وكالات (الحل) – نشرت صحيفة Gulf News الإماراتية والناطقة باللغة الإنكليزية، تقريراً تناولت فيه الحالة الاقتصادية للنازحين في منطقة إدلب والعالقين بين بساتين الزيتون على الحدود مع الجارة تركيا. حيث يبين التقرير كيف اضطر المدنيون لبيع أثاث منازلهم وأدواتهم الكهربائية التي حملوها معهم خوفاً عليها من القصف والنهب، ليجدوا نفسهم مجبرين على البحث عمن يشتريها بثمن بخس لقاء تأمين لقمة عيش أطفالهم في ظل غياب المنظمات والمؤسسات التي تهتم بشأنهم.
“أبو علي”، الذي عمل لسنوات في بيع الأثاث والأدوات المنزلية المستعملة لكسب لقمة عيشه، لم يكن يفكر يوما أن الحرب السورية سوف تشرّده وتجبره في يوم من الأيام على بيع أثاث منزله. فعائلته، ليست إلا واحدة من عشرات العائلات التي انقطّعت بهم السبل في بساتين الزيتون على طول الحدود التركية، والذين يقولون بأنه لم يكن أمامهم خيار سوى بيع ممتلكاتهم الأساسية لضمان بقائهم على قيد الحياة، حيث يقول أحد الآباء، والذي يأوي عائلته المتضمنة خمسة أطفال في خيمة اليوم:”بعت أثاث منزلي لتأمين الطعام والشراب والملبس لأطفالي”.
فمنذ أواخر شهر نيسان ويتعرض معقل المعارضة الأخير الواقع في المنطقة الشمالية الغربية من سوريا لقصفٍ شديد من قبل قوات النظام وحليفتها روسيا. وذلك بالرغم من اتفاق هدنة بهدف حماية المدنيين في الجيب الواقع تحت إدارة المعارضة المسلحة والبالغ عددهم ثلاثة ملايين نسمة.
فقد أدى تصاعد العنف في محافظة إدلب وما حولها إلى مقتل مئات المدنيين وتشريد ما يزيد عن 330 ألف وإثارة مخاوف حول أحد أفظع الكوارث الإنسانية خلال السنوات الثمانية للحرب الأهلية في البلاد.
وقد هرب أبو علي وزوجته وأطفالهم من منزلهم الواقع جنوب محافظة إدلب في مطلع شهر أيار من العام الحالي متوجهين إلى الطريق المؤدية نحو الشمال علّهم يجدون أماناً نسبياً بين بساتين الزيتون القريبة من الحدود مع تركيا. وفي حديثه لوكالة فرانس برس، يقول أبو علي وهو جالس في ظل شجرة بالقرب من بلدة أطمة الحدودية: “لقد اعتدت أن يكون لدي دكان لبيع وشراء الأدوات المنزلية المستعملة، مثل الثلاجات والأثاث، في قرية معرّة حُرمة”.
بعد بضعة أيامٍ من فراره من قريته، استأجر أبو علي شاحنتين لقاء 50 ألف ليرة سورية لإحضار ثمانية ثلاجات وأثاث غرفة نوم وسبعة غسالات ملابس والعديد من أفران الغاز إلى بستان الزيتون. لكن سرعان ما انخفضت قيمة البضائع تحت شمس الصيف في المخيم المؤقت. فعلى سبيل المثال، يمكن لسعر الثلاجة التي تم شراؤها مقابل 25 ألف ليرة سورية أن يكون منخفضاً بخُمس هذا السعر.
وقد قامت بعض العائلات في أطمة بحفظ ثلاجاتها وغيرها من الأدوات المنزلية في خيمة خاصة سويّةً لحمايتها من الضرر. وقد اضطر عوض أبو عبدو، البالغ من العمر خمسة وثلاثين عاماً، إلى التخلي عن كل أدواته المنزلية هو الآخر مقابل أجرٍ زهيد. “لقد كانت تلك الأشياء عزيزة جداً بالنسبة لي. لقد كانت تشكل كل ما استطعت جمعه من سنوات عملي الشاق”، يقول عامل البناء السابق والذي هرب مع زوجته وأطفاله الستة من قرية طراملة. ويضيف: “لقد بعت أثاث منزلي بأكمله مقابل 50 ألف ليرة سورية فقط”. إلا أنه وبعد أن دفع تكاليف النقل، لم يتبقى له سوى نصف ذلك المبلغ ليعيل به عائلته ويطعمهم. وقد اتهم أبو عبدو المشترين بأنهم: “يغشوننا، يستغلوننا، نحن النازحون”، لكنه أضاف قائلاً: “لم يكن لدينا خيار آخر. كل شيء غالٍ جداً… وليس هناك منظمات تهتم لشؤوننا”.
هذا ومن المفترض أن منطقة إدلب تتمتع بالحماية بموجب اتفاق المنطقة العازلة الذي وقّعت عليه كل من روسيا وتركيا، الداعمة للمتمردين، في شهر أيلول من العام الماضي. إلا أن الاتفاق لم يدخل حيز التنفيذ بشكلٍ صحيح بسبب رفض الجهاديين الانسحاب من النطاق المتفق عليه.
وقد فرضت هيئة “تحرير الشام”، سيطرتها الإدارية على المنطقة في شهر كانون الثاني.
أما في بلدة الأتارب التي تبعد حوالي 30 كيلو متر عن أطمة، في محافظة حلب، فقد تسلّم أبو حسين دفعة جديدة من الأثاث والأدوات المنزلية المستعملة في دكانه. “تصل إلينا كل يوم ما يزيد عن عشرة سيارات محملة بالمواد التي يحاول النازحون بيعها لنا”، يقول أبو حسين البالغ من العمر خمسة وثلاثين عاماً. ويضيف: “هذا يعني انه يتعين علينا دفع مبالغ منخفضة بشكلٍ نسبي بسبب فائض العرض في السوق، وبالتالي من الصعب أن يتم بيعها جميعها”.
من جانبها تأمل وليدة درويش، من مخيم أطمة والبالغة من العمر خمسين عاماً، في أن تجد من يشتري منها الثلاجة وغسالة الملابس والتلفزيون، لمساعدتها على تأمين مستلزمات أطفالها الثمانية. وقد نقلت الأرملة أدواتها الكهربائية معها حين نزوحها من معرّة حُرمة “لحمايتها من القصف والنهب”.وتقول هذه الأرملة بوجهها المجعد والذي يظهر من خلال وشاح أزرق ساطع اللون يلف رأسها وهي تشير إلى أن تلك الأدوات الكهربائية: “إنها تشكل اليوم شريان الحياة الوحيد لعائلتي. أنا مجبرة على بيعها. وإلا كيف يمكن لنا أن نعيش؟”.
تحرير: رجا سليم

