرّح في وقت سابق من هذا الصيف الرئيس الفرنسي ماكرون: “ليس من مسؤولية فرنسا أن تأخذ مهاجراً اقتصادياً لا يواجه خطر الاضطهاد في بلاده”. فهل هناك ما يدعو للاستغراب إذا ما قام هؤلاء الذين يهربون من الفقر بتقديم أنفسهم في بعض الأحيان كلاجئين؟ فما الخيار الذي يملكونه ولا يقومون باستخدامه للوصول إلى الأمل، الذي يمكّنهم من البقاء بما يسمح به القانون؟ ولأسباب أخرى لا يتم توضيحها بشكل كامل فإن الأشكال الأخرى للبؤس تعتبر غير كافيه في حصول الشخص على حقه في إعادة التوطين. ذلك اليأس الذي يقود الشخص للمخاطرة بحياته على متن قارب مكتظ. وكذلك فإن اليأس هو الذي يدفع المهاجرين لحرق أطراف أصابعهم لتجنّب التعرف عليهم وإعادتهم، أو حتى لتعريض أنفسهم لإصابات خطيرة بهدف إظهار ندوب واضحة فقط من أجل زيادة فرصهم في الحصول على اللجوء. الأمر الذي يجعل مثل هذا النظام شرير جداً يفرض على الضعفاء من الناس التلاؤم مع تعاريفه التعسفية، بحسب ذا ريجيون.

في حين يعتبر الفيلسوف مايكل دوميت أن جميع الظروف التي تحرم شخصاً ما من القدرة على العيش ضمن الحد الأدنى من الظروف لحياة إنسانية كريمة، يجب أن تكون سبباً لمطالبته بحق اللجوء في مكان آخر. ومن منطلق هذا التعريف، ترى الصحيفة أنه من الواجب علينا تحدّي الدول الأوروبية في مطالبتها تقديم أدلة على أن:
1- الحد الأدنى من الشروط لحياة إنسانية ممكنة للمهاجرين في بلدانهم الأصلية غير متوفرة.
2- لم يكن لهم دور في الصراع أو الفقر أو التدمير البيئي الذي جعل بلدانهم غير قادرة على توفير الحد الأدنى لهم من الشروط للعيش حياة كريمة.
وتختم صحيفة ذا ريجيون مقالها بالقول: دعونا نتوقف عن مطالبة المهاجرين بإثبات حقهم في العيش ضمن ظروف معيشية لائقة، وبدلاً من ذلك دعونا نطلب من حكوماتنا أن تظهر بعض الإنسانية في التعامل مع هؤلاء البؤساء.

رجا سليم

رجا سليم

صحفية سورية، معدّة برامج ومحتوى وثائقي، مهتمة بقضايا المرأة والمجتمع.