أزمة السكن في العراق: ما علاقة الاكتظاظ السكاني بالمحاصصة الحزبية وانتشار العنف والجريمة؟

أزمة السكن في العراق: ما علاقة الاكتظاظ السكاني بالمحاصصة الحزبية وانتشار العنف والجريمة؟

حذّرت وزارة التخطيط العراقية من تفاقم ظاهرة أزمة السكن في العراق المتمثلة بتجمعات السكن العشوائيّة في بغداد، بعد أن بلغت نسبها 15% من المساحة للعاصمة.

وتفاقمت أزمة العشوائيات في العراق بعد العام 2003، مع انتشار الفوضى الأمنية وانهيار المؤسسات الحكومية، ما سمح بالتجاوز على الأراضي التي تركها أصحابها، أو العائدة للدولة والقطاع الخاص في أطراف المدن، فتم إنشاء تجمعات سكنية صغيرة، تفتقد كثيراً من الأساسيات العمرانية والبيئية والخدمية.

ويبدو أن معالجة هذه الأزمة تصطدم ببعض المعوقات السياسية والطائفية، إذ تعمل بعض القوى السياسية العراقية على حماية عدد من التجاوزات السكنية، ومنع تطبيق القوانين النافذة عليها. في حين يتهم كثير من المراقبين الحكومة العراقية بالتراخي في مواجهة نفوذ هذه القوى.

 

بيوت مقطّعة

العاصمة بغداد باتت مليئة بمنازل صغيرة، نتجت إما عن تقطيع وتقسيم الوحدات السكنية القائمة، أو عن التجاوز على مساحات زراعية غير صالحة للبناء، وهو ما يعاني منه المواطن “عباس أبو محمد”، أب لابنتين اضطر لاستئجار أحد المنازل المقطّعة الصغيرة في بغداد، بمبلغ مئتين وخمسين ألف دينار عراقي، وذلك بسبب ارتفاع أسعار الإيجارات في مناطق أخرى.

“أبو محمد” يقول لموقع «الحل نت» إن «غلاء المعيشة وارتفاع أسعار الإيجارات في بغداد اضطرني إلى استئجار هذا المسكن، وهو بالأصل نتيجة تقسيم بيت قديم إلى ثلاث شقق، مساحة الواحدة منها لا تتجاوز الخمسين متراً. إلا أن ضيق المساحة ليس المشكلة الوحيدة، فالمسكن يعاني من تهالك بنيته التحتية، ما يجعل مياه المجاري تطفح دوماً داخله، مسببة روائح كريهة ورطوبة عالية؛ فضلاً عن ضعف التيار الكهربائي وتدفق مياه الشرب، كونهما مخصصين بالأصل لمنزل واحد، ولكن تم توزيعها على ثلاث شقق بعد تقسيم المنزل».

ويضيف: «هناك أيضاً مشاكل اجتماعية أكثر خطورة، تنتج عن التزاحم على الماء وأسلاك الكهرباء، الممتدة مثل شبكة العنكبوت من المولّدات، فقد توفّي أحد الأطفال في المنطقة منذ مدة، لأنه امسك سلكاً كهربائياً ممتداً على سطح منزله، وتسبب هذا الحادث بمشاجرة كبرى ونزاع عشائري؛ كما تسببت المياه المتدفقة من “مبردة” أحد السكان، بمشاجرة جماعية أخرى».

ولكنّ “أبا عادل”، وهو صاحب عقار في أحد مناطق بغداد، يرى أن ظاهرة تقطيع البيوت القديمة إلى شقق أصغر تتسم بعض الإيجابيات، منها «تأمين السكن لعدد أكبر من الناس، وحل النزاعات العقارية بين ورثة مالكي المساكن».

“أبو عادل” يقول لـ«الحل نت» إن «تقطيع البيوت إلى وحدات سكنية أصغر أسهم، رغم طابعه السلبي ومشاكله المتعددة، في فضّ نزاعات كثيرة بين الورثة، فالأخوة يتقاسمون ورثهم دون مشاكل بهذه الطريقة، وقد تُباع الحصص إلى مستثمرين، فيعمد هؤلاء إلى تقسيم البيوت إلى وحدات أصغر، تبلغ الواحدة منها خمسين متراً أو أقل، حسب رغبة المشترين».

 

«الاكتظاظ السكاني أحد أسباب العنف والجريمة»

الباحث الاجتماعي “عماد سهر المحمداوي” أوضح لـ«لحل نت» عواقب التداخل بين العائلات، واشتداد الكثافة السكانية، في المناطق التي تشهد ظاهرة تقطيع المنازل، قائلاً: «نمرّ اليوم بوضع شبيه بما شهدته العاصمة المصرية القاهرة، نتيجة الانفجار السكاني في عقدي السبعينيات والثمانينيات من القرن المنصرم، فقد باتت أحياء بغداد الشعبية شبيهة إلى حد ما بأحياء العاصمة المصرية، من حيث الاكتظاظ وسوء الشروط السكنية، رغم أن التوسّع العمراني في مصر عمودي وليس أفقي، أي أنه يعتمد على بناء الأبراج السكنية العالية، وليس الدور المنخفضة».

ويؤكد الباحث العراقي أن «اكتظاظ المدن بالسكان بهذا الشكل هو أحد أهم أسباب انتشار الجريمة والمخدرات والأمراض الاجتماعية الأخرى»، داعياً إلى «وضع ضوابط صارمة لمساحات البناء، وأخرى تردع المتجاوزين على شبكات الخدمات العامة، من ماء وكهرباء».

من جهته يرى المهندس الاستشاري “جواد كاظم” أنه «يجب على الحكومة العراقية تكليف أمانة بغداد بإعداد الدراسات والتصاميم، لإعادة إعمار وبناء المناطق ذات الطابع السكني العشوائي في العاصمة، ومن بينها مدينة الصدر، التي تعدّ أكثر المناطق زخماً من حيث الكثافة السكانية، وتحوي عدداً هائلاً من المنازل العشوائية».

“كاظم” بيّن لـ«الحل نت» أن «التخطيط العمراني للمدينة يجب أن يكون وفق أسس معمارية متطوّرة، كما من المهم أن لا تسمح الحكومة العراقية بتحوّل أحياء شعبية أخرى إلى مناطق عشوائية، ترهق الخدمات وتؤثّر على سلوك الأفراد، خاصة أن هذا الموضوع أصبح اليوم تجارة بيد السماسرة وأصحاب العقارات».

 

الموقف حكومي من أزمة السكن

المتحدث الرسمي باسم وزارة التخطيط العراقية “عبد الزهرة الهنداوي” يقول إن «قضية إعادة تنظيم السكن باتت ضرورية جداً، وبالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة، وهي محافظة وأمانة بغداد، بعد تفاقم ظاهرة العشوائيات بشكل كبير في العاصمة».

مبيناً، في حديثه لـ«الحل نت»، أن «الحكومة العراقية باشرت بوضع خطة لتقليل الزخم السكاني العشوائي، وانتهجت وزارة التخطيط العراقية مسارين بهذا الخصوص: أولهما إعادة هيكلة السكن العشوائي، وثانيهما إيجاد معالجات له ضمن القوانين النافذة» .

وكان مجلس النواب العراقي قد ناقش أزمة السكن في العراق، بغية وضع الحلول لها، من خلال حزمة تشريعات، تلتزم الحكومة العراقية بتنفيذها، لكن الخبير القانوني “ياسر الخفاجي” لا يبدو متفائلاً بتطبيق هذه التشريعات، بسبب تعارضها مع مصالح وتوجهات بعض القوى السياسية.

“الخفاجي” يشدد على أن «تعليمات إزالة المنازل المخالفة يجب أن تطبّق بحق الجميع، وليس على المواطن البسيط فحسب، لكي لا يشعر بأن هناك من يتم استثناؤهم من الإجراءات القانونية، لأنهم أصحاب نفوذ حزبي أو سياسي».

ويشير، في حديثه لـ«الحل نت»، إلى أنه «من الضروري أن تتفق السلطتان التنفيذية والتشريعية على سنّ القوانين المتعلّقة بـ أزمة السكن في العراق، لكي لا تُستغل لغايات سياسية أو حزبية، بعيداً عن مخططات الدولة العراقية».