بغداد ـ وسام البازي
لم يتمكن رئيس الحكومة العراقي عادل عبد المهدي حتى أمس الثلاثاء، من ترطيب الأجواء الجافة بينه مع الحشد الشعبي، فاللهجة الدبلوماسية الهادئة لا تتناسب مع انفعال الفصائل التي تعوَّدت خلال السنوات الماضية على القتال والتعامل بنرجسية عالية مع الأحداث.
فالحشدُ، الذي انقلب من قوةٍ مساندةٍ للجيش العراقي خلال الحرب على تنظيم “داعش” إلى كتلة هُلامية متعددة الولاءات والتوجهات، وإلى ثقلٍ على صدرِ أيام المسؤولين المؤمنين بدولة عراقية تعمل من أجل مصالحها.
أكثرُ من سيناريو يواجه عبد المهدي، الذي يسعى إلى تعميق العلاقات مع أميركا ودول العالم المتقدم من جهة، وعدم خسارة إيران، أكبر المناجم التي تغذي أسواق البلاد بالمواد الغذائية والكهرباء.
لكن أخطرها هو ما أعلنهُ نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي جمال جعفر المعروف باسم “أبو مهدي المهندس”، بدعوة الاقتتال مع إسرائيل، مع وجود تسريبات تفيد بقبول أكثر من خمسة فصائل مسلحة بهذا الموقف، ما يعني أن العراق قد يواجه قوة عسكرية ضخمة، تملك الموارد الكافية والسلاح المتطور والخبرة القتالية.
واقعياً، هذا التوجه غير محترم من قبل الشعب العراقي، الذي تَعِب من الحروب، فما أن ينجو من واحدةٍ إلا ووقع بأخرى، منذ عام 1980، لكن هذا التوجه تدعمهُ إيران ولبنان والنظام السوري، فهم متضررون من إسرائيل ويريدون قتالها، ولكن بغير عديد قواتها أو سلاحها أو اقتصادها، فلا أمل إلا بالعراقيين الذين أثبتوا قوتهم بمعارك تحرير المدن التي سيطر عليها تنظيم “داعش”، وهذا ما يرتعب منه الرئيس العراقي برهم صالح، الذي أصدر توجيهاتٍ تمنع القتال لقادة الحشد، لكن دون جدوى.
وعلى وقعِ المصيبة، أصدر رئيس الحكومة عادل عبد المهدي أمس الثلاثاء، بياناً فاتراً، تنبعثُ منهُ رائحة القلق والخوف من عدم ثبوت قناعة الفصائل به، ولعل أهم ما فيه هو أن «العراق مستعدٌ للرد بحزم وبكافة الوسائل المتاحة على أي عدوان ينطلق من خارج أو داخل البلاد».
بيانٌ طويلٌ، خالٍ من التصعيد الذي يرجوه جناح إيران داخل الحشد، صدر ليلاً حين كان قادة الحشد منشغلون بنقل أسلحتهم إلى أماكن أخرى غير المدن، وبعضهم كان على محطات التلفاز للحديث عن الطيران الحاذق والرجال البواسل، الذين سيضربون مصالح الولايات المتحدة الأميركية والأراضي الإسرائيلية.
اللجوء إلى العالم
سار بعض العقلاء من السياسيين وقادة الحشد، على هديّ البصيرة، واختاروا اللجوء إلى “مجلس الأمن الدولي” ليستجيروا من المسيّرات المجهولة، وقد دعمت وزارة الخارجية العراقية هذا السيناريو.
عضو التحالف المدني الديمقراطي، أحمد الياسري، قال لـ”الحل العراق”، إن «الأمل الوحيد لإنقاذ الحشد الشعبي من ضربات الطيران المسير المجهول، هو اللجوء إلى مجلس الأمن، وإن كانت إسرائيل متورطة فعلاً فالعالم سيُحقق العدل، وقد تُعاقب إسرائيل، كونها تُعلن الحرب على دولةٍ لا علاقة لها بما يعرف بمحور المقاومة»، الذي يضم إيران وحزب الله اللبناني وبشار الأسد.
مضيفاً إن «الضربات التي نُفذت على مواقع الحشد الشعبي، كانت دقيقة جداً، ففي معسكر صقر ببغداد، كانت مستودعات أسلحة الشرطة الاتحادية قريبة من صواريخ الحشد، إلا أنها لم تُسفر عن أية خسارة للشرطة، والأمر نفسه مع الضربة الأخيرة على الحدود العراقية السورية، فلم يُخطئ الطيران المسيّر في ضرب الحشد، مع العلم أن قوات “حرس الحدود” يقفون إلى جانب عناصر (كتائب حزب الله)».
«هذه تأكيدات تُفيد بأن الجهة التي تضرب الحشد، تقصد الحشد لا غيره. وإن مجلس الأمن الدولي يتعامل مع الحشد الشعبي كقوة نظامية خاضعة للدولة، مع وجود ملاحظات على بعض الفصائل، إلا أن الأمر في النهاية يُصاغ على أنه اعتداء على العراق»، هكذا أنهى الياسري حديثه.
التبرؤ من كتائبها وعصائبها
مراقبون وسياسيون مقربون من الإدارة الأميركية، أكدوا أن إسرائيل ستستمر بقصف الأسلحة والقواعد الإيرانية في العراق، والسبب هو تحويل المعسكرات “الحشدية” إلى قواعد جوية لصواريخ طهران، مثل «زلزال وفاتح».
انتفاض قنبر، وهو سياسي عراقي مقرب من الإدارة الأميركية، قال لـ”الحل العراق”، إن «رئيس الحكومة العراقية عادل عبد المهدي لديه فرصة ذهبية لطرد الفصائل المسلحة التي لا توالي الدولة، عبر استغلال الدعم الأميركي لهذا التوجه والجماهير المدنية التي ترفض تحويل العراق إلى ساحة لتصفية حسابات بين طهران وتل أبيب».
وأكمل، أن «التبرؤ من هذه الفصائل التي يقودها أبو مهدي المهندس، يعني خلال العراق من خطر الطيران المسيّر، لأنه سيكون خارج حسابات الصراع الأميركي الإيراني الإسرائيلي».
موضحاً أن «العراق سيتضرر كثيراً إذا بقيّ يحاور الفصائل التي تسعى إلى تحصين قواتها ومصالحها بالصواريخ الإيرانية، بالحسنى، ولأن العراق أقرب إلى الولايات المتحدة من سوريا، فإن الدعم الأميركي سيكون حاضراً بمجرد أن يسلك عبد المهدي خيار التبرؤ من هذه الفصائل».
المقاومة.. أكبر الخسارات
حتى الأمس كان قادة الفصائل الموالية لإيران يناقشون بعضهم بخيار المقاومة، دون أي اكتراث لقرارات الرئاسات الثلاث التي صدرت خلال الأيام الماضية، بشأن ضبط النفس وعدم المواجهة مع جهات خارجية، ولعل كتائب سيد الشهداء، باتت على خط المواجهة بعد أن كانت منشغلة بمشاريعها الاقتصادية في نينوى وترهيب العرب السنة والسيطرة على أموالهم ومساجدهم في محافظات الشمال.
مصادر من الحشد تحدَّثت لـ”الحل العراق”، بأن «سيد الشهداء، والنجباء والعصائب وكتائب حزب الله وسرايا الخراساني وسرايا الجهاد، لم يستبعدوا خيار المواجهة مع إسرائيل».
مبينة أن «المواجهة قد تكون على شكل خارطتين، هو توجيه ضربات صاروخية على الجولان الذي تسيطر عليه إسرائيل حالياً، من العمق السوري، وتحديداً من مناطق السيدة زينب ومطار المزة السوري وحلب، ثم توجيه ضربات إلى السعودية من مدينة العمارة العراقية».
لافتة إلى أن «رئيس هيئة الحشد الشعبي فالح الفياض من أشد المعارضين حالياً على خيارات المواجهة، ويشتد الخلاف حالياً بينه مع قادة الفصائل وأولهم المهندس، وقد يصدر قرارات من الهيئة باستبعاد المهندس من مهامه كنائب للرئيس».
