بغداد 38°C
دمشق 29°C
السبت 31 يوليو 2021
حرائق المستشفيات في العراق: إهمال وفساد قاتلان أم حوادث تتم بفعل فاعل؟ - الحل نت


كيف اندلع حريق “مركز الشفاء” لعزل المصابين بفيروس #كورونا، التابع لمستشفى “الحسين” بمحافظة #ذي_قار جنوبي العراق؟ وهل كان حادثاً عرضياً أم تم بفعل فاعل؟  سؤالان يشغلان الشارع العراقي منذ ساعة وقوع المأساة، ليلة الاثنين الثاني عشر من تموز/يوليو الجاري، دون أن يجدا جواباً شافياً حتى الآن، في ظل استمرار التحقيقات في الكارثة، التي تقول آخر حصيلة، أصدرتها وزارة الصحة العراقية، إنها أوقعت ستين قتيلاً، بينهم واحدٌ وعشرون شخصاً لم يتم التعرّف على هويتهم، فيما تؤكد مصادر بمديرية صحة ذي قار أن عدد القتلى وصل لاثنين وتسعين شخصاً.

وكانت المديرية قد أعلنت، في الثامن والعشرين من حزيران/يونيو الماضي، قيام كل من رئيسها “صدام الطويل”، و”أحمد عبد الخبير الياسري”، مدير مستشفى “الحسين”، بافتتاح مركز “الشفاء”، وهما من حمّلهما التحقيق الأولي، الذي أجراه القضاء العراقي، مسؤولية الحادثة، ضمن قائمة من ثلاثة عشر مسؤولاً وموظفاً حكومياً، صدرت بحقهم أوامر اعتقال، على خلفية الحادثة.

ويؤكد التحقيق الرسمي أن «افتتاح مركز “الشفاء” تم قبل إكمال إنشائه، وتوفير متطلبات الأمان فيه، مثل نصب منظومة انذار من الحرائق و كاميرات مراقبة»، متهماً كذلك وحدة الدفاع المدني بمديرية صحة ذي قار بالإهمال.

 

طبيب في مستشفى “الحسين”: «الحريق اندلع بعد ساعات من وصول أسطوانات أوكسجين تبرّعت بها ميلشيات»

كيف وقع الحادث؟ ولماذا لم يستطع أغلب المتواجدين في المركز، الذين يُقدّر عددهم بحوالي مئة شخص، من مرضى ومرافقين وكادر طبي، الفرار من المبنى المحترق؟ سؤالان يجيب عنهما لـ«الحل نت» أحد الأطباء المقيمين بمستشفى “الحسين”.

الطبيب، الذي طلب عدم ذكر اسمه، أكد أن «باب الطوارئ بمركز “الشفاء” أُغلق قبل ساعات من حدوث الحريق، بقرار من إدارة المشفى، بدعوى منع تسرب ذوي المصابين بكورونا إلى الدخول، وحصر دخولهم من الباب الرئيسي، الذي كان الدخول منه يتم بالمحسوبية والرشاوى، رغم أن البروتوكول يمنع دخول أي مرافقين لمركز عزل المصابين».

ويتابع شرح ظروف المركز بالقول: «المرضى، من ذوي الحالات الحرجة، يحصلون على الأوكسجين من منظومة إمداد متكاملة، تعمل بشكل تلقائي، وفي حال حدوث خلل بها، يتم جلب عدد من أسطوانات الأوكسجين للردهات الخاصة بذوي الحالات الحرجة، ريثما يتم إصلاح المنظومة. وقد تبرّعت ميلشيا “كتائب سيد الشهداء” بما لا يقل عن خمسين أسطوانة أوكسجين، وأدخلتها إلى المركز، قبل ساعات من وقوع الحريق، الذي قالت مديرية الدفاع المدني إنه بدأ نتيجة تسرّب الأوكسجين من إحدى الأسطونات».

مضيفاً أن «مركز “الشفاء” شُيّد إلى جانب مشفى “الحسين”، من كارفانات مصنوعة من مادة (Sandwich panel)، وهو نوع من خشب الصاج المحشو بمادة عازلة سريعة الاشتعال، غالباً ما تكون من الفلين الصناعي، ما يفسّر سرعة نشوب وانتشار الحريق. وقد تم افتتاح المركز رغم رفض مديرية الدفاع المدني منح صحة ذي قار موافقة على الافتتاح، بسبب عدم توفّر منظومة إطفاء الحرائق».

وعن ردة فعل الأطباء وإدارة المستشفى بعد حدوث الحريق يوضح المصدر: «اتصلنا بمديرية الدفاع المدني في ذي قار، فكان ردهم أنهم يقومون بأعمال صيانة، وأغلب آلياتهم أُرسلت لمحافظات أخرى، للمساعدة على إخماد الحرائق فيها. فاتصلنا بمكتب محافظ ذي قار “أحمد الخفاجي”، الذي تواصل مع الدفاع المدني الخاص بشركة نفط ذي قار، وهو الجهة التي قامت بإطفاء الحريق، ولكن بعد فوات الأوان، فقد لقي 95% من المتواجدين في المركز مصرعهم».

وحول فرضية وقوع الحريق بفعل فاعل، يؤكد “سعد فراج”، الضابط بشرطة ذي قار، في حديثه لـ«الحل نت»، أن «الأمر غير مستبعد، فربما حدث تسريب متعمّد للأوكسجين، وافتعال شرارة لإشعاله. تحقيقاتنا ما تزال جارية، وهناك فريق من رئاسة الوزراء العراقية يتابع الموضوع معنا، وسنعلن عن النتائج في وقت لاحق».

 

شيخ عشيرة بذي قار: «نموت يومياً بسبب قصور النظام الصحي وفساد المسؤولين»

الشيخ “خزعل المنتفكي”، أحد شيوخ عشائر “بني سعيد” في ذي قار، قال إن «عشيرته خسرت أحد عشر شخصاً جرّاء الحادثة، ولم يتم العثور على عدة جثث لأفراد من العشيرة كانوا في المركز، بسبب تفحّم كثير من جسامين الضحايا».

وحول المسؤولية عن الكارثة أكد الزعيم العشائري، في حديثه لـ«الحل نت»، أن «فرضية وقوع الحادث بفعل فاعل مستبعدة، ونعتقد أن سبب الكارثة سوء الإدارة، لأن المركز، وفقاً لما تؤكد المصادر المختصّة، كان غير جاهز للافتتاح، ولا تتوفّر فيه شروط السلامة. والأفضل على كل حال انتظار نتائج التحقيق».

ويتابع: «العراق عموماً، ومحافظة ذي قار على وجه الخصوص، يعاني من مشكلة عدم شعور المسؤولين بالمسؤولية تجاه شعبهم، فهدفهم الأساسي تحقيق المكاسب الشخصية، لذلك تحدث الفاجعة تلو الأخرى».

مبيّناَ أن «محافظة ذي قار تمرّ يومياً بكوارث على المستوى الصحي، جرّاء تراجع مستوى الخدمات الطبية، وأيضاً عدم تأهيل طرقها السريعة، ما يؤدي لكثير من حوادث السير، التي تُزهق الأرواح، وتتسبب بمذابح بشرية حقيقية. والمسؤولون، الذين يزورون المحافظة، يطلقون الوعد تلو الآخر بإصلاح الأوضاع، وتبقى وعودهم حبراً على ورق».

 

الصحة النيابية: «حذّرنا من الحادثة، ولكن أحداً لم يستمع إلينا»

وتؤكد لجنة الصحة النيابية أن ثمة أسباباً عدة لاستمرار الكوارث في المؤسسات الصحية، وعلى رأسها «عدم محاسبة المسؤولين المقصّرين، والإفلات من العقاب»، موصيةً بضرورة «الإسراع باستبدال المسؤولين الفاسدين وغير المؤهلين».

“فارس البريفكاني”، رئيس لجنة الصحة في #البرلمان_العراقي، يوضح، في حديثه لـ«الحل نت»، أن «خلية الأزمة النيابية، الخاصة بمتابعة ملف جائحة كورونا، سبق وأن زارت المحافظات، وأصدرت توصيات فنية وتقنية، حذّرت خلالها من الاستمرار ببناء المستشفيات الكرفانية، التي تشيّد بمادة (Sandwich panel)، لأنها بنى تحتية لا تستطيع الصمود أمام الحوادث. وللأسف لم يتم الاكتراث بهذه  التوصيات».

وأضاف: «اللجنة أيضاً أوصت بضرورة توسعة المستشفيات، بدلاً من الاستعانة بالكارفانات، والإسراع بإكمال عشرة مستشفيات استراتيجية، سعة كل واحد منها تتراوح بين أربعمئة وستمئة سرير، في محافظات الوسط والجنوب، وصلت نسب إنجازها إلى أكثر من 90%، وظلّت دون إكمال».

موضحاً أن «نقل صلاحيات وزارة الصحة العراقية إلى المحافظات تسبّب هو الآخر بتخبّط واضح وفوضى إدارية».

وحول المعالجات المقترحة، التي قد تجنّب تكرار المأساة، قال النائب العراقي: «نحتاج لإجراءات سريعة، تجتثّ المسؤولين الفاسدين في وزارة  الصحة العراقية؛ وتستبدل المسؤولين غير المؤهلين؛ وتعيد تقييم كادر الوزارة، من مسؤولين ومدراء عامين، وهل تم تعيينهم على أساس الكفاءة أم المحسوبية؛ ومحاسبة من ثبت تورّطهم بالتقصير، الذي مهّد لإزهاق الأرواح. فغياب الشفافية في تشخيص مكامن الخلل، وعدم محاسبة المقصّرين وإفلاتهم من العقاب، شجّع على تكرار الخروقات والكوارث».

وحمّل “البريفكاني” وزارة المالية العراقية مسؤولية إضافية عن تراجع النظام الصحي، بسبب «البيروقراطية في التعامل مع وزارة الصحة العراقية، عند تخصيص الموازنات، ولدى تحويل الأموال التشغيلية والاستثمارية، ما يؤخّر تأهيل المستشفيات، وتوفير الأجهزة الطبية، ومعالجة كثير من المشاكل، كمما يؤكد مسؤولو وزارة الصحة الذين نلتقيهم».


التعليقات

عند دخولك لهذا الموقع انت توافق على استخدام ملفات الكوكيز سياسة الخصوصية