كيف تخطط روسيا لبناء قطاع تكنولوجيا المعلومات في سوريا؟

(الحل) – التقى وزير شؤون رئاسة الجمهورية السوري منصور عزام مع نائب رئيس الوزراء الروسي يوري بوريسوف في موسكو في الرابع من شهر حزيران الحالي في لقاء ضمن سلسلة من المناقشات الثنائية التي تهدف إلى تنفيذ القرارات التي تم تبنيها في الاجتماع الحادي عشر للجنة الدائمة المشتركة للتعاون التجاري والاقتصادي العلمي والتقني الذي عقد في دمشق في شهر كانون الأول من العام 2018. وفي الوقت الذي تسعى فيه السلطات السورية لبناء “مجتمع المعلومات” في البلاد كجزء من جهود إعادة الإعمار والتحديث، تطلع شركات تكنولوجيا المعلومات الروسية إلى مجالٍ واعد جديد للعمل في دمشق. 

وقال موقع المونيتور الأمريكي في تقرير حول قطاع التكنلوجيا في سوريا إن تزايد وصول المواطنين في سوريا ما قبل الحرب، وخاصة الشباب منهم إلى تكنولوجيا المعلومات مثل القنوات التلفزيونية الفضائية والانترنت والهواتف المحمولة، والتي زودتهم بالمعلومات من الخارج، إلى خلق توقعات كبيرة بشأن الإصلاحات وإمكانية التغيير. كل ذلك وسط رغبات غير مرضية ساهمت في التأثير على مزاج الاحتجاج بشكلٍ تدريجي. 

وكانت الجمعية العلمية السورية للمعلوماتية (SCS)، التي تأسست في العام 1989 والتي ترأسها بشار الأسد فيما بعد، الحاضنة الاجتماعية للشباب السوري. ويقال أنها أصبحت خلال الحرب مرتبطة بالجيش السوري الإلكتروني الموالي للنظام، بينما كانت سوريا قد حددت من قبل خبراء الغرب كأول دولة عربية تستضيف جيش الإنترنت على شبكاتها الوطنية لإطلاق هجماتها الإلكترونية علناً ضد أعدائها.  

وأفاد موظف سابق في الجمعية السورية للمعلوماتية موقع (الحل)، بأن “مخدمات الإنترنت كانت بداية تحجب جميع المواقع المعارضة، ولاحقاً حتى وسائل التواصل، بسبب الخوف من استخدامها ضد الحكومة، وحتى المواقع المقبولة من السلطات في ذلك الحين بما فيها (سيريانيوز) فقد جرى حجبها، على الأقل لفترات قصيرة، بسبب محتوى منشور لم يلق قبولاً لدى الحكومة”.

وكشف الموظف الذي فضل عدم كشف اسمه أن الجمعية المعلوماتية “كان يصلها بشكل شبه يومي (كتاب) من فرع المخابرات 225 لمعرفة أصحاب بعض الـ (آي بي)”. وفي السياق ذاته، كشف العامل السابق أن “الفرع كان يطلب تخزين نسخة من أي إيميل يتم إرساله ضمن قطاع الأعمال، وهو موضوع لم يكن سري، بل حتى يجري إعلام الشركات بأنه سيتم تحويل إيميلاتها إلى مخدم الجمعية، تحت حجة (الأسباب الأمنية)”.

وأضاف الموظف للموقع، أنه “بعد انطلاق الاحتجاجات في عام 2011 جرى أخذ مدير قسم الشبكات في الجمعية إلى فرع كفرسوسة للتحقيق في عدة جلسات، وخلال آخر زيارة اختفى، وهو ما يزال إلى اليوم مختف، اسمه همام حواصلي”.

وفي قطاع الاتصالات، تم تأسيس شركة “سيرياتيل”، أول شبكة مشغّلة للهواتف النقالة في سوريا، في العام 2000 من قبل رامي مخلوف، وهو أحد أبناء خال الأسد. وسرعان ما انضمت إليها شركة أخرى باسم “أريبا”، والتي تم تغيير اسمها إلى “سوريا MTN” في العام 2007 بعد أن تم بيعها إلى “مجموعة MTN” التي تأسست في جنوب إفريقيا. وقد بلغ عدد اشتراكات الهواتف النقالة بحلول العام 2007 إلى11.67 مليون، وازداد ليصل إلى 15.65 مليون بحلول العام 2017. وفي العام 2000، كانت نسبة السكان الذين لديهم إمكانية الوصول إلى شبكة الإنترنت 0.2%، وقد ارتفعت لتصل إلى 17.7% في العام 2010 و29.6% في العام 2016. 

وبلغت نسبة السوريين الحاصلين على تغطية الانترنت 34.2% في نهاية شهر آذار من العام الحالي لتحتل سوريا المرتبة  13 من أصل 14 دولة في الشرق الأوسط، حيث تفوّقت على اليمن 26.7% لكنها لم تتفوق على العراق التي تحتل الصدارة بنسبة 49.4%. 

وذكر “المونيتور” أن دمشق أطلقت وبالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة للإنماء بحلول العام 2002، استراتيجية وطنية بقيمة 8 مليار دولار للاتصالات والمعلومات، حيث قدّمت في العام 2004 خارطة طريق مدتها عشرة أعوام (بمساهمة الحكومة بمبلغ ملياري دولار) والتي تم تعليقها بسبب الأزمة. حيث كانت تهدف تلك الإستراتيجية إلى بناء مجتمع المعلومات من خلال توفير خدمات الاتصالات عالية الجودة وتبادل البيانات والوصول إلى الإنترنت وتطوير البرمجيات ومحتوى الويب وتعزيز شفافية الإجراءات الحكومية. 

ووضعت وزارة التربية استراتيجية لاستخدام تكنولوجيا المعلومات في المدارس بالتعاون مع منظمة اليونسكو، وذلك من خلال المكتبات الإلكترونية والقنوات التلفزيونية التعليمية والإنترنت لتتمكن من الوصول إلى الأشخاص الأميين دون حاجتهم إلى إنفاق مبالغ كبيرة ضمن مشروع “محو الأمية الإلكتروني”. كما أنشأت وزارة الصناعة نظاماً إلكترونياً لتسهيل تسجيل الشركات الصناعية الخاصة،وذلك بالتعاون مع المركز السوري الأوروبي للأعمال. 

وقد توفرت بوابة الانترنت التفاعلية للحكومة الإلكترونية السورية باللغتين العربية والإنكليزية منذ العام 2012. وفي شهر حزيران من العام 2017، أعلن بشار الأسد إصلاحات حكومية تضمنت إنشاء “مركز مساعدة” مشترك بين الوزارات إلى جانب “مركز للتغذية الإلكترونية”، بهدف ضمان التواصل بين السلطات والمواطنين العاديين، ذلك بالإضافة إلى مركز للموارد البشرية.

وحافظت دمشق على وجود مشاريع تكنولوجيا المعلومات ضمن ميزانيتها للعام 2019 بالرغم من نقص التمويل. وقد تضمنت هذه المشاريع التوقيع الإلكتروني وتبادل المستندات الإلكترونية برعاية وزارة الاتصالات والتقانة (MOCT) والوكالة الوطنية لخدمات الشبكات (NANS) التابعة للوزارة. وروّج لتلك الأفكار في الفترة الواقعة بين العامين 2015 – 2016 من قِبل حسان النوري، وزير التنمية الإدارية آنذاك. وهو رجل أعمال ثري من دمشق، تلقى تعليمه في الولايات المتحدة الأمريكية، وكان من بين ثلاثة مرشحين في الانتخابات الرئاسية في العام 2014. ومنذ ذلك الحين تجري الوكالة الوطنية لخدمات الشبكات اتصالات مكثّفة مع وزارة التنمية الرقمية والاتصالات الروسية والإعلام الروسية بشأن مشروع التوقيع الإلكتروني. والهدف الرئيسي هو إنشاء نظام تكنولوجيا معلومات موحّد وحديث للفعاليات الإدارية والمالية في القطاع العام. 

ويتضمن هذا النظام وفق الموقع الأمريكي تتبع سير المستندات الإلكترونية وإنشاء مستندات وتوقيعها من خلال التوقيع الإلكتروني، ذلك بالإضافة إلى تمكين المستخدمين من معالجة الوثائق وخلق ظروف عمل متزامنة مع الأنظمة المختلفة للمحاسبة. كما تهتم الوكالة الوطنية لخدمات الشبكات بتخطيط موارد المؤسسات بالاعتماد على تقنية Cloudnet وبناء مركز بيانات كمشروع مشترك محتمل مع الشركاء الروس. 

ومن خلال التعاون الروسي السوري المشترك في مجال تكنولوجيا المعلومات، تتطلع وزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية إلى إصدار تراخيص الاستيراد الإلكترونية. كما تعمل وزارة الداخلية على إعادة تنصيب خطط أتمتة السجلات المدنية التي بدأت في العام 2000، والتي تشمل نظام تسجيل قانوني محوسب ومطابقة البصمات وأنظمة إدارة حركة المرور، ذلك بالإضافة إلى الخدمات الحكومية الإلكترونية. كما تتطلع وزارة الصحة إلى التقنيات الأجنبية وربما الروسية من أجل أتمتة المستشفيات من خلال إعداد سجلات طبية إلكترونية وتفعيل تطبيقات الصحة الإلكترونية. هذا بالإضافة إلى تسهيل تبادل المعلومات الطبية بين الأطباء بهدف تطوير منصة تشخيص طبي للتحاليل المخبرية والتصوير الطبقي والتصوير بالرنين المغناطيسي وتحليل الأنسجة بالإضافة إلى التحديد الآلي للسرطان. 

كما تبحث الخدمة البريدية “البريد السوري” التابعة لوزارة الاتصالات والتقانة عن ملائمة التقنيات اللوجستية المتطورة التي طبقتها المؤسسات البريدية في روسيا وكازاخستان مؤخراً. حيث تشمل أتمتة التسليم ورفع إنتاجية سعة البريد عن طريق التكامل مع أنظمة البيانات ومراكز الاتصالات وتطبيقات البريد على الهواتف الذكية و بناء طرق أمثل للتسليم وإمكانية حساب وقت الوصول بالاعتماد على حركة سير البريد وتسلسل عمليات التسليم، كل ذلك بدون أي عملية استثمار في إعادة بناء شبكة الخدمات اللوجستية البريدية. 

وكانت وزارة السياحة السورية قد بدأت في شهر شباط من العام 2018 بمناقشات مشتركة بين الوزارات حول وجهات النظر بشأن تدشين نظام وطني لإصدار الفيزا الإلكترونية بالاستناد إلى الممارسات الدولية المتقدمة وذلك بهدف الحصول على الاستثمارات والمساعدة التقنية من الدول الصديقة بما فيها روسيا. ويهدف هذا المشروع إلى رفع مستوى الخدمات القنصلية الغير متوفرة في العديد من البلدان في الوقت الحالي بسبب العقوبات الغربية، الأمر الذي من شأنه تشجيع السياحة وتعزيز صورة “سوريا الآمنة”. وبالتوازي، تسعى وزارة السياحة إلى إيجاد حلول حول كيفية إطلاق نظام وطني لإمكانية الوصول إلى الحجوزات الفندقية والإيجارات وتأمينها، لأن الوصول إلى الأنظمة العالمية مثل Booking.com غير متاح بسبب العقوبات الدولية. 

أما المؤسسات المالية السورية والتي تشمل كلّ من البنوك الوطنية والدولية، من ضمنها مصرف سوريا المركزي والمصرف التجاري السوري والمصرف العقاري السوري وبنك سوريا الدولي الإسلامي وبنك البركة – سوريا وبنك الشام وبنك بيبلوس – سوريا وبنك الأردن – سوريا، فجميعها تتوقع احتمال ترقية تقنيات أمن المعلومات وبرامج مكافحة البريد العشوائي، حيث تأخذ روسيا مركز الصدارة بشكلٍ تقليدي. 

ومن بين الأمور الأخرى التي تهتم الشركات الروسية بتوفيرها للسوريين نظام التعامل مع حوادث الشبكات الحاسوبية القادر على اكتشاف هجمات الحواسيب والإبلاغ عنها ضمن الشبكات الداخلية (المحمية) والشبكات الخارجية (الإنترنت). بالإضافة إلى توفير منصة لتخزين مليارات السجلات الضخمة والتي صممت لتخزين البيانات وسجلات تشغيل النظام وسجلات الصفقات والمعاملات المصرفية (بسرعة 200 تيرابايت لتواكب كثافة البيانات المتدفقة وعدد سجلات يصل إلى 100 مليون سجل في اليوم). 

وأفاد التقرير الصادر عن “المونيتور” بأنه من الواضح أن القيادة السورية تنظر إلى قطاع تكنولوجيا المعلومات على أنه منظور للسوق ومسيّر لعملية إعادة الإعمار في البلاد. بالإضافة إلى إحياءه للحياة الاجتماعية والاقتصادية وتجاوز العقوبات. وفي الوقت نفسه من أجل الوصول إلى حلول برمجية فريدة من خلال الاعتماد على الدول الصديقة، خاصةً الهند وروسيا. ومع ذلك، تبقى الأفق غير واضحة المعالم بسبب العقوبات المفروضة على سوريا ومحدودية الموارد المالية والاستثمارات الوطنية. 

وحذر الموظف السابق في الجمعية المعلوماتية في تصريحاته لموقع (الحل) من مخاطر مشاركة روسيا في بناء البنى التحتية للتكنلوجيا في سوريا، لأنه يعتبر ذلك “التفافاً محتملاً على العقوبات الأمريكية، ما يعني إيصال تكنلوجيا حديثة لنظام يمكن أن يستخدمها لملاحقة ناشطي حقوق الإنسان والمدنيين في سوريا، لأن التكنلوجيا ستكون في سوريا بيد الحكومة فقط، وستقتصر المعاناة من العقوبات على الشعب الذي سيجري قمعه أكثر وأكثر”، وفق تعبيره.

وشدد الموظف السابق على وجوب مراقبة الولايات المتحدة لأي قدرات تكنلوجية يجري بيعها لروسيا، للتأكد من عدم وصولها إلى النظام السوري، “وفرض عقوبات اقتصادية على موسكو في حال أخلت بالتعليمات الأمريكية بما يخص قطاع التكنلوجيا السوري”.

ويرى خبير أمن المعلومات (دلشاد عثمان) أن روسيا “قد تكون قادرة على أن تقدم خبرات لتركيب بنى تحتية قوية لسوريا، لكنها حتماً ستحتاج إلى أجهزة منشأها أمريكي أو أوروبي”.

وأضاف عثمان في تصريح لموقع (الحل)، أنه “في حال قامت إحدى الشركات الروسية بشراء المعدات و قدمتها لسوريا، ستخضع للعقوبات الأمريكية. وأيضاً، حتى لو كان هناك بدائل روسية، كشركة كبلات مثلاً، وباعت منتجاتها إلى سوريا، فسيفرض على الشركة عقوبات أمريكية، ولن تخاطر معظم الشركات هكذا مخاطرة. وبذلك سينحصر تحضير البنى التحتية بشركات صغيرة جداً يهمها هذه الصفقة تحديداً، ما يعني جودة أقل وخدمات صيانة سيئة أو معدومة”.

تحرير: سامي صلاح

 

محمد صالح

محمد صالح

صحفي مهتم بتغطية الأخبار الخاصة بالشأن السوري يعمل محرراً في موقع الحل نت.