نشرت مجلة “فورين بوليسي” تقريراً تشير فيه إلى المخاوف التي أثارتها حركة القوات التركية على الحدود لدى الأكراد بشأن هجومٍ تركي محتمل. فبالرغم من إنشاء منطقة آمنة على الحدود التي تفصل تركيا عن المنطقة الشمالية الشرقية في سوريا والتي خففت التوترات خلال الأسابيع الأخيرة، إلا أن أكراد سوريا ما يزالون قلقون من أن تكون التحركات البرية والجوية للقوات التركية في مناطقهم مقدمةً لهجومٍ محتمل على الأقلية الكردية في البلاد.
وفي مقابلةً لها مع الفورين بوليسي خلال زيارتها الأخيرة إلى واشنطن، قالت إلهام أحمد، الرئيس المشترك لمجلس سوريا الديمقراطية، الذراع السياسي لقوات سوريا الديمقراطية المدعومة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية والمسؤولة عن تحرير شمال شرق سوريا من الإسلاميين، موضحةً: “إذا استطاعوا، فإنهم سوف يصلون إلى دمشق”. فالنقاش حول المنطقة التي يعتبرها الأمريكان “آلية أمنية” بدلاً من منطقة آمنة هو مسألة شخصية جداً بالنسبة لأحمد التي ترعرعت في بلدة عفرين الواقعة في شمال غرب سوريا. فقد شن الجيش التركي ومرتزقته من الفصائل السورية المسلحة حملةً عنيفة العام الماضي ضد بلدة عفرين الواقعة تحت سيطرة الأكراد. واضطرت عائلة أحمد بالكامل للهروب وهي الآن تعيش في مخيم خارج المدينة، بحسب أحمد.
ويشير التقرير إلى أن الدعم الأمريكي لأكراد سوريا كان السبب الرئيسي في التوتر بين أنقرة وواشنطن منذ أن بدأ الجيش الأمريكي بتسليحهم في العام 2014. فالذراع العسكري لقوات سوريا الديمقراطية يقوده وحدات حماية الشعب (YPG)، وهي قوات معظمها من الأكراد وتعتبرها أنقرة امتداداً لحزب العمال الكردستاني التركي(PKK). وقد اعتبرت كل من تركيا والولايات المتحدة الأمريكية الـ PKK، الذي شن تمرداً دام لعقود في تركيا، مجموعة إرهابية.
وتسعى أنقرة لإنشاء “منطقة آمنة” واقعة تحت سيطرة تركيا على الحدود منذ أشهر كإجراء ضروري لضرورات أمنها القومي، بحسب إدعائها. وقد وعد للرئيس الأمريكي دونالد ترامب عبر تغريدةٍ له في العشرين من شهر كانون الثاني الماضي بإنشاء منطقة آمنة على امتداد 20 ميلاً. إلا أن أكراد سوريا يخشون من هجومٍ تركي على أهالي المنطقة المدنيين، وقد وصفت أحمد آثار الهجوم المحتمل بالقول: “يمكن أن يكون كارثةً لشعبنا”.
وبحسب أحمد فقد التزمت قوات سوريا الديمقراطية بالاتفاق منذ تأسيس الآلية الأمنية في وقتٍ سابق من هذا الشهر، والتي تضمنت دوريات برية وجوية مشتركة للولايات المتحدة الأمريكية وتركيا بين بلدتي تل أبيض ورأس العين الحدودية السورية. وقد سلّمت وحدات حماية الشعب المنطقة لقوات الأمن المحلية وأزالت الحواجز والأنفاق على الحدود وسحبت أسلحتها الثقيلة مثل الدبابات والمدفعية على مدى 12 ميلاً. إلا أن وجود القوات التركية والمعدات العسكرية على الحدود ما يزال يشكّل تهديداً، بحسب أحمد. حيث تبين أن أكثر ما يقلق الأكراد هو طائرات الاستطلاع التركية التي تعمل في المنطقة كجزء من الدوريات المشتركة. وتقول أحمد بهذا الخصوص: “لا نستطيع القول بأن المشكلة قد انحلت ما لم تعود الحدود إلى حالتها الطبيعية، حيث الأمور تكون طبيعية بدون وجود قوات على كلا الجانبين”.
وأضافت أحمد بأن تهديدات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بإعادة توطين ثلاثة ملايين لاجئ سوري، متواجدين الآن في تركيا، في المنطقة الآمنة أمر “مقلق” أيضاً. فمعظم اللاجئين في تركيا ليسوا من السكان الأصليين للمنطقة الشمالية الشرقية في سوريا، وحضورهم إلى المنطقة الآمنة يمكن أن يهجّر السكان الأكراد منها. “كل يوم هناك تصعيد من تركيا وتهديدات”، تقول أحمد.
وقد أعربت وزارة الدفاع الأمريكية والمسؤولون العسكريون عن تفاؤلٍ حذر بشأن إمكانية الحفاظ على السلام المضطرب بين الأتراك والأكراد، إلا أن الخبراء يقولون بأن الوجود الأمريكي المستمر على الأرض كـ “محاور موثوق” سوف يكون عاملاً أساسياً لطمأنة كلا الجانبين.
من جانبها ترى دانا سترول، زميلة في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، بأن تركيا سوف تستمر في الضغط من أجل الحصول على مزيد من التنازلات. “من المحتمل أن لا شيء سوف يرضي الأتراك 100% لأن القضية الرئيسية هي الدعم الأمريكي لقوات سوريا الديمقراطية”، تقول سترول. لكن الآلية الأمنية فتحت مجالاً للعمل بالرغم من الاختلافات.
كريس ماير، مدير مجموعة العمل في البنتاغون بشأن مكافحة تنظيم داعش، رأى من جانبه بأن الآلية الأمنية التي تتضمن دوريات عسكرية أمريكية وتركية مشتركة في المنطقة قد خففت من بشكلٍ كبير من خطر الهجوم التركي على شمال شرق سوريا. إلا أن المسؤولين الأتراك أعربوا عن إحباطهم بسبب بطء سير خطوات التنفيذ. وقد هدد أردوغان خلال عطلة نهاية الأسبوع باتخاذ خطوات أحادية الجانب ما لم تكمل الولايات المتحدة الأمريكية تنفيذ خطة المنطقة الآمنة هذا الشهر، مكرراً قلقه من استمرار واشنطن في تزويد المقاتلين الأكراد بالسلاح. وقال أردوغان بأن محادثاته مع ترامب في الجمعية العامة التابعة للأمم المتحدة هذا الأسبوع يمكن أن تكون بمثابة فرصة أخيرة لتأسيس المنطقة المذكورة.
وقد أقر ماير بأن الولايات المتحدة ما تزال تقدم الأسلحة والمركبات المصممة بشكل خاص لقوات سوريا الديمقراطية لمساعدتها في محاربة فلول تنظيم داعش والذي يهدد بالانبعاث مجدداً في البلاد. لكنه شدد على أن الولايات المتحدة تزود تركيا بشكلٍ شهري بقائمة مفصلة عن هذه الإمدادات، وأقرّ بأن الآلية الأمنية هي “عمل مستمر”. وقال ماير بهذا الخصوص: “نحن نتفهم بأن هناك عدد من العوامل بشأن هذه الترتيبات سوف تحدث مع مرور الوقت، فإزالة التحصينات لا تتم بين ليلة وضحاها، إنه عملٌ مستمر”. وأضاف: ” ولكن نحن نشعر أننا نعمل على قدمٍ وساق، وحتى في بعض الأحيان نتخطى السرعة التي تم الاتفاق عليها”.
وأكدت وزارة الدفاع الأمريكية ومسؤولون عسكريون بأن قوات سوريا الديمقراطية تتعهد بإزالة عناصر وحدات الـYPG التي تتسبب بإقلاق تركيا. فقال الجنرال سكوت ناومان، مدير العمليات في التحالف الدولي: “إنهم يشاركون في كل المهام التي تم الاتفاق عليها بطريقةٍ مشتركة للمضي قدماً”. وأضاف: “نحن نؤمن بأن هذا يظهر الالتزام الكلي بهذه الاتفاقية وتنسيقنا المستمر،بينما نبني على الزخم الإيجابي الذي حققناه سويةً”. ويبين ماير أنه وكجزء من الآلية الأمنية، فقد أسست كذلك كل من واشنطن وأنقرة مركز عمليات مشترك في جنوب تركيا، حيث الممثلون العسكريون الأمريكان والأتراك مسؤولون عن التنسيق والتخطيط اليومي للدوريات البريد والجوية.
كما كان عمق المنطقة أيضاً موضع خلاف، فتركيا سعت لمنطقة أمان تمتد 20ميلاً داخل سوريا، إلا أن الأكراد رفضوا ذلك الرقم. وقالت أحمد بأن المنطقة الآمنة حالياً تمتد بين 3 إلى 9 أميال إلى شمال شرق سوريا، بينما رفض مسؤولون أمريكيون إعطاء المدى. وقال ناومان بأن لدى الجيش الأمريكي ألف جندي يعملون في كافة أنحاء شمال شرق سوريا كجزء من الآلية الأمنية هذه وأن المهمة الأساسية لهؤلاء الجنود هي لدحر تنظيم “داعش”، ولا خطط لزيادة ذلك العدد.
وأعربت أحمد عن خيبتها كذلك من عدم تمثيل قوات سوريا الديمقراطية في اللجنة الدستورية أو في محادثات جنيف للوصول إلى اتفاق سلام كامل في البلاد. وعند سؤالها عما إذا كانت تشعر بالاكتفاء من الدعم المقدم من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، أجابت: “لا، ذلك ليس كافياً”. “المجموعة الوحيدة التي قاتلت تنظيم داعش تم استثنائها من محادثات السلام”، قالت أحمد. وأضافت: “من سوف يقوم بكتابة دستورنا الآن؟”.
وأكدت أحمد أن الآلية الأمنية هي خطوة أولية جيدة والتي من شأنها أن تكون مدخلاً لحوار أكثر استدامة. لكنها أكدت على أن “أي اتفاق دائم يتطلب حضوراً أمريكياً كضامن لكلا الجانبين”. وذلك في الوقت الذي يشكل فيه الوجود العسكري الأمريكي على المدى البعيد إشارة استفهام.
وتؤكد سترول قائلة: “لقد أوضح الرئيس ترامب بأنه يريد إنهاء المهمة العسكرية في سوريا. ولكن في بعض الأحياء، يكون السؤال إلى متى سوف تترك الولايات المتحدة قواتها هناك وتدعم قوات سوريا الديمقراطية”. وتختم حديثها لفورين بوليسي بالقول: “إن الوجود العسكري الأمريكي في شمال شرق سوريا مرتبط بما يحدث في العملية السياسية الأوسع نطاقاً ربما للوصول إلى اتفاق متفاوض عليه”.

