بغداد 33°C
دمشق 23°C
الإثنين 21 يونيو 2021
"لباس المرأة".. وسيلةٌ لإلغاء حضورها! - الحل نت

“لباس المرأة”.. وسيلةٌ لإلغاء حضورها!


غالباً ما كُرس جسد المرأة كموضوعة جنسية بحتة، ومورس التقييد على ظهوره وحريته بحجة إغواءه، فانفلات أي جزء منه دليل حتمي على نية المرأة لممارسة الجذب وإيقاع الرجال في براثن الخطيئة، حوّرت الكثير من الخطابات الدينية والمجتمعية لتحقيق السيطرة على جسد المرأة وجعله محايداً غير مرئي، وبما أن الإنسان كتلة واحدة جسداً ونفساً فقد شكَّل هذا الإخفاء القسري لجسد المرأة تغييباً لحضورها اجتماعياً وقدرتها على الفاعلية، حصر الجسد ضمن لباس معين وسلوكيات معينة نتج عنه أجساد نسائية خاملة وخائفة، كيف يتم هذا التغييب وما القواعد الأخلاقية التي تنظمه في المجتمع السوري؟

«كنت في الثالثة عشر من عمري أرتدي سروالاً قصيراً وألعب أنا وأخي في المنزل، كانت المرة الأولى التي أوبَّخ فيها من قِبل أحد غير أبي وأمي، ناداني خالي وقال لي بقسوة إذهبي وارتدي شيئاً آخر، لم أفهم لماذا في البداية حتى أشارت لي أمي بأن انصاع لطلبه، بعدها أصبح لدي مشكلة مع جسدي صرت أخاف أن يظهر أي شيء منه للآخرين وكأنني ارتكب إثماً».

تتحدث “سمر مصطفى” (اسم مستعار)، وهي طالبة في كلية الهندسة، عن أولى مخاوفها من جسدها، لم تكن تفكر قبل ذلك بأهمية إظهار أو إخفاء جزء صغير من جسدها، حتى بدأت صفاتها الأنثوية بالظهور و ازدادت المراقبة على سلوكياتها ولباسها، وتتابع: «بدأتُ أشعر بالخوف وتملكني شعور بالذنب لأنني أمتلك جسداً ينظر إليه الآخرين نظرة شك طوال الوقت، بعدها بدأت بالانكماش على نفسي، والابتعاد عن الحياة العامة لأحظى بالأمان الذي افتقدته مع بداية مراهقتي».

تمثل حالة “سمر” في فترة مراهقتها نمطاً شبه عام في المجتمع السوري، حيث تتشارك الكثير من الفتيات في هذه المرحلة أولى الاكتشافات بخصوص أجسادهنَّ وتفاعل المجتمع مع هذه الأجساد، غالباً ما يرتبط العار والخطيئة بأي ممارسة جسدية قد تقوم بها الفتاة، ويعبر اللباس والمظهر الجسدي عن القيمة الأخلاقية التي تحملها بداخلها واحترامها لجسدها وللآخرين.

معاينة الأجساد

«في كل مرة أقرر فيها الخروج يشكل موضوع لباسي وما الذي علي ارتدائه أزمة تستهلك مني الوقت الكثير، ليس ذلك نابعاً من عدم قدرتي على اتخاذ قرار سريع بشأنه، بل بسبب الخطوط الحمراء التي علي الوقوف عندها كي لا أفتعل مشكلة مع من حولي».

“سامية منعم”(اسم مستعار)، شابة تبلغ 33 عاماً، تعمل موظفة في شركة خاصة، تتحدث عن أهمية اللباس في العمل والحياة العامة كوسيلة لإضفاء قيمة على سلوك الفتيات، وتتابع لـ(الحل نت): «يمكنك أن تلاحظي المشكلة جيداً في المناسبات العامة والحفلات، لا يمكنك أن تكوني حرة، فمظهرك تحت المراقبة من الرجال والنساء معاً، وعليك أن تتحلي بالكثير من الثقة كي تتجاهلي نظراتهم والملاحظات التي تسمعينها، بالرغم من أن هذا جسدي يخصني لكن ينبغي علي في كل مرة أن أفكر بكل من حولي قبل أن أرتدي شيئاً وأخرج».

يخضع جسد المرأة ولباسها لمعاينة مستمرة في المجتمع السوري للحد الذي تصبح فيه تلك المعاينة تقييداً وسبباً في إرباك المرأة وفقدانها لشعور الراحة والأمان إن تخطت المألوف في لباسها، يمكننا رصد ذلك بأشكال مختلفة إن كان على أرض الواقع وما تواجهه النساء من منع عن ارتداء ما يريحهنَّ ويحبهن، وحتى في مواقع التواصل الاجتماعي والتنمر الذي يطال الفتيات وصورتهنَّ المطروحة هناك، الثورات العربية والتظاهرات التي رافقتها أكبر دليل على دور اللباس في الحكم على المرأة، ثورات وُصفت بأنها استعراضية بسبب لباس الفتيات وأخرى أجبرت الفتيات فيها على إخفاء هويتهنَّ وارتداء اللباس المناسب لشعارات الثورة، تبعية تُفرض على النساء في أي موقع أو حالة يرغبن بخوضها بدءاً من تفصيل فردي كالمظهر وصولاً إلى كامل سلوكياتها وأفعالها.

أجسادٌ محايدة

«أتخيل نفسي أحيانا أركض في الشارع وشعري يتطاير، أحب أن أشعر بالهواء يتلاعب به، وكلما فكرت بذلك أجد نفسي أتنفس بعمق وأبتسم لا شعورياً، لا أعرف سبب هذا الربط بين شعري المنفلت والتنفس والإحساس بالحياة، لكنني أحب أن أجرب هذا ولو لمرة واحدة بعدها سأرتدي الحجاب بقناعة أكبر أو سأخلعه للأبد».

بهذه الكلمات تعبر “ندى حفيظ”(اسم مستعار) عن مشاعرها تجاه لباسها ومظهرها، وهي سيدة تبلغ 34 عاماً، زوجها متوفى وتعيش مع عائلته وأولادها، وتضيف لـ(الحل نت): «منذ طفولتي وأنا أرتدي الحجاب و”المانطو”، في الآونة الأخيرة بدأت أشعر بأنني مقيدة في لباسي، هذا لا يعني عدم اقتناعي به من وجهة النظر الدينية، لكن لدي تلك الرغبة بأن أتخلص من هذا العبء أحياناً وارتدي ما يريحني، حتى أنني استبدلت “المانطو” مؤخراً ببنطال وقميص و وجدت أن هذا أكثر راحة، لكن شعوري بأنني مراقبة بعد هذا التغيير لا يفارقني».

عبر الزمن حُكم على أجساد النساء بممارسات تناسب سلطة الرجل وهيمنته، وأحد أشكال هذا التسلط إجبارهنَّ على ارتداء ملابس محددة باسم الشريعة والدين، ولا يتوقف ذلك على المجتمع الإسلامي فالحجاب في أساسه مسيحي، والغرب المسيحي بقي لعصور يجبر النساء على ارتداءه، وتحول في سنوات ليست ببعيدة إلى موضة تستخدمها النساء في لباسهن، فلا يشكل ارتداء الحجاب أو خلعه مشكلة إن كانت المرأة ترتديه بقناعة وإيمان بأهميته، المشكلة في استخدام هذا اللباس سياسياً لمواجهة الغرب المتحرر أو لإضفاء الشرعية الدينية على بعض الممارسات، ولا يمكننا تجاهل ما يخلفه لون اللباس ونمطه من تأثير على حياة النساء، في مجتمعنا تعاني معظم النساء من أنهنَّ غير مرئيات بسبب لباسهنَّ الذي يخفي هويتهنَّ وحضورهنَّ ضمن التجمعات البشرية، لا يشكل هذا مشكلة بالنسبة للمجتمع المحيط بالمرأة بل يشكل مشكلة ذاتية لها، بطمس ملامحها والتعامل معها كرداء يخفي وراءه ما لا نعرفه، وتزيد من قوة هذا التغيير لشخص المرأة الألوان المحايدة التي يروجها أصحاب المحال التجارية لهذه الألبسة، أسواق بأكملها في سوريا نجد فيها هذا التسويق والترويج للمرأة مسلوبة الجسد والحضور.

يمكننا فهم الآليات الخطابية الدينية والتربوية التي عملت لسنوات طويلة على تعزيز أهمية الاحتشام وارتداء اللباس الذي لا يقض مضاجع الرجال ويثير شهواتهم، لكن بالمقابل لا توجد تلك الخطابات التي تحاكم لباس الرجل وسلوكياته تجاه لباس المرأة، فجسده لم يكرَّس كموضوعة جنسية كما المرأة، بل هو كيان متكامل عقلياً ونفسياً وبيولوجياً، قادر على التمتع بجسده وحضوره دون قيود فيما حرمت المرأة من ذلك، ما تحتاجه نساؤنا هو ذلك الاعتراف بأنها كيان متكامل تملك كامل الحق في ارتداء ما تريده وما يريحها دون أن تضطر إلى مداراة الرجال و رغباتهن.


 


التعليقات