الغارات الإسرائيلية في سوريا: لماذا خرجت موسكو عن صمتها تجاه استهداف القوات النظامية والميلشيات الإيرانية؟

الغارات الإسرائيلية في سوريا: لماذا خرجت موسكو عن صمتها تجاه استهداف القوات النظامية والميلشيات الإيرانية؟

بدأت روسيا، دون مقدمات، منذ نهاية شهر تموز/يوليو الماضي، بإدانة الهجمات الإسرائيلية على مواقع في سوريا، تابعة لحكومة دمشق، والميلشيات الإيرانية التي تقاتل معها، ما اعتبره كثير من المراقبين تغييراً لقواعد الاشتباك، التي كانت موسكو قد سمحت بها للطيران الإسرائيلي.

وعلى خلاف السياسة التي سارت عليها الحكومة الروسية خلال السنوات الماضية، حين كانت تحافظ على صمتها، دون التعليق على أية عملية إسرائيلية في سوريا، غيّرت موسكو موقفها مؤخراً، وعلّقت على ضربتين عسكريتين إسرائيليتين، في أرياف حلب وحمص، آواخر تموز/يوليو الماضي، مؤكدة إسقاط صواريخ إسرائيلية في الأراضي السورية.

وقالت وزارة الدفاع الروسية، في بياناتها آنذاك، إن «منظومتي الدفاع الجوي الروسيتين “بانتسير” و”بوك”، اللتين تمتلكهما القوات النظامية السورية، أسقطتا معظم الصواريخ الإسرائيلية».

ورغم أن التنسيق الروسي-الإسرائيلي في سوريا قد مّر عليه سنوات طويلة، استطاع خلالها الطرفان مَنْع أي احتكاك بين قواتهما. فالتعليق الروسي يعتبر الأول من نوعه، وجاء بعد أيام من وصول “نفتالي بينيت”، رئيس الحكومة الإسرائيلية الجديد، إلى السلطة.

وبحسب تقرير لصحيفة “الشرق الأوسط” السعودية، نُشر مطلع أيلول/سبتمبر الجاري، فإن مصادر دبلوماسية قالت للصحيفة إن «الحكومة الإسرائيلية الجديدة أبعد بكثير عن الكرملين من حكومة بنيامين نتنياهو، وفتور العلاقات تطوّر بشكل متسارع، بسبب سلسلة من الخطوات التي قامت بها إسرائيل»، في إشارة إلى الغارتين في حمص وحلب، اللتين لم تنالا الرضى الروسي على ما يبدو.

وكشفت المصادر عن «إجراء عدة لقاءات بين روسيا وإسرائيل على المستوى الأمني، تخللتها زيارة وفد أمني عسكري إسرائيلي إلى موسكو بشكل سري، إلا أنه لم يتم التوصل إلى لغة مشتركة للتعامل مع عدد من الملفات العالقة».

 

تغيّر الموقف الأميركي

“محمد سالم”، الباحث في مركز ‘‘الحوار السوري’’، يرى أن «روسيا لم تكن يوماً مرتاحة تماماً للهجمات الإسرائيلية على قوات الحكومة السورية، رغم أنها  قد تصبّ إلى حد ما في مصالحها، عندما تستهدف المليشيات الإيرانية، التي تقاتل مع القوات النظامية، ولكنها تغدو أمراً مزعجاً عندما تستهدف التشكيلات العسكرية لحكومة دمشق نفسها».

وأضاف في حديثه لموقع «الحل نت»: «لم تأخذ روسيا سابقاً خيار التصادم مع إسرائيل، رغم تمادي الاسرائيليين في تجاهل التنسيق مع موسكو، إلى درجة التسبب بإسقاط طائرة نقل عسكرية روسية في عام 2018، ما أدى لمقتل خمسة عشر عسكرياً روسياً، وأبدت موسكو آنذاك غضبها بالكلام فقط. وربما كان السبب أن الولايات المتحدة، في عهد رئيسها السابق دونالد ترامب، كانت متوافقة تماماً مع الإسرائيليين، وداعمة لهم على طول الخط، بعيد انسحاب ترامب من الاتفاق النووي مع إيران، وإعطائه الضوء الاخضر لنتنياهو، لتكثيف هجماته على الأذرع الإيرانية في سوريا، وحتى العراق».

واستدرك بالقول: «لكنّ هذه تغيّر الآن، وأتت إدارة أميركية جديدة ديمقراطية، أقلّ تقارباً مع إسرائيل، وأميل للحلول السياسية والتفاوضية، وسط رغبة أميركية واضحة بالانسحاب من المنطقة، أو تخفيف أعبائها فيها على الأقل، وهذا سمح للروس باتخاذ موقف أكثر صرامة من العمليات العسكرية الإسرائيلية في سوريا».

 

بيئة جديدة لروسيا في سوريا

ويعتبر المحلل السياسي أن «قدوم حكومة إسرائيلية جديدة، لا تملك العلاقة الشخصية ذاتها، التي كان يمتلكها نتنياهو مع بوتين، دفع موسكو إلى محاولة فرض قواعد اشتباك جديدة على الحكومة الإسرائيلية الجديدة، تكون اليد العليا لموسكو فيها».

“سالم” يعتقد أن «ما تريد موسكو قوله الآن هو إن قواعد اللعبة تغيّرت، وانتهاك الأجواء السورية، في المناطق التي تحتفظ فيها موسكو بالسيادة الجوية، أي كافة المناطق الواقعة تحت سيطرة الحكومة السورية، بل وحتى مناطق النفوذ التركي، قد أصبح أكثر صعوبة، ويجب أن يتمّ بالتنسيق مع موسكو حصراً، وبمقابل أعلى ثمناً مما سبق».

ووفق دراسة، نشرها مركز “الإمارات للسياسات”، أواخر شهر آب/أغسطس الماضي، فإن «هناك جملة من الأسباب، تقف خلف التطوّر الحاصل في الموقف الروسي من الضربات الإسرائيلية في سوريا، وتتصل بعدة مستويات، منها تغيرات البيئة الدولية، خاصة بعد بروز أنباء عن نيّة إسرائيل توفير أنظمة “القبة الحديدية” للدفاع الجوي لأوكرانيا، لمساعدتها في تحصين دفاعاتها في مواجهة أي هجوم روسي محتمل؛ وكذلك ارتباط تلك التغيرات الدولية بالتفاهمات التي جرت بين بوتين وبايدن في جنيف، منتصف حزيران/يونيو الماضي، نتيجة سعي إدارة بايدن إلى إقامة “سلام صناعي” مع إيران، لصالح دفع عجلة المفاوضات في الملف النووي».

وتتابع الدراسة: «توجد أسباب اقتصادية أيضاً للموقف الروسي، فالضربات الإسرائيلية على القوات الحكومية السورية، التي تستعمل غالباً السلاح الروسي، تؤدي إلى إحراج الصناعات الدفاعية الروسية، التي تشكّل مصدراً مهماً للاقتصاد الروسي؛ فضلاً عن جملة من الأسباب الأمنية، يتمثّل أبرزها في اقتراب الضربات الإسرائيلية من مواقع يُشرف الضباط الروس عليها بشكل مباشر، أو يشترك الجانب الروسي في إدارتها مع دمشق، مما يشكّل مخاطر أمنية على الضباط الروس في هذه المواقع».

 

سمعة السلاح الروسي

قد يعمل الروس على تعيين المساحة، التي يُمكن للإسرائيليين العمل ضمنها في استهدافهم للإيرانيين بسوريا، لتقتصر على محافظة القنيطرة فقط، في مراعاة روسيّة للتخوفات الإسرائيلية من تواجد أي كيان شبيه بحزب الله قرب الحدود الإسرائيلية مع سوريا، وهو الأمر الذي قد تنطلق منه آلية للتنسيق المشترك بين الطرفين خلال الفترة المقبلة. وفق تقديرات محللين سياسيين مطلعين على الشأن الدولي.

“منير الفقير”، الباحث في مركز “عمران للدراسات الاستراتيجية”، يتبنّى وجهة النظر هذه، إذ يؤكد على «وجود تفاهم روسي إسرائيلي على قواعد الاشتباك الجوي والأرضي منذ فترة، وحدود التداخل الروسي-الإسرائيلي محدد بخطوطه العامة، والاختلاف يبقى على مستوى التكتيك فقط، وهو ما يُحدث بعض الاحتكاكات والصدامات».

وتابع في حديثه لموقع «الحل نت»: «موسكو مؤخراً تريد أن تضع حداً للإساءة الإسرائيلية الحاصلة ضد سمعة السلاح الروسي، الذي تستخدمه الحكومة السورية، وجزء كبير من موقفها يأتي لغايات تسويقية، من أجل دعم الصناعات العسكرية الروسية».

مبيناً أن «روسيا تريد الآن فتح صفحة جديدة، بعد فوز بشار الأسد في الانتخابات الرئاسية، وهي ترى أنها مرحلة تقتضي وجود قواعد تفاهم سياسي جديدة، وهذا يتوازى مع قواعد اشتباك جديدة، على الجميع الالتزام بها. كما أنها ترى أن الاتفاقات السابقة، مع القوى الدولية والإقليمية، يجب أن تُحسّن شروطها لخدمة المصالح الروسية».

“مركز القدس للشؤون العامة والسياسة” نشر مقالاً تحليلياً، مطلع آب/أغسطس المنصرم، أشار خلاله إلى أن «روسيا تلمّح لإسرائيل بأن منظومات الدفاع الجوي الجديدة، التي زوّدت بها سوريا، ناجعة جداً، ولا فائدة من استمرار الهجمات الإسرائيلية، لأن تلك المنظومات ستعترض معظم الصواريخ الإسرائيلية».