حزب الله في القصير: هل بات ريف حمص صالحاً للحياة بعد أعوام من انتهاء المعارك؟

حزب الله في القصير: هل بات ريف حمص صالحاً للحياة بعد أعوام من انتهاء المعارك؟
أستمع للمادة

بعد تواجد حزب الله في القصير وسيطرته عليها عام 2013، شهدت المدينة الواقعة في الريف الغربي لحمص أول عملية تهجير قسري في الحرب السورية. وجاء التهجير بعد معركة القصير التي استمرت قرابة ثمانية وعشرين يوماً، بين مقاتلي المعارضة المتمركزين في المدينة من جهة. وميلشيا حزب الله اللبناني والقوات النظامية السورية من جهة أخرى. اتُبعت فيها سياسية الأرض المحروقة. فتم تدمير معظم المدينة والقرى التابعة لها. والتي يقدّر عددها بنحو سبعين قرية وبلدة.

اليوم، وبعد ثماني سنوات على تواجد حزب الله في القصير، كيف غدت المدينة بعد تهجير أهلها؟

موقع «الحل نت» أجرى عدداً من اللقاءات مع بعض سكان القصير النازحين عنها، والإعلاميين والمحللين المتابعين لأخبارها وأخبار من تبقى من أهلها.

القصير إقطاعية للمخدرات

“محمد الأكسح”، وهو  من سكان مدينة القصير النازحين الى بلدة “عرسال” اللبنانية، يقول إن «القصير اليوم خاوية على عروشها،  لا أحد يسير في شوارعها إلا قلة قليلة من السكان ومقاتلي حزب الله اللبناني. بينما تنتشر الحيوانات الضالة والقمامة والدمار في كل شوارع المدينة والقرى التابعة لها» .

ويضيف: «تواجد حزب الله في القصير جعلها أشبه بثكنة عسكرية كبيرة ومغلقة لصالح الحزب. مع وجود لا يذكر للقوات النظامية. فقد أقام الحزب مئات الحواجز العسكرية والثكنات والمقرات. وحوّل مزارع المنطقة، التي كانت تزرع فيها مختلف أنواع الخضروات والمحاصيل، إلى زراعة مادة القنب الهندي أو الحشيش. من أجل تصديره الى لبنان. حيث تتم معالجته هناك. تمهيداً لتصديره الى دول العالم المختلفة».

بدوره يقول الإعلامي “فادي سوني” لموقع «الحل نت» إن «ما تعرف بـ”سرايا المقاومة” في حزب الله. وتجّار حشيش موالين للحزب، يزرعون مادة الحشيش. في مساحة تقدّر بحوالي مئة كيلو متر مربع. في الأطراف الغربية للقصير».

وأضاف أن «هذه المساحة تتوزع على أطراف المدينة وضفاف نهر العاصي». لافتاً إلى أن «أبرز أماكن زراعة الحشيش هي قرى “الأذنية” و”أبو حوري” و”الصفصافة” و”الحمّام” و”بلوزة” و”حاويك” و”العقربية” وبساتين “تلّ أحمر” و “دوسر”. وهكذا فإن تواجد حزب الله في القصير أدى لتحويلها إلى ما يشبه إقطاعية للمخدرات».

كما أشار  إلى أنّه «حصل على معلومات تفيد بنقل عشرات الأطنان من مادة الحشيش، خلال الاعوام  الماضية، إلى ميناء العاصمة اللبنانيّة بيروت. مروراً بمناطق البقاع القريبة من الحدود السورية».

هل يسمح حزب الله في القصير بعودة النازحين؟

تتناقض الروايات المقدمة من المعارضة والحكومة السورية حول عدد دفعات السكان العائدين إلى مدينة القصير. غير أن الثابت، بحسب نشطاء ومنظمات حقوقية، أن عدد من عادوا إلى الآن لا يتجاوز نحو أربعة عشر ألف مدني.  معظمهم، كما تقول رواية المعارضة، من الموالين للحكومة السورية. سواء الموظفين الحكوميين أو غيرهم. من الذين سيق أن نزحوا إلى مدن وبلدات القلمون وحمص ودمشق وغيرها. وتستند رواية المعارضة الى حقيقة ثابتة، وهي  أن آلاف العائلات النازحة إلى لبنان تقدّمت بطلبات عودة إلى القصير. لم يتم الموافقة عليها حتى ساعة كتابة التقرير.

وقد وجهت الحكومة السورية عدة دعوات للاجئين السوريين في دول الجوار. وتحديداً في لبنان. للعودة الى منازلهم كما وجه الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، في شهر أيلول/سبتمبر من عام 2019، دعوة لسكان القصير للعودة الى منازلهم. قائلاً «ليست لدينا أية مشكلة في عودة النازحين من اهالي القصير الى بلداتهم وقراهم».

من جانبهم يرى ناشطون معارضون أن هذه الدعوات مجرد خطابات فارغة. فالصحفي الحمصي  “مهران طه” يؤكد لموقع «الحل نت»  أن «رواية الحكومة السورية، حول سماحها بعودة النازحين. وترحيبها بهم. والعمل على تأمين البيئة المناسبة والحياة الكريمة لهم. لم تنعكس على أرض الواقع. فقد تقدّم آلاف من سكان القصير النازحين الى لبنان بطلبات للعودة الى منازلهم. ولكنها قوبلت بالرفض. ويمكن ربط هذا الرفض بأعمال ونشاطات حزب الله في القصير».

كما يتابع “طه” أن «من سُمح بعودته من سكان القصير هم من النازحين داخل سوريا. وتحديداً من يقطنون المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة السورية. ومن الملاحظ أنه لم توجّه أية دعوة بالعودة لسكان القصير النازحين إلى الشمال السوري. الخاضع لسيطرة المعارضة. وهكذا فالعائدون لا يمكن أن يشكلوا خطراً على تواجد حزب الله في القصير».  

ماذا يقول العائدون إلى القصير؟

ويقول من عاد للقصير إنه  لا يوجد في البلدة ماء صالح للشرب ولا كهرباء ولا خدمات ولا بنى تحتية. فقد دمّر القصف العنيف معظم شبكات الكهرباء. إضافة لحملات السرقة المنظمة “التعفيش”، التي قام بها مقاتلو القوات النظامية السورية وحزب الله. فضلاً عن المقاتلين الموالين للحكومة من ميلشيات الشبيحة. فتمت سرقة كل شيء في المنطقة. من أسلاك الكهرباء وصولاً لمقتنيات المنازل. وهكذا فبعد مرور سنوات على تواجد حزب الله في القصير لا يبدو أن المنطقة تمتلك الحد الأدنى من أساسيات الحياة.

من جانبه يقول “أبو علي”، وهو اسم مستعار لموظف حكومي من سكان القصير. نزح عام 2013 إلى بلدة “حسياء” بريف حمص الجنوبي. وفضّل غدم الكشف عن اسمه لدواعٍ أمنية، إنه «عاد الى منزله الكائن في الحي الغربي من مدينة القصير. في شهر أيلول/سبتمبر من عام 2019، ليتفاجأ بأنه مدمّر بالكامل».

 ويضيف: «أصابني الذهول من حجم الدمار. وانتشار القوارض والكلاب الضالة  في شوارع المدينة. وجود حزب الله في القصير جعلها غير صالحة للسكن البشري. ما دفعني للعودة إلى “حسياء”».

إلا أن كثيراً من الأهالي حاولوا إعادة تأهيل منازلهم، رغم وجود حزب الله في القصير، بما تيسّر لهم من إمكانات شحيحة. بانتظار وصول مساعدات لهم من جهات خيرية أو حكومية.

كما بدا مجلس المدينة عاجزاً عن القيام بمهماته في إعادة تأهيل البنية التحتية. بسبب حجم الدمار الذي حلّ بالمدينة. إذ تقدّر نسبة الأضرار في البنى التحتية بنحو 50%. في حين تصل نسبة دمار المنازل في بعض الأحياء إلى 80%. مثل الحيين الشمالي والغربي لمركز مدينة القصير، حيث كان يتمركز مقاتلو المعارضة. وتنخفض نسبة الضرر إلى أقل من 5% في الحي الشرقي، الذي لم يخرج عن سيطرة القوات النظامية. وتتمركز في هذا الحي المقرات الأمنية والموالون للحكومة من المدنيين، الذين سُمح بعودتهم. فضلاً عن أنه المركز الأساسي لمقرات حزب الله في القصير. وهكذا تقتصر الحياة في المدينة على هذا الحي. فيما بقيت الأحياء الأخرى مدمرة وميتة تماماً.

ما سبب حرص حزب الله على القصير؟

مصادر محلية من القصير قالت لموقع «الحل نت» إن «معظم العائدين. بمن فيهم الموالون للحكومة السورية. خضعوا للتدقيق والمراقبة الأمنية. لضمان عدم قيامهم بأي نشاط ضد حزب الله في القصير. وهذا ما يجعل مُهجّري المدينة الى لبنان يخشون من تعرّضهم للملاحقة الأمنية أو السجن أو القتل على أحد حواجز حزب الله أو الحكومة السورية. وخصوصاً في حال مطالبة بعض السكان بأراضيهم أو منازلهم، التي تحوّلت لمقرات يستعملها حزب الله في القصير. او حتى إذا أبدوا امتعاضهم من الإتاوات التي يفرضها الحزب على أهالي المدينة».  

وتقع مدينة القصير غربي مدينة حمص. على بعد عشرة كيلومترات من الحدود السورية اللبنانية. وتبلغ مساحتها ستمئة كيلو متر مربع. وتضّم أكثر من سبعين بلدة وقرية. إلى جانب مركز المدينة. ويقدّر عدد سكانها بنحو خمسة وستين ألف نسمة. غالبيتهم العظمى من المسلمين السنة. مع أقليات مسيحية وعلوية وشيعية

 مقالات قد تهمك: أهالي القصير… بيوتهم تسكنها عائلات «حزب الله» والعودة لمن شارف على الموت

وتكتسب منطقة القصير، التي يمرّ فيها نهر العاصي، قادماً من منطقة “الهرمل” اللبنانية، أهمية استراتيجية لدى حزب الله. لوقوعها على طريق حمص – بعلبك الدولي. وربطها منطقة البقاع اللبناني بمحافظة حمص وسط سوريا. عبر معبر “جوسية”. كما تعدّ أحد مراكز التبادل التجاري بين محافظة حمص وشمالي لبنان. يعزز ذلك قربها من القلمون بريف دمشق. وترتبط بـ”وادي ربيعة”، الذي يبدأ في جبال القلمون لينتهي عند نهر العاصي. ولذلك فإن تواجد حزب الله في القصير يضمن سيطرته على واحدة من أهم المناطق الحدودية السورية-اللبنانية.

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير وتحقيقات