المعابر بين مناطق المعارضة والحكومة السورية: ما الصلات التجارية بين أطراف الصراع؟

المعابر بين مناطق المعارضة والحكومة السورية: ما الصلات التجارية بين أطراف الصراع؟

على الرغم من إغلاق المعابر بين مناطق المعارضة والحكومة السورية بشكل رسمي، ما تزال عملية التبادل التجاري بين المنطقتين نشطة إلى حد كبير. لكن بأكلاف مرتفعة، مقارنةً بفترات سابقة. كانت فيها المنافذ التجارية مفتوحة أمام حركة تبادل السلع.

وقبيل الحملة الأخيرة، التي شنتها القوات النظامية على أجزاء واسعة من أرياف إدلب وحماة وحلب، ابتداءً من صيف العام 2019، كانت توجد أربعة معابر بين مناطق المعارضة والحكومة السورية. هي معبر “مورك” بريف حماة الشمالي. و معبرا “الراشدين” و”المنصورة” بريف حلب. ومعبر “أبو الزندين”، الذي يصل بين مدينتي الباب وحلب. إلا ان إغلاق كافة هذه المعابر بعد الحملة، لم يوقف الحركة التجارية النشطة بين الجانبين.

 

«لا أحد يستطيع إيقاف الحركة على المعابر بين المعارضة والحكومة»

المستشار الاقتصادي “أسامة قاضي” يرى أنه «من الصعب على أي من القوى المسيطرة في سوريا الوقوف بوجه حركة التبادل التجاري بين أبناء البلد الواحد. وذلك لحاجة كافة الفعاليات الاقتصادية لعملية التبادل. بغض النظر عن مظاهر المنع الرسمية، الناجمة عن الأهداف السياسية لمختلف الأطراف المتحاربة. ولذلك لا يمكن إغلاق المعابر بين مناطق المعارضة والحكومة السورية».

ويوضح، في حديثه لـ«الحل نت»، أن «التجارة الداخلية بين المحافظات السورية تجري غالباً على المستوى الشعبي. إذ يقوم التجّار في المناطق المختلفة، ورغم خضوعهم لسلطات متصارعة، بالتنسيق فيما بينهم. مستخدمين طرقاً عديدة، لإنجاح التبادل التجاري. رغم كل المعوقات».

“خالد التركاوي”، الباحث في “مركز جسور للدراسات”، يؤكد أن «كلاً من منطقتي المعارصة والحكومة تستفيدان من عمليات التبادل التجاري. فحكومة دمشق تحصل على مكاسب كبيرة. على اعتبار أن إدلب منطقة مفتوحة على العالم. ولا تخضع للعقوبات الأميركية. وتدخل إليها، من خلال معبر “باب الهوى”، بضائع قادمة من دول عديدة. مثل دول الاتحاد الأوروبي وروسيا وأوكرانيا وإيران وتركيا والصين. وهذا يساعد الحكومة السورية على كسر الحصار المفروض عليها. بينما تحقق المعارضة مكاسب جيدة. لكنها ليست كبيرة بالمقارنة بما تحصّله حكومة دمشق».

إلا أن الفائدة لا تقتصر على هذين الطرفين. بل هنالك طرف ثالث، بحسب “التركاوي”، يحقق عوائد لا بأس بها من المعابر بين المعارضة والحكومة السورية، وهو قوات سوريا الديمقراطية (قسد). «بعد إغلاق المعابر الأربعة، بسبب معارك إدلب، باتت أغلب الطرق التجارية غير مباشرة. ولذلك تلعب مناطق سيطرة “قسد” دوراً كبيراً في الوساطة بين مناطق المعارضة والحكومة السورية. من خلال عدة معابر. أهمها معبر “عون الدادات”، الذي يربط مدينة جرابلس، الخاضعة لسلطة الجيش الوطني المعارض، بمدينة منبج، الخاضعة لسيطرة “قسد”. فضلاً عن قرابة خمسة عشر معبراً. تربط بين مناطق سيطرة الحكومة السورية ومناطق قوات سوريا الديمقراطية. منها خمسة معابر رسمية. وفوق هذا وذاك هنالك نشاط ملحوظ في عمليات تمرير البضائع، بشكل غير رسمي، بين قسد وحكومة دمشق، باستخدام شبكة من طرقات التهريب».

 

لماذا لا تجيد المعارضة استغلال المعابر مع الحكومة السورية؟

ولكن لماذا تحصل الحكومة السورية على المكاسب الأكبر من هذه العملية، التي تتداخل فيها أطراف عديدة؟

“أسامة القاضي” يرى أن «طبيعة المكاسب تتوقف على مدى وعي إدارات المناطق المختلفة بمصالحها الاقتصادية. فالتجارة على المعابر بين المعارضة والحكومة السورية كان يمكن أن تدرّ أرباحاً طائلة على الحكومة المؤقتة، التابعة للمعارضة. لو استطاعت بيع السلع الواردة من مناطقها بالعملة الصعبة. لكن هذه الحكومة لا تدير مواردها بطريقة رشيدة. بسبب افتقارها للسيادة والسلطة الحقيقية. فضلاً عن عدم امتلاكها لأجهزة أمنية منظمّة، تضبط الحركة على المعابر الرسمية وغير الرسمية. أو هيئات اقتصادية فعلية، تضع خططاً لعمليات التبادل التجاري، وميزانيات واضحة لها، ولوائحاً لأسعار تبادل العملات. ولذلك تستفيد حكومة دمشق بشكل أكبر من العملية التجارية بين المنطقتين، نظراً لامتلاكها الحد الأدنى من التنظيم».

“خالد التركاوي” يتفق مع هذا الرأي، مؤكداً أن حكومة دمشق أكثر تنظيماً في طريقة تعاملها مع المعابر. ضارباً مثالاً على ذلك «قيام  الحكومة السورية بإنشاء صومعة في منطقة “دبسي عفنان”، على تخوم نهر الفرات. وذلك بالقرب من أحد المعابر غير الرسمية لقوات سوريا الديمقراطية. ما سمح لها بتمرير كميات كبيرة من الحبوب، وتخزينها داخل الصومعة».

ويتابع: «لا تمتلك الحكومة المؤقتة ذلك التنظيم والوعي. ما ساهم في إضعاف المكاسب، التي يمكن أن تجنيها من عمليات التجارة الداخلية على المعابر بين مناطق المعارضة والحكومة السورية. على الرغم من كون مناطقها مفتوحة على العالم. ووضعها الاقتصادي والمعيشي أفضل من مناطق سيطرة حكومة دمشق».

 

هيئة تحرير الشام وقضية المعابر الإنسانية

يحاول بعض المراقبين الربط بين مسألة المعابر بين مناطق سيطرة المعارضة والحكومة السورية، وقضية المعابر الخارجية، التي تربط سوريا بدول الخارج. وعلى رأسها معبر “باب الهوى”. معتبرين أنه في حال نجحت المبادرات بإعادة افتتاح المعابر الداخلية بين حكومة دمشق والمعارضة. فستربح روسيا ملف المساعدات العابرة للحدود. وتنجح في إغلاق معبر “باب الهوى” الحدودي مع تركيا. بحجة وجود معابر بين المعارضة والحكومة السورية، يمكن من خلالها تمرير المساعدات الدولية. وهي خطة تحاول هيئة تحرير الشام أيضاً تنفيذها. في ظل رفض شعبي لها.

وكان مجلس الأمن الدولي، في تموز/يوليو الماضي، قد مدد آلية إدخال المساعدات الإنسانية إلى الشمال السوري، عبر معبر “باب الهوى”، لمدة ستة أشهر. إلا أن المندوب الروسي في المجلس شدد على أن بلاده «ستعمل على التخلي عن آلية المساعدات العابرة للحدود. وتمكين وصول المساعدات الإنسانية عبر خطوط المواجهة»، أي إيصال المساعدات إلى الداخل السوري بإشراف حكومة دمشق.

من جهتها تستخدم هيئة تحرير الشام معبر “معارة النعسان” بريف إدلب الشرقي منفذاً تجارياً مؤقتاً. وأدخلت منه سابقاً عدة شاحنات، تحوي سلعاً وبضائع، قادمة من مناطق سيطرة الحكومة السورية. كما أفادت مصادر محلية لـ«الحل نت» بوجود «حركة تجارية شبه سرية. لتوريد بضائع تركية مختلفة، على رأسها مواد البناء، من خلال ذلك المعبر. باتجاه مناطق سيطرة القوات النظامية». ولذلك يبدو أن مصالح هيئة تحرير الشام تلتقي مع السياسات الروسية في هذا الملف. إذ أن المعابر الواقعة تحت سلطتها تعتبر من “خطوط المواجهة”، التي يريد الروس إدخال المساعدات عبرها. بدلاً من “باب الهوى”.

 

ترسيخ الوضع الحالي على المعابر بين المعارضة والحكومة

“أسامة قاضي” لا يرى أنه من الصحيح ربط مسألة المعابر بين مناطق المعارضة والحكومة السورية، بقضية المعابر الخارجية المخصصة للمساعدات الإنسانية. مؤكداً أن «الملفين منفصلان تماماً. وإذا نجح الروس في إغلاق معبر “باب الهوى”. فهذا لن يعود بفوائد كبيرة على المعابر، الشرعية وغير الشرعية، بين مناطق الحكومة والمعارضة».

على مستوى آخر يعزو “خالد التركاوي” عدم افتتاح المعابر بين المعارضة والحكومة السورية إلى «وجود رغبة شعبية في مناطق المعارضة بعدم تطبيع العلاقات مع حكومة دمشق. وذلك على خلفية عملية التمدد الواسعة، التي نفذتها القوات النظامية في معركة إدلب الأخيرة. وأدت لتهجير قرابة مليون شخص».

«على أي حال، لا يلغي الشعور الشعبي الرافض لافتتاح المعابير بين مناطق المعارضة والحكومة السورية استمرار عملية تمرير البضائع بين الطرفين. فهي عملية مجدية اقتصادياً. وتعود بمكاسب على السكان المحليين. وربما تفضّل عدة أطراف بقاء الأمور على ما هي عليه في الفترة الحالية. لحين حدوث تغيّر جذري في وضع البلاد». يقول “التركاوي”.

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير وتحقيقات