المشتقات النفطية في سوريا.. صدمات وسياسات فاشلة يدفع ثمنها المواطن

المشتقات النفطية في سوريا.. صدمات وسياسات فاشلة يدفع ثمنها المواطن
أستمع للمادة

لم تكن يوماً السياسات التي تنتهجها الحكومة السورية، إزاء  قضية توفير المشتقات النفطية لمادتي المازوت والبنزين، تخرج عن إطار الحلول الوقتية والترقيعية، التي لا تسمن ولا تغني من جوع، فهذا الموضوع وطرق معالجته لا يحصر  خلال سنوات الحرب  في سوريا فقط، بل القضية متأزمة ومتجذرة، إلى ما قبل السنوات العشر الماضية.

وتدلل السيناريوهات التي أُعلن عنها، على أن المواطن كان هو الضحية والحلقة الأضعف بين الأشخاص المتحكمة بهذه المواد، رغم أن الحكومات المتعاقبة كانت تعتبر أن دعم المحروقات في سوريا، تترك أثراً سلبياً على الاقتصاد الوطني، وخصوصاً بعد تراجع الموارد التي تدعم الخزينة العامة، وعلى رأسها الانخفاض المتدرج لإنتاج النفط.

ولذلك سارعت هذه الحكومات وطرحت في أكثر من مناسبة مجموعة من المقترحات لتحديد آلية العمل التي يجب أن تتبع بعد الإعلان عن رفع أسعار المشتقات النفطية، وتخصيص المواطن السوري بكميات محددة لمادتي  المازوت والبنزين بأسعار مدعومة.

ويكون من الظلم الحديث عن أسباب الأزمة، إذا تم تناولها خلال الفترة الأخيرة من عمر الحرب في سوريا، لأن أي مشكلة لها مقدمات وأسباب ونتائج، حتى نصل إلى المشهد الحقيقي لجذور أزمة الوقود في سوريا، وانعكاساتها وآثارها على الشعب السوري.

صدمات القطاع النفطي

قبل اندلاع الحرب في سوريا كانت صادرات قطاع الصناعات الاستخراجية هي المصدر الرئيسي للقطع الأجنبي وإيرادات الموازنة العامة للدولة، وكانت الصدمة الأولى التي تلقاها القطاع هي انسحاب الشركات الأجنبية في أعقاب فرض العقوبات على هذا القطاع في عام 2012، وقاد ذلك إلى تراجع في الإنتاج من 386 ألف برميل يومياً إلى ما يقارب 170 ألف برميل يومياً في عام 2012.

كما أدى تفاقم النزاع المسلح وغياب الأمن إلى الصدمة الثانية، وحصول تراجع في الإنتاج إلى مستوى متدن بلغ 17 ألف برميل يومياً في الربع الأخير من عام 2013، بينما الصدمة الثالثة ارتبطت باستعمال الثروات الباطنية كرأسمال للأطراف المسلحة التي سيطرت على مواقع الاستخراج والتكرير، وكانت الحاجة الأطراف المتنافسة إلى مصادر للإيرادات.

فقد ظل إنتاج الذي تسيطر عليه الحكومة  السورية من النفط عند حدود 10 آلاف برميل يومياً بين العامين 2014 و2016، ثم ارتفع إلى 29 ألف برميل في عام 2017 و43 ألف برميل في عام 2018 و44 ألف برميل في عام 2019.

ويمكن أن نعزي هذه الزيادة الملحوظة من خلال الحصول على النفط من خلال مناطق الإدارة الذاتية، وطرد تنظيم “داعش”، حيث اعتمدت الإدارة الذاتية على إيرادات النفط المستخرجة من الحقول الواقعة من المنطقة الشرقية في سوريا.

وهذه الاحصائيات تم الاستناد عليها من خلال تقرير صدر عن المركز السوري لبحوث السياسات “سوريا العدالة لتجاوز النزاع” ورصد التقرير آثار النزاع السوري (2016-2019  ) حيث اعتبر النفط مصدراً أساسياً لإيرادات الإدارة الذاتية، كما تتبادل الإدارة الذاتية جزءاً من النفط الذي تنتجه مع المناطق التي تسيطر عليها الحكومة  السورية، والمناطق التي تسيطر عليها المعارضة.

أما ما تبقى من هذا النفط الخام فيذهب لتغذية المصافي الواقعة في المنطقة الشرقية المسؤولة عن إحداث الكثير من التلوث، وإنتاج المشتقات النفطية غير الآمنة، التي توزع في عموم سوريا عبر شبكات اقتصاد النزاع، وتديرها أسماء عديدة في تلك الفترة ومقربة من الحكومة السورية، وهي عبارة عن  شبكة وساطة بين الحكومة السورية والأطراف المسيطرة على حقول النفط.

عجز كبير في المشتقات البترولية

وبما أن أسباب أزمة المحروقات في سوريا، لم تكن يوماً عبارة عن  قضية عابرة، بل أزمة لها تفرعات كثيرة، وعوامل داخلية وخارجية، فإن هذا الشتاء من العام الجاري سيشهد تأزما كبيراً، وفقاً للمعطيات الحالية، كما أن الأرقام الصادرة عن وزارة النفط السورية عن حجم الإنتاج “متباينة”، وبخاصة أن ما نسبته 90% من الاحتياطات النفطية تقع خارج سيطرة الحكومة السورية.

وقدرت  بيانات غير رسمية إنتاج سوريا من النفط الخام بنحو 70 ألف برميل يومياً، بينما حاجة سوريا اليومية من النفط بحسب الخبير الاقتصادي “سالم علي” تبلغ 170  ألف برميل يومياً، بحيث يتجاوز العجز من النفط نحو  70 في المئة في سوريا، بالمقابل فإن رئيس الحكومة السوري “حسين عرنوس” خلال دورة لـ (مجلس الاتحاد العام لنقابات العمال في سوريا) التي عقدت في الربع الأول من العام 2021 قال: “إن حاجتنا اليومية من النفط هي 200 ألف برميل، وإنتاجنا 20 ألف برميل فقط، ونقوم بتأمين الباقي من الخط الائتماني الإيراني”.

خط إيران الائتماني

بالمقابل فإن خط إيران الائتماني الذي أبرم ما بين الحكومتين السورية والإيرانية بخصوص توريد المشتقات النفطية كان قيمته بحدود 3 مليارات دولار لتمويل احتياجات سورية  من النفط ومشتقاته، حيث  ينص الاتفاق على تزويد سوريا بمليوني برميل شهرياً، إلا أن السؤال ما الثمن الذي تدفعه سوريا ، لقاء هذا الخط؟

كان الجواب واضحاً على لسان مستشار وزارة الاقتصاد الإيرانية “ميثم صادقي” حين  ذكر في معرض نفيه لتوقف خط الائتمان النفطي الإيراني لأسباب مالية، أن خط الائتمان النفطي ينص صراحة على “تسديد الديون على شكل استثمارات إيرانية في الأراضي السورية”.

استمرار الأزمة

وتوقع الخبير الاقتصادي “عمار عابد” أن المعطيات المتوفرة حول حلول قريبة لأزمة المحروقات في سورية، تؤكد على استمرار الأزمة، لأسباب عديدة منها فقدان الحكومة السورية، للكميات القليلة التي كانت تصلها من مناطق إنتاج النفط التي تسيطر عليها القوات الكردية تحت إشراف أميركي، كما أن قانون “قيصر” ساهم في تشديد الخناق على استيراد النفط من دول الجوار.

وأوضح عابد لموقع (الحل نت) أن أسعار المشتقات النفطية  في مناطق الحكومة السورية تخضع لسعرين، منها للمشتقات المدعومة التي تُوزع بحصص من خلال  “البطاقة الذكية”، وآخر السعر الحر لهذه المشتقات و يسيطر عليها شبكات من تجار الحرب التي تتعاون مع جهات متنفذة داخل الحكومة السورية نتيجة تفشي ظاهرة الفساد.

أسعار المحروقات

وللمرة الخامسة تعلن وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك في الحكومة السورية عن رفع أسعار المحروقات، وتحديد سعر ليتر البنزين “أوكتان 95” بثلاثة آلاف ليرة سورية، بينما ارتفع المازوت المدعوم بأكثر من مئة في المئة من 180 ليرة إلى 500 ليرة.

وتم تحديد سعر المازوت الصناعي والتجاري للمنشآت الصناعية الخاصة والفعاليات التجارية والخدمية الخاصة الموزع من قبل شركة محروقات ومراكز التوزيع الأخرى في جميع مناطق الحكومة السورية بـ 1700 ليرة سورية لليتر الواحد، بالمقابل فإن شراء مادة المازوت من السوق السوداء يصل سعرها نحو 4000 ليرة سورية، لليتر الواحد.

ربط الأجور بالأسعار

بدوره اقترح عضو نقابة النفط في  اتحاد عمال دمشق (فضل عدم ذكر اسمه)  بضرورة ربط الأجور بالأسعار أي تحرير الأجور مع الأسعار.

وسأل: ما دامت الحكومة السورية لديها القدرة على السيطرة لتحديد مستوى المعيشة للمواطنين، فلماذا لا يكون بمقدورها السيطرة على عمليات التهريب الاتجار  بمادة المازوت؟

وأشار إلى أن 50  ليتر مازوت كمخصصات للأسرة الواحدة والتي يتم الحديث عنها، لا تكفي سوى أسبوع واحد فقط  إذا اعتبروا هذه الأسرة تسكن في المناطق ذات الجو المعتدل، فالأسر القاطنة في المناطق الجبلية والداخلية الباردة تحتاج لأكثر من 500  ليتر من مادة المازوت.

شاركها على ...
كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول اقتصاد