تنافس روسي إيراني على كعكة الاقتصاد في سوريا

تنافس روسي إيراني على كعكة الاقتصاد في سوريا
تنافس روسي إيراني على الاقتصاد في سوريا

بعد زيارة نائب رئيس الوزراء الروسي “يوري بوريسوف” إلى دمشق، نهاية شهر حزيران/يونيو، وصل رئيس مجلس الشورى الإيراني “محمد باقر قاليباف” في الـ 27 من تموز/يوليو، إلى العاصمة السورية، حيث كشف أثناء الزيارة عن اتفاق شامل للتعاون بين بلاده وسوريا يتم صياغته.

ولعل إشارة قاليباف إلى أن بلاده تتطلع للمصادقة على الاتفاق السوري الإيراني لدى برلماني البلدين وتنفيذه، ما يسمح لرجال الأعمال الإيرانيين والسوريين معا الوصول إلى مستوى طيب من التعاون الاقتصادي والتجاري بين الجانبين، وبما يتيح بإعادة إعمار سوريا.

تأتي كإعلان تنافسي مع الجانب الروسي على النفوذ الاقتصادي في سوريا بعد سنوات من دعمهم للحكومة السورية.

تحاول موسكو الاستحواذ على أكبر قدر من الموارد السورية، استباقًا للإيرانيين الذين يضغطون على دمشق لتسديد ديون يقدرونها بعشرات المليارات، فأعلن بوريسوف خلال زيارته عن تحضيرات تجريها بلاده مع الحكومة السورية، وصلت لمراحلها الأخيرة بشأن اتفاق تجاري-اقتصادي جديد، مشيراً إلى أن روسيا تساعد سوريا بإمدادات القمح والمشتقات النفطية.

وأضاف «نتمنى مع مرور الوقت أن يتحسن الوضع في سوريا لتنفيذ المشاريع ذات الأهمية الكبرى المتعلقة بإعادة الإعمار»، معتبراً أنه «يجب ضمان المزيد من التطبيع مع الحكومة ليس بالوسائل العسكرية أو السياسية بقدر ما هو بالوسائل الاجتماعية والاقتصادية».

في حين كان تعهدت السلطات السورية خلال زيارة قاليباف، بتحريك الاتفاقيات الست الموقعة مع طهران وزيادة التبادل التجاري، فيما وعدت إيران، بحسب ما نقلت تقارير صحفية، بتقديم المساعدات بمجالات النفط وتسهيل التجارة لطهران، فضلاً عن التعهد بـ تقديم العون لسوريا خلال عملية إعادة الإعمار.

وفي أعقاب زيارته إلى دمشق، قال قاليباف إن الملفات الاقتصادية تعتبر أولوية بالنسبة لسوريا، ما يمثل فرصة اقتصادية بالنسبة لإيران.

وذكر أن الهدف الرئيسي من زيارته إلى سوريا كان توطيد العلاقات الاقتصادية، منوهاً إلى أن الاتفاقات الموقعة بين البلدين قبل نحو عام ونصف ستدخل حيز التنفيذ في غضون الأشهر الثلاثة المقبلة.

تريد ورسيا التوجه إلى مرحلة توقيع عقود طويلة الأمد واستثمارات شراكات مع الحكومة السورية، من أجل تعويضها اقتصادياً بعد تدخلها العسكري المباشر في سوريا (منذ أيلول/سبتمبر 2015)، بحيث تضمن أن يكون لها الحصة الأكبر في الاقتصاد السوري خلال المرحلة المقبلة.

في حين تسعى إيران إلى خلق أدوات تساعدها على زيادة توغلها في مناحي الاقتصاد السوري، حيث لا يقف المشروع الإيراني في سوريا على الجانب العسكري، وإنما يتوسع أيضاً نحو السيطرة الاقتصادية في القطاعات الرئيسية.

تُمثّل مرحلة إعادة الإعمار في سوريا، خطوة مهمة لدى طهران حيث تسعى بشكل حثيث لمداومة نفوذها الاقتصادي في سوريا حتى الوصول إلى تلك المرحلة.

دعم اقتصادي لأهداف خاصة؟

الباحث الاقتصادي “يحيى السيد عمر” اعتبر خلال حديث لموقع (الحل نت) بوجود محاولات حثيثة لدى كل من الروس والإيرانيين لتقديم دعم استثماري للحكومة السورية، في الوقت الذي يسعى الداعمان إلى ضمان موطئ قدم لهم في الاقتصاد السوري مستقبلاً، بحيث تُشكّل هذه الاستثمارات قواعد لهذه الدول من أجل المساهمة في مرحلة إعادة الإعمار.

وتابع «لابد من التوضيح بأن التنافس الإيراني الروسي هو على الموارد السورية، وليس على الاستثمار الاقتصادي، فمن حيث الاستثمار فالسوق السورية واسعة نسبياً، كما أن اقتصاد روسيا وإيران لا يستطيع أي منهما التفرد بالاستثمار في سوريا، فإمكاناتهما الاقتصادية محدودة ليست كالصين، فلا خلاف بينهما على الاستثمارات في الطاقة البديلة أو في الإنتاج الزراعي».

أما المحلل الاقتصاد “خالد تركاوي” أشار خلال حديثه لموقع (الحل نت) إلى أنه ورغم ظهور بعض التوافقات الاقتصادية الروسية الإيرانية في سوريا، إلا أنه وفي الحقيقة «نستطيع أن نجد أن هذا يتوقف على نوع الملف وأهميته لكلا الطرفين، مثلاً روسيا تريد أن تنافس إيران في ملف الفوسفات، ملف النفط وملف التواجد في شواطئ البحر المتوسط، ولكنها لا ترى مانعاً من تدخلها في ملفات الزراعة والإعمار وتدعم رؤيتها في مجال النقل».

ولفت بأن إيران لديها مشروع منفصل عن روسيا، معتبراً أن طهران تدعم مشروعها بمفردها بغض النظر عن الدعم الروسي «ليس بالضرورة أن يتقاطع المشروع الإيراني مع مصالح النظام السوري الاقتصادية، ومن جهة أخرى روسيا تريد وضع يدها على بعض الملفات المذكورة أعلاه وتحاول إبعاد الإيرانيين منها ولكنها تدعمهم في مجالات أخرى».

فيما بيّن السيد عمر إلى أن الخلاف الحقيقي بين الروس والإيرانيين في الاقتصاد السوري يكمن في الصراع على الموارد، كحقول النفط والفوسفات والموانئ والمنافذ الحدودية، «هنا يظهر التفوق الروسي على إيران، فروسيا وضعت يدها على أهم الموارد السورية مقابل تراجع واضح في حصة إيران، أما إيران لن تتمكن من مواجهة الرغبة الروسية في الاستحواذ على الموارد السورية».

ونوه إلى أن إيران اتجهت لتعويض خسارتها في الموارد إلى تعويضها بالاستثمارات والتجارة، فهي المورد شبه الحصري للمحروقات إلى سوريا عبر خط ائتماني، بحسب تعبيره، ورأى أن طهران تسعى أيضاً لافتتاح عدة مشاريع استثمارية في سوريا، بما لا يشكل تهديداً للمصالح الروسية.

محاولات السيطرة على الاقتصاد السوري

في الفترة السابقة، أخذ الروس يستولون على أهم الأصول الاستراتيجية والاقتصادية في سوريا، ومضوا في تقنين هذه الخطوات، فاستأجروا ميناء طرطوس على البحر المتوسط لمدة 49 عامًا، كما وقَّعوا اتفاقًا مع دمشق يخولهم الحصول على 70 في المئة من عائدات الفوسفات المستخرج من مناجم تدمر الغنية لمدة 50 عاماً، وهيمنوا على قطاع المطاحن في حمص وعلى شركة الأسمدة فيها التي تعد أكبر مجمع صناعي كيميائي في سوريا لمدة 40 عاماً، كما أخذت الشركات النفطية الروسية الحق الحصري للتنقيب عن النفط في ساحل طرطوس لـ 25 عاماً.

بينما سعى الإيرانيون إلى بسط سيطرتهم على ميناء اللاذقية ليكون لهم منفذ بحري في شرق المتوسط، كما نجحوا في حيازة عدد من آبار النفط في البوكمال في أقصى الشرق، ووضعوا أيديهم على مراكز تجارية وصناعية مهمة، وعدد من المنشآت الحيوية كمطار دمشق الدولي.

كما تتم مقايضة شحنات النفط التي يتم استيرادها من إيران بمنح الأخيرة أراضي ومرافق بنية تحتية في المناطق التي تهتم بتثبيت وجودها فيها كالشرق وحمص وجنوبي دمشق.

رئيس المنتدى العربي لتحليل السياسات الإيرانية (أفايب) “محمد محسن أبو النور” قال خلال حديثه أن إيران لن تشارك في إعادة إعمار سوريا فقط بل إنها ستعمل على الاستفادة من الأموال المتدفقة من الخارج لصالح الشركات التابعة لها، بخاصة وأنها بنت لها قاعدة اقتصادية خلال السنوات الأخيرة، بحسب تعبيره.

و تابع في السياق ذاته بأنه «من المحتمل أن تدر الاستثمارات الإيرانية دخلا كبيرا عليها في مرحلة إعادة الإعمار فيما لو تمت خلال الفترة المقبلة، وكذلك فإن  المطامع الإيرانية لا تتوقف على أن يكون لها دور اقتصادي فقط بل أن يكون لها دور استراتيجي بعيد المدى».

مطلع عام 2013 جرى التوقيع على اتفاقية “الخط الائتماني الإيراني” بين دمشق وطهران بقيمة مالية تساوي مليار دولار، وتم تجديد هذه الاتفاقية في منتصف عام 2015.

هدفت إيران من وراء تلك الاتفاقية إلى تقديم المساعدة الاقتصادية لدمشق على أن يتم تسديد قيمة هذه العقود خلال 7 سنوات، كما أوجبت الاتفاقية أن تكون 60 بالمئة من السلع المشتراة ذات منشأ إيراني، والباقي تشتريها إيران لتبيعها لدمشق بسبب فرض العقوبات الاقتصادية عليها منذ مطلع عام 2012.

مطلع عام 2019، و في خطوة وصفتها دمشق بالتاريخية، وقعت الحكومة السورية ونظيرتها الإيرانية اتفاقا حول التعاون الاقتصادي الاستراتيجي بعيد الأمد بين الجانبين.

رئيس الحكومة السابق؛ آنذاك “عماد خميس” هو الذي تولى توقيع الاتفاق بينما كان نائب الرئيس الإيراني، إسحاق جهانغيري، ممثلاً عن الجانب الإيراني، حيث تم إبرام 9 مذكرات تفاهم في مجالات عدة بينها سكك الحديد وبناء المنازل والاستثمار بالإضافة إلى التعليم والثقافة.

وفي تصريحات أدلى بها عقب مراسم التوقيع؛ آنذاك، اعتبر خميس أن الاتفاقات التي أبرمتها دمشق مع إيران «دلالة على جدية دمشق بشكل كبير في تقديم التسهيلات للشركات الإيرانية العامة والخاصة للاستثمار وإعادة الإعمار».