ماذا تبقى من تنظيم القاعدة؟

ماذا تبقى من تنظيم القاعدة؟
أستمع للمادة

نجا تنظيم القاعدة من تدهور كبير بعد مقتل مؤسسيه الرئيسيين: الفلسطيني عبد الله عزام، والسعودي أسامة بن لادن، الزعيم الثري الذي شرعته هالته اليمنية.

وقد قُتل الاثنان في باكستان، بفارق 22 عاماً، حيث قتل عزام في بيشاور في تفجير عام 1989، بينما قتل بن لادن في أبوت آباد تحت نيران “الكوماندوز” الأمريكية في عام 2011.

ووفق ما ترجم (الحل نت) عن موقع “orient xxi” الفرنسي، فقد دفع سقوط إمارة طالبان الإسلامية في أفغانستان، بعد التدخل الأمريكي في عام 2001، بن لادن ورجاله مرة أخرى إلى طرق المنفى. وبعد أن حُرم بن لادن من جنسيته السعودية ومن ملجأه السوداني قبل سنوات قليلة، وجد نفسه بلا مأوى. ثم لجأت عائلته، مع جزء من القيادة العليا للتنظيم، إلى إيران، حيث لا يزال البعض موجوداً حتى اليوم، مثل المصري سيف العدل. أما بالنسبة لابن لادن، فقد عبر الحدود مع آخرين إلى باكستان المجاورة. لكن بدلاً من أن تنطفئ ناره، قام بتصدير القاعدة من أجل البقاء، على إثر تدخل عسكري أمريكي آخر لكن هذه المرة في العراق، وبذلك بثّ حياة جديدة في التنظيم الإرهابي.

كانت العراق (بلاد ما بين النهرين) المكان الذي وصلت إليه أولى صادرات التنظيم، مع إنشاء “القاعدة في بلاد ما بين النهرين”، تحت قيادة الأردني أبو مصعب الزرقاوي في العام 2003، والذي كان قد رفضه بن لادن قبل ذلك بسنوات قليلة في أفغانستان، ولكن تم قبوله لاحقاً في صفوف القاعدة بعد هزيمة طالبان والتدخل الأمريكي في العراق عام 2003. وبعد عبوره إيران، استقبل الزرقاوي من قبل أول الجهاديين في العراق.

التدخل الأمريكي قلب جذرياً ميزان القوى! فابن لادن الذي فقد جزءاً كبيراً من الدعم والوسائل والشبكات التي كان يتمتع بها قبل 11 سبتمبر 2001، بات يحتاج إلى الزرقاوي. وفي هذه المعادلة، فإن الفرع العراقي الجديد هو الذي سيدعم مركز القاعدة مالياً، مع ضمان استمرار وجوده وتجنيده على الساحة الدولية.

عام 2003 كان هناك جدل داخل قيادة تنظيم “القاعدة” حول المصالح التي يمكن جنيها من فرع عراقي بقيادة الزرقاوي. غير أنه سرعان ما انتهى ذلك الجدل، لأن الزرقاوي قتل على يد القوات الأمريكية في 2006. وبعد بضعة أشهر، اتحدت مجموعات عراقية مختلفة، بما في ذلك تنظيم القاعدة في بلاد ما بين النهرين، مع فصائل عشائرية سنية أخرى لتشكيل دولة العراق الإسلامية، “جنين” داعش الحالية.

وبالتالي، فإن الفرع العراقي للقاعدة اندمج في هذا التشكيل الجديد. وعلى الرغم من أن الزرقاوي ليس مؤسس “داعش”، إلا أنه والدها الروحي. وفي عام 2007، أعلن أيمن الظواهري، الرجل الأول في القاعدة حالياً، أن القاعدة لم يعد لها وجود في العراق. وبالنسبة للبعض داخل التنظيم، كان من الضروري بالفعل أن ينأى التنظيم بنفسه عن أفعال ورثة الزرقاوي وأساليبهم. أما بالنسبة لآخرين، فإن القاعدة قد فقدت للتو بحسب الموقع الفرنسي، منطقة ذات إمكانات كبيرة لصالح مجموعة يمكن أن التغلب عليها. ولن تتمكن القاعدة من العودة إلى العراق مرة أخرى. ومن المؤكد أن استمرار هذا الانفصال يتسم بالطلاق الدموي بعد ست سنوات في سوريا والتوسع العالمي لداعش.

على جبهة المغرب

تعد الجزائر من أوائل الدول التي عانت من عودة بعض “الأفغان العرب” إلى أوطانهم في بداية التسعينيات، ليليها “العقد الأسود” بمآسيه ومن ثم العفو العام في عام 2002 الذي أنهى الحرب الأهلية. هذا دون الأخذ بعين الاعتبار المتعصبين بين الجهاديين الذين شكلوا عام 1998 “الجماعة السلفية للدعوة” بهدف “تنقية صفوف المتسللين والمنحرفين”. وقد أعلنت الجماعة السلفية للدعوة ولاءها لتنظيم القاعدة في عام 2007 تحت اسم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي. ومهندس هذه الجماعة هو المتوفى أبو مصعب عبد الودود دروكدال.

واجه الجيش الجزائري الجماعة منذ تشكيلها، مما أجبرها على البحث عن بدائل لمحمياتها الجبلية. وشهد عام 2009 خروج تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي من الأراضي الجزائرية مع تأكيد وجوده في شمال مالي، والمطالبة بالهجوم على السفارة الفرنسية في العاصمة الموريتانية نواكشوط.

وقد ساعدت الفوضى الأمنية التي سادت المنطقة بعد عام 2011، بحسب اعتبار الموقع، القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي وتنظيم القاعدة بشكل عام على أن يبصروا النور من جديد. فقد دعموا الحراك في الجزائر والمظاهرات في الخرطوم وباماكو عبر البيانات الصحفية. كما وجد تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي ملجأً له على الجانب التونسي من الحدود منذ عام 2011 مع “أنصار الشريعة”. ومن ثم تحت اسم “وحدة عقبة بن نافع”، التي تدعي العمليات نيابة عن تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي منذ عام 2015، بعد حل “أنصار الشريعة”.

لقد لجأ العديد من أعضاء هذه المجموعة إلى “أنصار الشريعة” في ليبيا، في حين أن المئات منهم قد انطلقوا بالفعل من تونس وليبيا إلى بلاد الشام، وخاصة للانضمام إلى صفوف تنظيم القاعدة منذ عام 2012، ومن ثم تنظيم داعش منذ عام 2013. وكانت الروابط قوية للغاية بين النسختين من أنصار الشريعة. كما كان أبو عياض التونسي بجانب محمد الزهاوي، أمير أنصار الشريعة في ليبيا، عندما قتل أثناء القتال في بنغازي عام 2015، في مواجهة الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر.

فشل استراتيجي

مني تنظيم القاعدة عام 2016 بفشل ذريع في سوريا صيف 2016، والمسؤول الرئيسي عن هذا الفشل كان السوري أبو محمد الجولاني. فقد كان الأخير يقاتل في البداية في صفوف تنظيم داعش العراق، عندما اندلع الحراك في سوريا. وفي عام 2012، قرر أبو بكر البغدادي إعادته إلى بلده الأصلي مع حفنة من الرجال ونصف خزينة التنظيم والتي كانت ضعيفة جداً في ذلك الوقت.

استغل الجهاديون الظروف المواتية والشبكات اللوجستية الموجودة مسبقاً في سوريا لاتخاذ ما يلزم، حيث جندوا العديد من المقاتلين لتشكيل جماعة أطلقوا عليها اسم “جبهة النصرة” والتي أصبحت من أكثر الجماعات فاعلية في خليط تشكيلات الجهاديين في سوريا.

وفي عام 2012، وصل أول المقاتلين الأجانب إلى الأراضي السورية. وأخذ الجولاني المزيد من الحرية ورفض تنفيذ أوامر معينة تعتبر “غير شرعية” من التسلسل الهرمي العراقي، ليعلن البغدادي حل جبهة النصرة والدولة الإسلامية في العراق، ثم إنشاء داعش في أوائل عام 2013. وقد رفض الجولاني ذلك وبايع تنظيم القاعدة وخليفة بن لادن أيمن الظواهري. وبذلك، أصبحت جبهة النصرة رسمياً الفرع السوري لتنظيم القاعدة ودخلت في حرب مفتوحة ضد داعش. وعلى مدى شهور، خسر رجال الجولاني الحرب الجهادية ضد داعش، التي تحولت إلى خلافة في صيف 2014، ووجدوا أنفسهم محصورين في منطقة إدلب ومحيطها.

ونأت جبهة النصرة بنفسها عن تنظيم القاعدة في عام 2016، أولاً باتفاق متبادل عندما أعلن أحد كبار مسؤولي القاعدة، أبو الخير المصري، جنباً إلى جنب مع الجولاني، الانفصال بين الكيانين.

لكن الجولاني سرعان ما قطع هذا الترتيب، وانتهى الأمر بمطاردة جماعته قادة وأعضاء القاعدة في جيب إدلب، والعديد منهم مسجونون الآن، ناهيك عن الذين تم قتلهم. حيث يستمر الجولاني بتقديم تعهدات للمجتمع الدولي.

تنظيم القاعدة لديه خلفية إرهابية بقدر ما له خلفية سياسية، والإرهاب ليس سوى وسيلة لخدمة هدف سياسي. ولطالما سعت القاعدة إلى الانغماس في مناطق كانت غالباً ساحات حرب. وكان هذا هو الحال في أفغانستان والصومال واليمن والعراق وسوريا ولبنان ومالي إلخ.

إن ضرب “العدو القريب أو العدو البعيد” هو في النهاية مسألة فرصة وظروف، وهو دائماً في خدمة المشروع الجهادي للقاعدة. وقد أكد عنابي، رئيس تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي الآن، اللامركزية المفرطة للتنظيم بقوله: “إن تنظيم القاعدة المركزي يكتفي بإعطاء التوجيهات العامة التي تحاول الفروع اتباعها بوسائلها الخاصة”. وبالتالي، فإن الأمر متروك لكل فرع لإدارة عملياته اليومية، وتحالفاته وأمواله، مما لا يمنع المساعدة المتبادلة بين الفروع ومع تنظيم القاعدة المركزي، ولا المشاورات على مختلف المستويات وداخل لجنة “حطين”، التي تجمع الشخصيات الرئيسية من التنظيم.

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول سلايد