عبر مشاريع الكهرباء والغاز: هل استطاع زعماء عرب اقناع الولايات المتحدة بإعادة تأهيل حكومة دمشق؟

عبر مشاريع الكهرباء والغاز: هل استطاع زعماء عرب اقناع الولايات المتحدة بإعادة تأهيل حكومة دمشق؟

بين إعادة مقعدها في جامعة الدول العربية، وبحث سبل التطبيع السياسي معها، تدور جهود دول عربية من أجل استعادة العلاقات مع حكومة دمشق، وفك العزلة المفروضة عليها، من خلال تفعيل التعاون الاقتصادي معها، باعتبار ذلك خطوةً أساسيةً لإعادة تعويمها سياسياً.

وكان الملك الأردني “عبد الله الثاني” الزعيم العربي الأول، الذي أعلن بوضوح رغبة بلاده بفتح خط حوار مع دمشق، مبدياً حرصه على «استقرار المنطقة وحفظ مصالح الأردن، عبر إيجاد حل في سوريا».

وفي هذا الإطار زار العاهل الأردني واشنطن، في شهر تموز/يوليو الماضي، قبل أن يلتقي الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو، نهاية آب/أغسطس، وبين هاتين الزيارتين زار وزير الخارجية التركي “مولود تشاووش أوغلو” العاصمة الأردنية عمّان.
الحراك الدبلوماسي المكثّف، الذي قادته الأردن خلال الأسابيع الماضية، يتركز أساساً على الملف السوري، فعمّان تسعى، بالتنسيق والتفاهم مع مصر ودول خليجية، لدمج دمشق من جديد مع محيطها العربي والإقليمي، بحسب ما يراه مختصون ومتابعون للشأن السوري.

وسواء عبر البوابة السياسية أو الاقتصادية، يبدو أن محوراً عربياً في طريقه لفتح خط حوار مع دمشق، وإذا كان الجانب السياسي قد تأخّر حتى الآن، فإن الجانب الاقتصادي بدأت معالمه تتضح، عبر ما طلبه الملك الأردني، خلال لقائه بالرئيس الأميركي “جو بايدن”، بـ«إستثناء الأردن من العمل بمفاعيل قانون قيصر، كما تم السماح سابقاً للعراق بالتعامل مع إيران، رغم العقوبات الأميركية عليها». وفق تقارير صحفية.

صحيفة “واشنطن بوست” الأميركية قالت بدورها إن «ملك الأردن عرض على الرئيس الأميركي الانضمام إلى فريق عمل، يسعى للاتفاق على خريطة طريق للحل في سوريا».

 

سوريا ومشاريع الكهرباء والغاز

إلا أن الميل العربي للتطبيع مع دمشق لا يقتصر على الأردن، فقد حملت الأشهر الأخيرة تصريحات اقتصادية، ذات طابع سياسي، لمسؤولين في دول عربية، عن دور سوري في مشاريع اقتصادية مستقبلية. كان من بينها حديث سعد الحريري، رئيس الحكومة اللبنانية الأسبق، الذي أكد أن الغرض من زيارته الأخيرة إلى مصر، في الرابع عشر من تموز/يوليو، والتي التقى خلالها بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ووزير خارجيته “سامح شكري”، هو «الحصول على الغاز المصري»، موضحاً أنه «تواصل مع القيادة الأردنية لإقناع الأميركيين بالموافقة على وصول الغاز المصري إلى لبنان، عبر الأردن وسوريا».

ورغم أنه لم يذكر آلية تنفيذ المشروع، ومدى قابليته للتطبيق، إلا أن الموافقة الأميركية جاءت بعد شهر من تصريحاته، فقد أعلنت الرئاسة اللبنانية، أواخر شهر آب/أغسطس، أن «الولايات المتحدة وافقت على مساعدة لبنان على توفير الكهرباء، عبر تسهيل نقل الغاز المصري عبر الأردن وسوريا، وصولاً إلى شمال لبنان».

فيما كان وزير النفط العراقي “إحسان عبد الجبار” قد تحدث أيضاً، نهاية شهر نيسان/أبريل الماضي، عن «اتفاق وشيك لاستيراد الغاز المصري عبر سوريا إلى العراق»، وفق ما نقلته وكالة الأنباء العراقية الرسمية، إلا أن الوكالة العراقية لم تذكر حينها مزيداً من التفاصيل حول طبيعة الاتفاق، وشروط وموعد إمداد الغاز إلى بغداد.

مركز “جسور للدراسات” نشر تقريراً قال فيه إن «الموافقة الأميركية على مرور الكهرباء من الأردن إلى لبنان عبر سوريا، والسماح بعبور الغاز المصري إلى لبنان عبر الأردن وسوريا، يعتبران بمنزلة إجراء جديد، في سياق تخفيف العقوبات المفروضة على دمشق».

وأشار التقرير إلى أنه «من الواضح أن هناك توجهاً أميركياً لإعطاء مكاسب اقتصادية لروسيا في سوريا، لاختبار إمكانية الاعتماد على موسكو في إدارة عملية تغيير سياسي حقيقية داخل الحكومة السورية، تسهم في تغيير سلوكها تجاه بلدان الجوار. وجزء من عملية التغيير هذه سيكون متعلّقاً بتقليص النفوذ الإيراني على الأراضي السورية».

 

سياسة عربية واقعية؟

الكاتب والمحلل السياسي السوري “حسام نجار” اعتبر، في حديثه لموقع «الحل نت»، أن «أي مشروع اقتصادي كبير، يتطلّب خدمات لوجستية وعمالة وفنيين، يعني بالضرورة حرية التنقّل بين الدول المشاركة فيه، وبالتالي فإن مشاريع نقل الكهرباء والغاز تعني الانفتاح التدريجي تجاه الحكومة السورية. وهذا أمر مرحّب به بشدة من قبل الروس،  بل إن روسيا سعت للمساعدة في هذه المشاريع، وتقديم الاستشارات والخبرات الفنية، وهو خط موازٍ لعملها السياسي بإعادة الحكومة السورية إلى محيطها العربي، ويبدو أن أمريكا لا تعترض على هذه الجهود».

حديث “النجار” يتفق مع تقرير تحليلي، نشرته مجلة “فورين بوليسي” الأميركية، نهاية شهر آب/أغسطس الفائت، أشار إلى أن «هناك مؤشرات على نية إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن بالتغاضي عن مساعي بعض الدول العربية لإحياء علاقاتها مع الرئيس بشار الأسد. وقد قام بعض القادة العرب على ما يبدو، بما في ذلك حكّام الأردن والإمارات، بالضغط على أعلى المستويات في واشنطن، لصالح الإعفاء من العقوبات، لدعم نطاق وصولهم إلى سوريا. ومن المغري وصف هذا التواصل بأنه سياسةٌ واقعية من قِبَلِ الدول العربية، في محاولة لكسب النفوذ في سوريا، وقيادة عملية إعادة الإعمار فيها».

وحول الضغط العربي، الذي ذكرته المجلة، يرى “نجار” أن «الإمارات تسعى لكسر حدود قانون قيصر من خلال البوابة الإغاثية، عبر التأكيد أن المواطن والدولة السورية يحتاجان للمساعدات الانسانية».

وزاد بالقول: «الأردن بطبيعة الحال يعتمد على سوريا اقتصادياً، فلولا حوران وزراعتها لكان الأردن في موقف صعب، نتيجة قلّة الأراضي الزراعية فيه. ومن هنا يأتي دور مشروع الربط الكهربائي الرباعي، الذي تم إنجاز قسم كبير منه قبل بدء الاحتجاجات السورية، والذي سيؤمّن، إذا تم اكماله، ربط كهرباء معظم الدول العربية الواقعة على امتداد واحد، وهذا الخط سيسهّل مد الحكومة السورية بكل الإمكانيات الاقتصادية والموارد اللازمة للعودة إلى محيطها العربي، فضلاً عن كونه حجة سياسية، يمكن استخدامها لإقناع بقية الدول العربية بالتطبيع مع دمشق».

واعتبر الباحث السوري أن «مشاريع الربط الكهربائي، وإمداد خطوط الغاز عبر سوريا، ستستخدم للدعاية لضرورة فتح الحدود مع سوريا، وإعادة قبول حكومة دمشق من جديد، بوصفها حكومة محورية في المنطقة. كما أن خط الغاز المصري عبر سوريا، سواء للأردن أو لبنان، سيجعل عملية التكامل الاقتصادي بين كل هذه الدول قابلة للحياة».

 

رفع العقوبات عن دمشق

“درويش خليفة”، الباحث في الشأن السياسي، لم يستبعد، خلال حديثه لموقع «الحل نت»، «إمكانية رفع العقوبات عن دمشق، مقابل تمرير مشروع نقل الغاز عبر سوريا، ما يمهد لعودة كاملة للعلاقات العربية والغربية مع الحكومة السورية»، إلا أنه شدد على أن «ذلك سيكون مشروطاً بالتوجه لتنفيذ القرارات الدولية الخاصة بالشأن السوري».

فيما أشارت صحيفة “الشرق الأوسط” السعودية، في تقرير لها، نُشر في شهر حزيران/يونيو الماضي، إلى أن «إدارة بايدن خفضت سقف مطالبها في سوريا، لأن ملف التغيير السياسي ليس أولوية لفريق بايدن، الذي يركز على ملفين: المساعدات الإنسانية عبر الحدود، واستمرار محاربة تنظيم داعش شرقي الفرات».

إلا أن ذلك لا يعني، بحسب الصحيفة، «المباشرة العاجلة في إعادة تطبيع العلاقات مع دمشق، فالإدارة الأميركية ما تزال ترى أن التطبيع ليس مفيداً حالياً، ويجب ألا يحصل دون أي ثمن».

وتضيف الصحيفة في تقريرها أن «الثمن الذي تطلبه الولايات المتحدة من دمشق قد تغيّر، فلم يعد تغيير النظام، ولا حتى هيئة حكم انتقالية، بل انخفض إلى تغيير سلوك النظام. ما يشمل وقفاً شاملاً لإطلاق النار في سوريا، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وإعادة كريمة للاجئين والنازحين، والتعامل بإيجابية مع الإصلاح السياسي والدستوري، ليس أكثر».

يتوافق هذا مع تصريحات رئيس الوزراء الأردني “بشر الخصاونة” لموقع “اندبندنت عربية”، والتي قال فيها إن «هناك تغييراً، ولو طفيفاً، في موقف الإدارة الأميركية من دمشق، فالتركيز الحالي يتمحور حول تغيير سلوك الحكومة السورية، بدل الاستمرار في وهم العمل على إسقاطها»، حسب تعبيره.

وفي هذا الصدد اعتبر المحلل السياسي “حسام نجار” أن «الموقف الأميركي من تعويم الحكومة السورية يسير على خطين: خط التغافل عن تصرفات بعض الدول التي تساعد حكومة دمشق؛ وخط فرض الأوامر على دول أخرى، تتمتع بعلاقات مع تلك الحكومة، وكل هذا مرتبط بتغيير سلوك السلطات السورية وليس إسقاطها، فعندما ترى واشنطن أن الحكومة السورية أصبحت تتبع السياسة الأميركية، المعلنة وغير المعلنة، سيأتي الرضا الأمريكي عن دمشق، وسيُسمح لها بالعودة للجامعة العربية».

ضمن هذا المنظور يمكن فهم تصريحات “رمطان لعمامرة”، وزير الخارجية الجزائري، الذي كشف، في الخامس والعشرين من آب/أغسطس الفائت، أن «سوريا موضوع أساسي في تحضيرات القمة العربية المقبلة». معتبراً أن «جلوس سوريا على مقعدها في الجامعة العربية سيكون خطوة متقدمة في عملية لمّ الشمل وتجاوز الصعوبات الداخلية».