نساء “أثينا” يجلبن الأجساد إلى نور الحياة ويُرسلنها إلى ظلمة الموت

نساء “أثينا” يجلبن الأجساد إلى نور الحياة ويُرسلنها إلى ظلمة الموت

عن كتاب صورة المرأة في العصور القديمة

تنقسم الشياطين في ناموس الآلهة اليونانية إلى فئتين، الأولى تصطاد ضحاياها من البشر، والثانية تغتال العقول وتسيطر على القلوب، والفئتين أنثويتيين، وكذلك هن النساء في المنظومة اليونانية، مخلوقات دنيوية مجبولة بالسحر، يسكنها الظلام وتسلب العقول.

تعود الكاتبة “إميلى كوهرت” والكاتب “إفريل كاميرون”، في كتابهما “صورة المرأة في العصور القديمة”، إلى تلك العصور التي كانت تنظر إلى المرأة بنظرة ازدواجية تجعل منها ساحرة تارةً وألهة تارةً أخرى، تسكنها الظلام وتكلفها بالمهام الدينية، ينّقب الكاتبان في التاريخ الممتد من المملكة الحيثيية حتى الإمبراطورية البيزانطية، في نواحي الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية للنساء في تلك العصور، وسنتناول في هذه المادة المرأة في الأنظمة اليونانية، في مدينتي أسبارطة وأثينا، في القرنين الرابع والخامس قبل الميلاد.

بين نساء أثينا ونساء إسبارطة

شغلت مدينتي أثينا وإسبارطة، حيزاً كبيراً من تاريخ الفلسفة والفنون والحروب، وعلى الرغم من كون المدينتين يونانييتن، إلا أنهما اشتهرتا بالاختلافات الثقافية والاجتماعية والقيميّة، فبينما كانت مدينة أثينا أول حكومة ديمقراطية في العالم، إلا أن الحرية التي فتحت أبواب الإبداع والفكر والفلسفة أمام الرجال كانت محّرمة على النساء اللواتي منعن من التعليم، في حين أن مدينة إسبارطة أو سبارتي، كانت ذات حكم عسكري ولم تهتم بالفلسفة أو الفنون، وصبت جلّ اهتمامها على تدريب الجنود وتعليمهم، وتمتعت النساء فيها بحق التعليم والتدريب على الفنون القتالية .

كان الرجال الأثينيون يرددون قولاً مفاده أنَّ: «الزوجة الحنون هي أعظم ما يملكه الرجل»، على اعتبار أن المرأة الأثينية جزءاً من أملاك الرجل، على عكس النساء في إسبارطة اللواتي كن يرثن وينخرطن في الحياة العامة، حتى أن الأثينيون شعروا بالصدمة عندما علموا أن للنساء في إسبارطة حقوق اجتماعية واقتصادية ومدنية.

ويرد في الكتاب انتقاد المؤرخ الأثيني “ثيوسيديدس”، الذي عاش خلال القرن الخامس قبل الميلاد، للشخصية الأثينية قائلاً: «يتصف الأثينيون بالحيوية والإقدام وعشق المغامرة فقط عندما يكونون خارج وطنهم، أما في بلادهم فهم يميلون إلى التملك والسيطرة على الأجنبي والضعيف، وهم يعتبرون أن من يعجز عن فرض سيطرته على الآخر غير قادر على التحكم بحريمه!».

ويسرد مؤلفا كتاب “صورة المرأة في العصور القديمة”، حال المرأة اليونانية في أثينا: «حرمت النساء من حق اختيار أزواجهن سواء كن عذارى أو أرامل وتعامل معهن المجتمع بوصفهن وسائل لنقل الملكية وتوريثها».

الإله الحارس وربة أثينا

صورت الميثولوجيا الإغريقية الدولة المدينة على نحو خيالي، فمهمة الإله الحارس السهر على أمن أثينا ومهمة الربة أثينا هي حماية الإله الذكر، وفي مسرحيات شاعر أثينا الأعمى “هوميروس” صاحب الإلياذة والأوديسية، حددت مهمة الربة أثينا بحماية الشخوص الذكورية المهمة، مثل القائد “ديوميديس” و البطل “أخيل”، اللذين صورا على أنهما لا أم لهما كي يرتبط نسلهما بالذكورة فقط!.

 أرسطو: «خصائص المرأة عيباً خلقياً»

جعلت مهمة النساء الأثينيات أن يكن وسيطاً يساعد الأجساد على الدخول من الظلمة إلى الحياة- إخراج الجنين من الرحم، وعلى الانتقال من الحياة إلى الظلمة- دفن الموتى، وبحسب المفهوم الذكوري فإن أهلية النساء للتوسط والمراقبة والمساعدة في الانبثاق من العتمة والرجوع إليها ترجع لقدرتهن على التواصل مع كل ماهو نجس وفاسد، فالأثينيين اعتقدوا كبقية الثقافات في تلك الفترة أن جسد الأنثى وتكوينها البيولوجي ملوثاً للرجل، لذلك حُرّم عليه لمسها خلال الحيض وبعد المخاض وحرّم عليه دخول المعبد بعد مضاجعتها.

وبسبب الاعتقاد بطبيعة الأنثى السحرية، كلّفت النساء بتنظيم الاحتفالات الدينية، وكشف الأسرار وفك الأسحار، وقارب الأطباء الأثينيون بين الطبيعة الأنثوية وطبائع الحيوانات الضارية الشرسة معبرين عن الطبيعة العدوانية لرحم الأنثى، ومستوحين ذلك من اعتقادهم بأن طبيعة ووظائف الأنثى هي بعث الأجساد من ذواتهن وإرسال الأجساد الميتة إلى ظلام القبر.