بغداد 31°C
دمشق 20°C
الثلاثاء 11 مايو 2021
أزمة منتصف العمر أم فرصة للتغيير؟ - الحل نت

أزمة منتصف العمر أم فرصة للتغيير؟


«إن التحدي الذي تقدّمه أزمة منتصف العمر هو أعظم فرصة تُمنح للإنسان لكي يصبح أكثر صدقاً مع الحياة ومع ذاته»، “إيدا لوشان”.

«لم أعش حياتي كما ينبغي، هناك فكرة دائمة في رأسي بأنني لو لم أتزوج لكانت حياتي أفضل، أحاول قدر الإمكان أن أهتم بذاتي إلا أن حالتي المادية لا تساعدني على ذلك، في معظم الأحيان أشعر بوحدة كبيرة ولا يمكنني الشعور بالراحة والاستقرار إلا بتواجد ولديَّ بقربي، لا يمكنني أن أغير شيئاً في حياتي الآن».

“هالة الغانم”(اسم مستعار)، سيدة تبلغ من العمر 41 عاماً، تزوجت في سن 19 وأنجبت ولدين، توفي زوجها قبل 8 سنوات ومنذ ذلك الوقت تعيش وحيدة.

يأتي دائماً ذلك الوقت الذي يسأل كل شخص نفسه، هل هذه الحياة التي أعيشها ذات قيمة؟ هل ما حققته حتى الآن هو ما أريده حقاً، أم أن حياتي هي سلسلة متتابعة من الأفعال التي تناسب تطلعات من حولي؟ هل يمكنني التغيير أم علي الرضوخ للواقع والعيش لبقية حياتي محبطاً ومجبراً على تكرار ذات الأفعال؟

يطلَق على المرحلة التي يبدأ فيها الإنسان بهذه التساؤلات اسم “أزمة منتصف العمر”، وتتميز هذه المرحلة بترافقها لدى النساء مع ما يسمى “سن اليأس” فتترافق التغيرات النفسية لديها مع تغيرات فيزيولوجية تزيد من شدة الأزمة، كيف تواجه النساء السوريّات هذه الأزمة وما هي مظاهرها؟

المظاهر النفسية لأزمة منتصف العمر

تترافق هذه السنوات من عمر النساء مع وعي مفاجئ بأنهنَّ كنَّ يمارسن حياة لا تعبِّر عن ذواتهن، معظم النساء يصَبن بالإحباط ويصبحن أكثر عصبية وغير قادرات على التعامل مع الأخرين، فيما تبالغ أخريات بالتعلق بأبنائهنَّ وتحقيق ذواتهنَّ من خلالهم، هرباً من مواجهة أنفسهنَّ والإقرار بأن حياتهنَّ ذهبت سدى دون أن يحققن شيئاً مما رغبنه، تبدأ تلك المرحلة بالتفكير بالدور الرمزي الذي تقوم به المرأة وهل هو ما يعبر عن ذاتها، يحفز ذلك شعورها باقتراب الموت، أو الخوف منه خاصة إذا حدث في هذه الفترة فقدان لأحد الأبوين.

تتابع “هالة”: «منذ سنتين تقريباً أصبحت أكثر اهتماماً بمظهري، هذا هو الحيز الوحيد الذي يمكنني العمل عليه وتحسينه، لم يعد لدي رغبة بإرضاء أحد أياً كان، كل ما يهمني أن أكون راضية وسعيدة أنا وأبنائي».

من السمات الأساسية لهذه المرحلة من الحياة هو التحول في شخصية المرأة من غيرية إلى ذاتية، حيث تبدأ بالتفكير بنفسها، يحرض ذلك خوف مكبوت بأنها تقدمت في العمر وأصبحت غير مرغوبة، حيث يصيبها نقص في توكيد الذات فتجاهد لتحسِّن من مظهرها وسلوكها وإثبات الشباب، فيما تتجه نساء أخريات إلى المغالاة بالاهتمام بالعائلة ليبقين على الشعور بالأمان بأنهنَّ لسن وحيدات.

المظاهر الجسدية

«أبقى طوال اليوم أعمل بين وظيفتي في الخارج وعمل المنزل، ورغم ذلك ينتهي يومي دون تعب، ولكن في الأيام التي أجلس فيها دون عمل وأبدأ بالتفكير أشعر بأنني منهكة وبأنني لم أعد أقوى على العمل، وتبدأ أوجاعي الجسدية، لا أفهم هذه الحالة ولكنها تصيبني بالاكتئاب والخوف».

“صفاء سالم”(اسم مستعار)، سيدة بلغت 48، تعمل مدرِّسة، وهي متزوجة ولها ابنة وشابان، وتعيش مع زوجها، تتابع لـ(الحل نت): «منذ أن تزوج أبنائي الكبار انتابني ذلك الشعور بالفراغ والخوف، مررت بأيام عصيبة وأصبحت غير قادرة على النظر في المرآة ورؤية شكلي، وكلما حاولت التفكير بنفسي أشعر بأني تقدمت في العمر ولم أفعل شيئاً، لا يمكنني تحمل شعور الوحدة والخوف الذي يصيبني».

غالباً ما تزيد من شدة الأزمة التغيرات الجسدية والهرمونية لدى المرأة، حيث يبدأ شعرها بالتحول للون الأبيض وتظهر التجاعيد على بشرتها، بالإضافة إلى توقف الطمث والتغير الهرموني المرافق والأفكار المجتمعية الراسخة بانعدام قيمة المرأة بعد تجاوزها لمرحلة الخصوبة، كل هذه العوامل تؤدي لرفض الحالة الجسدية التي وصلت لها المرأة، وعدم قبول التعطل الجسدي، ويأخذ ذلك الرفض نمطين سلوكيين متناقضين، فإما أن تبالغ المرأة بإظهار شبابها أو تغرق في حالة من الخوف و “توهم المرض – سيكاثينيا” لدفع من حولها للاهتمام بها وتأكيد أهمية وجودها.

كيف تتجاوزين الأزمة

يَعتبر علماء النفس أن أزمة منتصف العمر هي أزمة هوية، حيث تخلق نوعاً من الشك بأهمية الدور الذي تقوم به المرأة وقربه من تصورها عن ذاتها، وشعورها باختصار حياتها ضمن حيز صغير تشغله، ونسف جميع الخيارات الأخرى المتاحة لها بسبب المجتمع والعائلة، يتشابه هذا إلى حد كبير مع فترة المراهقة التي يمر بها الإنسان في صغره، حيث تتشابه حالة النكران والشعور باللا جدوى من الحياة ومحاولات التمرد والتغيير أو الاحباط والاكتئاب التي ترافق الحالتين، وفيما تكون لدى بعض النساء فرصة لإحراز قفزة بالوعي ومحاولة لفهم نفسها بشكل أكبر والالتفات إلى القدرات الكامنة وتفعيلها، تكون لدى أخريات فترة من انعدام الوعي واتسام الأفعال بالسلبية، وتختلف طريقة كل امرأة بطريقة عيشها لهذه المرحلة حسب طبيعتها النفسية، إما بالخضوع الكامل للإحباط أو السعي للتغيير.

“أنس الحلبي”، معالج نفسي، يذكر لـ (الحل نت) بعض السلوكيات التي على المرأة أن تسلكها لتجاوز هذه الأزمة، ويقول: «ينبغي على المرأة دائماً إيجاد وقت لذاتها بعيداً عن الأولاد والزوج وخلق مساحة خاصة بها، إلى جانب الاهتمام بعلاقتها الزوجية وبهواياتها الخاصة، بالإضافة لعدم إلصاق وعيها بالأولاد، يساعدها ذلك عند انفصال أولادها عنها على القبول بذلك وتجاوز الأزمة التي يسببها، ويتوجب عليها أن تدرك أنها عند اهتمامها بنفسها سينعكس ذلك بشكل جيد على عائلتها، وبالتالي عند وصولها لمنتصف العمر سيكون ذلك أقل تأثيراً عليها، خاصةً وهي تمتلك من النضج والخبرة ما يجعلها قادرة على تقييم حياتها بشكل جيد وإحداث التغيير الذي يرضيها، هناك بعض النساء اللواتي يعشن حالة من “الاحتراق النفسي” أي عدم الرضا عما يفعلنه طوال حياتهن، فتأتي أزمة منتصف العمر لتكون مفجراً للخبرات الحياتية القاسية التي مررن بها، ينبغي عليهنَّ عدم الربط بين حالتهنَّ النفسية هذه و”سن اليأس” فما يصيبهنَّ هو نتيجة عدم الرضا والوعي لانغماسهنَّ بدور لا يناسبهن».

تأثير الحرب في تقريب الأزمة

«أشعر بأن كل ما أفعله سخيف فقدت الاهتمام بكل شيء، يسيطر علي شعور بانعدام الثقة بالنفس والفشل، وبأن حياتي تمضي دون أي فائدة، فقدت القدرة على التواصل مع من حولي، وأنهيت علاقاتي الاجتماعية جميعها».

“سلام عيسى”(اسم مستعار)، في الثالثة والعشرين من عمرها، توقفت عن دراستها الجامعية في كلية العلوم الطبيعية بسبب الاكتئاب الذي تعانيه من فكرة تقدمها في السن، وعدم قدرتها على التحكم بالوقت أو إنجاز شيء على الصعيد الشخصي.

هناك بعض المظاهر لدى فتيات صغيرات في السن في سوريا يعانين من أعراض مشابهة بشكل كبير لأعراض “أزمة منتصف العمر”، كالشعور بعدم الإنجاز في الحياة وبأنه لم يتبق وقت أمامهن، بالإضافة إلى الإحباط والشعور النفسي بتقدمهنَّ في السن حتى وإن كنَّ في العشرين من العمر لا يبدو واضحاً إن كان يمكن إدراج هذه الأعراض تحت نفس المسمى، إلا أن هذه الظاهرة تبدو واسعة الانتشار الآن في المجتمع السوري، مع لجوء هاته الفتيات لطرق سلبية لإثبات ثقتهنَّ بأنفسهنَّ والإحساس بالأمان.


 


التعليقات