حمص (الحل) – يدعي النظام العمل على توفير عودة اللاجئين أو النازحين من المناطق التي خضعت لسيطرته منذ بدء الحملات العسكرية ضد الأحياء التي عارضت النظام، إلا أن تلك العودة التي يتحدث عنها النظام باتت مدرة أموال لضباطه، وعامل ابتزاز ضد من يريدون العودة إلى منازلهم وخاصة إلى الأحياء التي دمر جزء منها وتم شملها ضمن مخططات النظام لتغيير الهوية والتي تأتي تحت عنوان “التنظيم”.
لا يطلب ضباط النظام المال بشكل مباشر مقابل السماح للنازح أو اللاجئ بالعودة، إنما هناك طريقة تدور فيها تلك الأموال قبل الوصول إلى يد الضابط بحسب ما علمه موقع “الحل السوري” من عدد من النازحين داخل سوريا.
عملية ابتزاز
“أم محمد” عادت من إدلب إلى حمص عن طريق أحد العاملين في المصالحات مع النظام، لكنها عندما وصلت إلى المدينة رفض المسؤول عن قطاع حي بابا عمرو السماح لها بالعودة إلى منزلها، وفق ما تقول لـ”الحل السوري”، مضيفة أن شرط الضابط المسؤول كان أن يقوم زوجها بالقدوم وتسليم نفسه لفرع الأمن السياسي.
واضطرت “أم محمد” للبقاء مدة عند أقاربها في منطقة أخرى من حمص، حيث أعلمها أقاربها أن هناك محام متنفذ ويمكنه مساعدتها لكن الأمر سوف يكلف مبلغا كبيرا، وهذا المحامي وفق قولهم أعاد المئات إلى مناطق مختلفة من حمص، حيث يقوم بعمل تسويات وشطب أسماء من قوائم المطلوبين مقابل المال.
وتحدثت “أم محمد” عن تواصلها مع المحامي من خلال أقاربها، حيث طلب مبلغ 500 ألف ليرة سورية لحل قضيتها، وبعد قرابة عشرة أيام أبلغها بالذهاب إلى فرع الأمن السياسي، حيث منحها ضابط القطاع ورقة تسمح لها بالدخول إلى الحي والعودة إلى منزلها، لكنه أبلغها بأن زوجها ما زال مطلوبا بعدة تهم.
ويتضح وفق قولها من خلال عدم شطب اسم زوجها من لائحة المطلوبين أن العملية كانت لمجرد ابتزازها والحصول على المال، مشيرة إلى أنها عندما عادت إلى الحي وجدت الكثير من المرضى والمسنين قد عادوا من لبنان ومناطق أخرى، وبعضهم كانت حالته مشابهة لها.
وتحدث “الحل السوري” أيضا مع “أبو جمال” الذي حاول العودة من إحدى مدن القلمون الخاضعة للنظام إلى حي جورة الشياح شبه المدمر في وسط مدينة حمص، إلا أن عودته اصطدمت بطلب من فرع الأمن العسكري الذي يشرف على ذلك القطاع، بأن يقوم بتسليم ابنته، أو أن تقوم هي بتسليم نفسها.
وأوضح “أبو جمال” أن ابنته خارج سوريا منذ عام 2012، وحينها تركت الوظيفة لدى النظام وغادرت دون ممارسة أي نشاط ضده، إلا أن فرع الأمن العسكري وضع لها تهمة “فارة من الوظيفة”، مضيفا: “أنا لم أذهب إلى الفرع ولم أتواصل معه بشكل مباشر، إنما قمت بذلك عن طريق بعض المعارف من أعضاء فرع حزب البعث في حمص والذين يعلمون في المصالحة والتسوية، وهم من نقلوا هذا الطلب لي.”
وحاول “أبو جمال” إيجاد طريقة للعودة بهدف تخفيف مصاريف الإيجار أولا ثم الحفاظ على منزله ثانيا حيث سمع أن النظام يستولي على منازل الغائبين ويمنحها لأجانب من عائلات المقاتلين ضمن ميليشياته.
ورغم التوصل إلى محام لم يوفق “أبو جمال” في العودة إلى حيه الذي خرج منه قبل ست سنوات حيث اصطدم بطلب مبلغ كبير وصل إلى مليون ليرة سورية، وهو غير قادر على دفع مثل هذا المبلغ، لذلك أجبر على البقاء في القلمون ريثما يجد حلا.
مضطرون للعودة
معظم من أرادوا العودة إلى منازلهم خاصة في حيي جورة الشياح وبابا عمرو كان عليهم الحصول على ورقة السماح بالدخول، وهم نازحون إلى مناطق أخرى خاضعة لسيطرة النظام وكثير منهم نزحوا إلى مدينة حماة والقلمون، ومن المفترض أن يسمح النظام لهم بالعودة دون شروط، كونهم بقوا في مناطق سيطرته، إلا أن ضباط النظام يتعاملون بعكس ذلك.
ويوضح “أبو جمال” أنه لم يخرج من مناطق سيطرة النظام نهائيا منذ بداية الأحداث إنما انتقل من حيه عندما بدأ يشهد عمليات عسكرية عنيفة، إلى بلدة جندر التي لم تخرج عن سيطرة النظام أبدا ولم تشهد أي عمليات عسكرية أو حتى عملية احتجاج أو مظاهرة واحدة ضد النظام، وابنته غادرت سوريا منذ ذلك الوقت لأنها لحقت بزوجها.
ومنذ سيطرة النظام على الحي قبل أربع سنوات وعشرة أشهر يحاول “أبو جمال” العودة إلى منزله ليس لأن دفع الإيجار بات ثقيلا فقط، إنما لأن منزله مهدد بالزوال بسبب المخططات التنظيمية التي يسعى النظام إلى تنفيذها في مدينة حمص، وعليه أن يكون في منزله ليتمكن من المطالبة بتعويض في حال حصول هدم وذلك لأن المخطط التي وضعه النظام لجورة الشياح تحديدا يقضي بهدم أجزاء كبيرة من الحي تصل نسبتها إلى أكثر من ثمانين بالمائة.
كذلك “أم محمد” فقد أوضحت لـ”الحل السوري” أن النظام وضع مخططا لحي بابا عمرو، وينوي هدم أجزاء من الحي بحجة إعادة الإعمار، والهدف من عودتها هو البقاء في منزلها مع الأوراق التي تثبت ملكيته، وذلك للحفاظ على الشيء الوحيد الذي تملكه، وفق وصفها.
وتؤكد عدة مصادر مطلعة لـ”الحل السوري” أن النظام وضع “مخططا تنظيميا” لحي بابا عمرو منذ أكثر من سنتين إلا أنه لم يشرع بتنفيذه وهناك أطراف تحاول الاستيلاء على المنازل في المنطقة التي تعتبر من أكثر مناطق حمص استراتيجية لقربها من مركز المدينة وموقعها الملاصق لحرم جامعة البعث.
كما وضع النظام مخططا تنظيميا يشمل كامل حي جورة الشياح قبل خمسة أشهر، ويمكن من خلاله الاستيلاء على أملاك الناس في الحي وخاصة أن النظام وضع نسبة كبيرة من المخطط تحت بند الوحدات والمراكز التجارية.
إعداد: أحمد الإبراهيم – تحرير: رجا سليم

