لعبت «هيئة تحرير الشام» دوراً بارزاً في اتفاقيات التهدئة وخفض التصعيد في مناطق شمال غرب سوريا، وهي القوة الأكثر عدداً بعد «الجبهة الوطنيّة للتحرير»، التي تحوي معظم فصائل المعارضة في محافظة إدلب وأجزاء من حلب وحماة.
كان رفض «هيئة تحرير الشام»، المصنفة على قوائم الإرهاب، لاتفاقيات “آستانا” و”سوتشي” أحد المبررات التي أتاحت لروسيا اجتياح محافظة إدلب ومناطق ريف حماة الشمالي، بذريعة “محاربة التنظيمات الأرهابية”، بعدما اختارت روسيا الحل العسكري، لاستعادة ما تبقى من الأراضي السوريّة الواقعة تحت سيطرة المعارضة.
ومع كل إعلان لاتفاق تهدئة أو وقف لإطلاق النار كانت «هيئة تحرير الشام» تبادر لخرقه، عبر مهاجمة مواقع القوات النظامية في محافظة إدلب. إذ خرقت مجموعة من «جيش أبو بكر الصديق»، التابع للهيئة، اتفاق “المنطقة منزوعة السلاح” أواخر عام ٢٠١٨، يضاف ذلك إلى الخروقات التي نفذتها القوّات النظاميّة بقصفها المناطق السكنيّة في إدلب، ما أدى لانهيار كل هدنة أو اتفاق بين أطراف الصراع.
تسليم سراقب
وفي مطلع شهر شباط /فبراير الماضي، سيطرت القوات النظامية على “سراقب”، بعد معارك عنيفة شهدتها المدينة الواقعة شرق إدلب. وخلال الاشتباكات التي شهدتها المنطقة، ظهر عدد من مقاتلي فصائل المعارضة و أبناء المدينة في تسجيلات مصوّرة، اتهموا خلالها “الهيئة” بالتخاذل والانسحاب من “سراقب”.
وأكدت التسجيلات أن الهيئة لم تقدم الدعم العسكري لجبهة سراقب، في حين بقي المقاتلون من أبناء المنطقة وحدهم في مواجهة القوّات النظامية، التي تمكنت من فرض سيطرتها على المدينة.
يقول المحلل الاستراتيجي “أيمن محمود” لموقع «االحل نت» إن هيئة تحرير الشام ساهمت بشكل رئيسي بفشل الحلول السياسية في منطقة إدلب، ويضيف: «الهيئة أعطت المبرر الرئيسي لروسيا لتنفيذ خطتها بالحل العسكري. الخروقات التي ارتكبتها، إضافة إلى رفضها حلّ نفسها، وتسليم المنطقة إلى فصائل المعارضة المعتدلة، ساهم بدعم حجة الروس أمام المجتمع الدولي».
ويؤكد محمود أن الهيئة لم تكن إلا مبرراً إضافيّاً لاجتياح إدلب وحماة، فروسيا كانت تخطط من البداية للحل العسكري، واتفاقيات التهدئة لم تكن إلا مناورة منها، لقضم مناطق المعارضة واحدة تلو الأخرى.
ونفذت القوات النظامية العام الماضي عملية عسكرية سيطرت فيها على “قلعة المضيق” وعدة بلدات حولها بريف حماة، بعد انسحاب الفصائل المقاتلة وعلى رأسها «هيئة تحرير الشام» دون قتال. ما أثار كثيراً من التساؤلات عن إمكانية تكرار سيناريو شبيه باستحواذ النظام على نحو مئتي قرية شرقي إدلب بوقت قياسي، في الشهر الأول من العام 2018.
واتهمت فصائل المعارضة وناشطون الهيئة بـ”التخاذل”، وتسليم المناطق دون مقاومة، أو بعد معارك وهميّة، رغم أنها كانت ترفض اتفاقيات التهدئة، وتقوم بانتزاع المناطق من فصائل المعارضة، بعد تفكيكها والاستيلاء على أسلحتها الثقيلة.
اتفاق موسكو
وعمدت هيئة تحرير الشام إلى إفشال “اتفاق موسكو الجديد” بشأن إدلب، إذ عرقلت مرور الدوريّة العسكريّة المشتركة بين روسيا وتركيا على الطريق الدولي حلب – اللاذقيّة، وهي الخطوة الأبرز في الاتفاق بين الرئيس الروسي “فلاديمير بوتن” ونظيره التركي “رجب طيّب أردوغان”، الذي تم توقيعه في الخامس من آذار/مارس الجاري.
وظهرت مجموعة من المقاتلين الأسبوع الماضي في تسجيلٍ مصوّرٍ، يتوعدون الدوريّات العسكريّة التركيّة والروسيّة، كما هددوا بقتل كل من يحاول الاقتراب من الطريق الدولي من الدوريات الروسيّة، ورجحت مصادر أن المقاتلين يتبعون لـ#هيئة_تحرير_الشام.
وشهد الأسبوع الماضي وقفات احتاجيّة على الطريق الدولي”M4″، شارك فيها عشرات المدنيين، رفضاً لمرور الجيش الروسي والقوات النظامية من المنطقة.
وتُتهم «هيئة تحرير الشام» بتنظيم تلك الاحتجاجات، وذلك لإفشال مسار الدوريّات المشتركة بين روسيا وتركيا، ما قد يؤدي إلى فشل اتفاق التهدئة في #إدلب.
من جهته أكد “مصطفى سيجري”، وهو قيادي بارز في «الجيش الوطني»، أن عرقلة الجهود التركيّة وقطع الطرقات الدولية «سوف يضع محافظة إدلب إلى مواجهة منفردة مع الروس والإيرانيّين».
وكتب سيجري في منشورٍ له على صفحته في “فيسبوك”: «ما بال أولئك الملثمين والاستشهاديين والانغماسيين وأصحاب الشعارات الرنانة يغيبون عند تقدم العدو، ويظهرون لتعطيل الجهود الدبلوماسية. تسيير الدوريات لا يعني ابداً فتح الطرقات أمام الروس، إنما قطع الطريق على محاولات تسليم المنطقة، وبجهود داخلية كما جرى سابقاً».
واتهم سيجري إحدى الدول العربيّة بالعمل على إفشال اتفاق الهدنة: «لأهلنا في ادلب الحق أن يعلموا بأن النظام الإماراتي أرسلت خمسين مليون دولار لإحدى التنظيمات العسكرية، من أجل إفشال الجهود الدبلوماسية والعسكرية التركية» حسب تعبيره.
تجدر الإشارة أن الإمارات تُصنّف «جبهة النصرة» و«حركة أحرار الشام» في سوريا بوصفهما جماعتين إرهابيّتين.

