بغداد 19°C
دمشق 14°C
الأربعاء 14 أبريل 2021
"التمويل بالعجز": هل ساهم طرح فئة الخمسة آلاف ليرة بزيادة التضخّم في سوريا؟ - الحل نت

“التمويل بالعجز”: هل ساهم طرح فئة الخمسة آلاف ليرة بزيادة التضخّم في سوريا؟


انعكس التدهور الدراماتيكي، الذي تشهده قيمة الليرة السورية، بشكل سلبي على كل مناحي حياة السوريين، فبعد عقد من الزمن على الحرب الطاحنة، التي تشهدها سوريا، والتي دمرّت القطاعات الاقتصادية والإنتاجية الرئيسة، وما رافقها من إفراغ خزائن البنك المركزي السوري من القطع الأجنبي، وعدم قدرته على التدخّل في السوق، لوضع حد لانهيار الليرة، أصبح دخل المواطن السوري الأقل عالمياً، ولا يكفيه لشراء حاجاته الأساسية.

وفي الرابع والعشرين من كانون الثاني/ يناير الماضي أعلن مصرف سوريا المركزي عن طرح فئة نقدية جديدة، بقيمة خمسة آلاف ليرة، بعد سنوات من نفيه نيته طرح أي فئة نقدية جديدة.

وبرر “المركزي” حينها طرح الورقة النقدية الجديدة بـ«ضرورة تلبية احتياجات التداول من الأوراق النقدية، بما يضمن تسهيل المعاملات، والمساهمة في مواجهة آثار التضخّم، الذي حدث خلال السنوات الماضية»، وهو ما أكده وزير الاقتصاد السوري “محمد سامر الخليل” بالقول: «طرح الفئة النقدية الجديدة لن يؤدي إلى التضخّم، ولن يؤثر على سعر صرف الليرة مقابل الدولار».

لكن ومنذ إصدار الفئة النقدية الجديدة تراجعت قيمة الليرة السورية بشكل كبير، فتراوح سعر صرف الدولار الواحد بين أربعة آلاف وخمسمئة إلى خمسة آلاف ليرة سورية، وبالتالي أصبحت ورقة الخمسة آلاف، وهي أكبر فئة نقدية، تعادل دولاراً واحداً فقط، في مقابل اندثار الفئات النقدية الأقل من السوق.

 

ما قيمة ورقة الـخمسة آلاف ليرة في السوق؟

طرحنا هذا السؤال على عدد من سكان العاصمة #دمشق، فتراوحت الإجابات بين التهكم والسخرية تارة، والسخط تارة أخرى.

وقال “عادل المغربي”، وهو موظف حكومي، إنه «منذ طرح ورقة الخمسة آلاف ليرة بدأت الأسعار في الصعود فجأة، ودون مبرر، فعلى سبيل المثال كان ليتر الزيت بثلاثة آلاف ليرة سورية، والآن أصبح بتسعة آلاف وخمسمئة ليرة، وكذلك حال جميع السلع والمواد الأساسية اليومية».

وأضاف “المغربي” أن «مبلغ خمسة آلاف ليرة حالياً لا يشتري سوى سلعة واحدة، وبكمية قليلة أيضاً، فعلى سبيل المثال يمكن أن نشتري به إما نصف ليتر زيت، أو خمس عشرة بيضة، أو اثنان كيلو من السكر أو الرز، أو ربما خمس سندويشات فلافل، أو دولاراً واحداً».

من جهتها اعتبرت “ربا”، وهي ربة منزل، أن «مبلغ خمسة آلاف ليرة، الذي تم إصدار ورقة نقدية له، لا يمكن أن نشتري به احتياجات المنزل، حتى ليوم واحد».

وأكدت ربة المنزل السورية أن «الأسعار تتغير دائماً، وما اشتريته أمس بمبلغ خمسة آلاف ليرة، لن أستطيع شراءه اليوم بالمبلغ نفسه».

ورصد موقع «الحل نت»، في جولة على الأسواق، أسعار بعض السلع، التي يمكن شراؤها بالورقة النقدية الجديدة، وكانت على النحو التالي: اثنان كيلو ونصف من الطحين، أو كيلو عوامة (أرخص أنواع الحلويات الشعبية)، أو مئتي غرام من الشاي، أو مئة غرام من اللحم، أو نصف كيلو دجاج، أو اثنين كيلو برتقال، أو كيلو موز واحد.

وبمقارنة هذه الأسعار بعام 2019 فإن مبلغ خمسة آلاف ليرة كان يشتري حوالي ثمانمئة غرام من لحم الغنم، واثنين كيلو من لحم دجاج، وصحنين من البيض، أو حاجيات المنزل من الخضار لمدة  ثلاثة أيام على الأقل.

وتُقاس كلفة احتياجات الأسرة عادةً عبر دراسات اقتصادية مختصّة، لكن من الصعب حالياً دراستها بدقة، نتيجة تبدّل الاحتياجات والأولويات وحتى الأساسيات، التي يُعبّر عنها بسلة ثابتة من الاحتياجات لكل شخص.

 

هل وصل الاقتصاد السوري لمرحلة التضخّم الجامح؟

عند طرح المصرف المركزي ورقة الخمسة آلاف ليرة كانت تصريحات المسؤولين تفيد بأنه «لم يتم اللجوء إلى التمويل بالعجز، وإنما سيتم استبدال العملة المهترئة بالفئة النقدية الجديدة».

وتلجأ الحكومات إلى طباعة عملة جديدة إما لنقص الأوراق النقدية في السوق، أو لاهترائها، أما حالة طباعة أوراق نقدية دون رصيد أو إنتاج، فتسمى “تمويلاً بالعجز”، وبالتالي تفقد العملة قيمتها الفعلية.

وبحسب صحيفة “الوطن”، المقرّبة من السلطات السورية، فإن «عجز الميزانية، عام 2021، بلغ 3 آلاف و484 مليار ليرة سورية، بزيادة نسبتها 70% عن عام 2020».

في هذا السياق قال المستشار الاقتصادي “يونس الكريم” لموقع «الحل نت»: «منذ إعلان تداول فئة الخمسة آلاف ليرة خسرت العملة السورية ما يقارب 52% من قيمتها، وبالتالي خرجت الفئات النقدية الأقل من التداول، فمثلاً فئة المئتين ليرة سورية باتت تساوي أربعة سنتات أميركية، وفئة الخمسمئة ليرة تساوي إحدى عشر سنتاً تقريباً، ولم يعد لها أي قيمة فعلية. وقد تم طرح ورقة الخمسة آلاف ليرة دون تغيير كتلة الأجور والرواتب، وبالتالي أدى هذا لاختلال السياسة النقدية والمعيشية للمواطن السوري، وساهمت هذه العوامل في تسريع انهيار الليرة السورية».

ولدى سؤالنا المستشار الاقتصادي: هل وصل الاقتصاد السوري إلى مرحلة التضخّم الحاد أو الجامح؟ أجاب: «لم ندخل، حتى الآن، بمرحلة التضخّم الجامح أو المنفلت، ولكننا في مرحلة التضخّم الحاد، فقد زادت أسعار السلع والمواد الأساسية بنسبة 50% عن الشهر الماضي، وقد نصل إلى مرحلة التضخّم الجامح، في حال زاد سعر صرف الدولار عن حاجز خمسة آلاف وخمسمئة ليرة سورية، وبالتالي لن يعود للفئات النقدية الكبيرة أي قيمة، مما سيجبر السلطات على طرح فئات نقدية أكبر، من فئة عشرة آلاف ليرة، أو حتى خمسة وعشرين ألف ليرة. وبذلك يصبح معدل انفاق الفرد ثلاثة عشر سنتاً يومياً، بعد احتساب دخل الأسر السورية، وهذا أقل بكثير من معدل خط الفقر العالمي، المحدد بـ1.2 دولار».

وختم “الكريم” حديثه بالقول: «لا حلول أمام #الحكومة_السورية سوى إيقاف العمل بمراسيم منع تداول الدولار، وإقالة حاكم مصرف سوريا المركزي، لعجزه عن وقف تدهور العملة، لكن هذه الخطوات الاقتصادية يجب أن تتم بالتوازي مع خطوات سياسية، تبدأ من الانخراط بالحل السياسي مع المعارضة، بشكل جدي وحقيقي، والعمل على إزالة العقوبات الاقتصادية تدريجياً، وبالتالي سيعود التعافي التدريجي للاقتصاد، مع الدخول في مرحلة إعادة الإعمار».


التعليقات