الضربات الإسرائيلية ضد الميلشيات الإيرانية في سوريا: إلى أين ستصل المواجهة؟

الضربات الإسرائيلية ضد الميلشيات الإيرانية في سوريا: إلى أين ستصل المواجهة؟
أستمع للمادة

الضربات الإسرائيلية ضد الميلشيات الإيرانية في سوريا تبدو أشبه بحرب منظّمة. تسعى تل أبيب من خلالها إلى منع إيران من التمركز في مناطق معينة. ونصب أسلحة استراتيجية فيها، قد تهدد أمن إسرائيل. وذلك بناءً على رصد دقيق ومستمر لكافة تحركات الإيرانيين، والميلشيات متعددة الجنسيات الموالية لهم في سوريا. ويؤكد بعض المحللين العسكرين أن تحديد نقاط الاستهداف يتم اعتماداً على نظرية عسكرية إسرائيلية، تدعى “الحرب بين الحروب”.

وتنطلق هذه النظرية، التي صاغها رئيس الأركان الإسرائيلي السابق “جادي إيزنكوت”، من فكرة الاستهداف الموضعي والدقيق للإيرانيين في سوريا، لمنعهم من التقدم إلى المناطق المحاذية للشريط الحدودي مع إسرائيل. وسط تعدد اللاعبين العسكريين والسياسيين على الأرض السورية.

ومع تكثيف الضربات الإسرائيلية ضد الميلشيات الإيرانية عمدت الأخيرة إلى تغيير بعض تكتيكاتها العسكرية. من خلال البحث عن حلول بديلة لتأمين تدفّق السلاح إلى مناطق نفوذها في الشرق الأوسط. وفي سوريا بشكل خاص. فقد شرع فيلق القدس، الذراع الخارجية للحرس الثوري الإيراني، بتهريب معدات قتالية. مثل صواريخ أرض – أرض قصيرة ومتوسطة المدى. إضافة إلى الطائرات المسيّرة. وذلك من خلال تمريرها عبر قوافل نقل المساعدات الإنسانية الموجهة للسوريين.

إلى متى ستستمر الضربات الإسرائيلية ضد الميلشيات الإيرانية؟

“وجدان عبد الرحمن”، القيادي في “حزب التضامن الديمقراطي الأحوازي” المعارض لطهران، أكد لموقع «الحل نت» أن «إيران مستمرة في إرسال المقاتلين والسلاح إلى سوريا، التي تعتبرها خط الدفاع الأول في معركتها مع إسرائيل. ويتزامن هذا الدفع العسكري المستميت مع زيادة التهديدات الإسرائيلية، واستهدافها العمق الإيراني. عبر الطائرات المسيّرة والحرب السيبرانية».

ويتابع بالقول: «إيران اليوم باتت بحاجة لجبهة قوية. وخاصة في الخط الأمامي في مواجهتها مع إسرائيل. وسوريا بالنسبة لها أحد الخطوط المتقدّمة والمهمة، وستبقى تعمل على إيصال العناصر والسلاح إليها. وسنشهد في القريب العاجل مزيداً من تصعيد تحركات طهران. رغم الضربات الإسرائيلية ضد الميلشيات الإيرانية».

وكانت إسرائيل قد أعلنت أنها ستستهدف شحنات السلاح الإيراني. ولن تسمح لإيران بالتفوّق العسكري على إسرائيل، عبر إيصال الطائرات المسيّرة إلى ميلشياتها. أو الصواريخ الذكية، القصيرة ومتوسطة المدى. لذلك ستعمد إسرائيل والتحالف الدولي ضد الإرهاب لرفع وتيرة استهداف الإيرانيين وحلفائهم. خاصة بعد أن أقدمت ميليشيات مرتبطة بإيران على استهداف قاعدة “التنف” العسكرية. التابعة للتحالف الدولي.

“عبد الرحمن” يؤكد أن «شحنات الأسلحة تصل الميلشيات الإيرانية عبر الحدود الإيرانية-العراقية. دون تعرّضها لأي مسائلة من الجانب العراقي. ومنها إلى سوريا عبر معبر القائم-البوكمال الحدودي مع محافظة دير الزور. إضافة إلى معابر عديدة، عملت إيران على انشائها مؤخراً. وذلك منذ سيطرتها على مدينة البوكمال بشكل كامل. وتقوم إيران بتهريب السلاح عبر عربات نقل المحاصيل الزراعية والخضار، من وإلى العراق. مموهةً العربات المستخدمة في ذلك. وبهذا تراوغ الضربات الإسرائيلية ضد الميلشيات الإيرانية».

ويضيف السياسي الأحوازي أن «الضربات الإسرائيلية ضد الميلشيات الإيرانية ستستمر للحد من انتشار تلك الميلشيات. وقطع خطوط إمدادها بالسلاح. وإيران تعتبر نفسها في معركة مفتوحة مع إسرائيل. ولا شك بأنها ستعرّض بسبب هذا بعض قطاعاتها العسكرية للاستهداف المباشر. ولكن من المستبعد أن تمنع الضربات الجوية الإسرائيلية تدفق السلاح إلى سوريا ولبنان. والمتضرر الوحيد من كل هذا هو المواطن السوري. والبنية التحتية المستهدفة من قوى الصراع».

للقراءة أو الاستماع: نتيجة غير متوقعة يتسبب بها القصف الإسرائيلي المتكرر على سوريا

الميلشيات الإيرانية والثغرة العراقية

وفي ضوء استراتيجية طهران في مراوغة الضربات الإسرائيلية ضد الميلشيات الإيرانية يرى “د.نعمان الهيتي”، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، أن «هنالك مطالبة دولية بتخفيض نفوذ الأحزاب الموالية لطهران في العراق. والتي تلعب دوراً كبيراً في تهريب الأسلحة لسوريا. ولكن هناك خللاً بنيوياً في مؤسسة الدولة العراقية. نتج بسبب موافقة النظام السياسي العراقي على وجود قوى منافسة للدولة. أغلبها نشأت أو تطوّرت في إيران. ثم انتقلت إلى الداخل العراقي سنة 2003».

مبيناً، في حديثه لموقع «الحل نت»، أن «المنافذ الحدودية بين العراق وإيران، والعراق وسوريا، التي يُمرّر من خلالها السلاح، تدار شكلياً من قبل الحكومة العراقية. لكن المسيطر الفعلي عليها هو الميلشيات الموالية لإيران. وبالتأكيد فإن طهران هي المستفيد الأكبر من الخلل في النظام السياسي العراقي. الذي يمكّنها من تحويل العراق إلى حديقة خلفية لها. تمرر من خلالها ما تشاء. من العمق الإيراني وحتى الحدود الإسرائيلية. مروراً بكل مناطق سوريا ولبنان. وبالتالي يسمح لها هذا بخوض حرب استنزاف طويلة. وتحمّل الضربات الإسرائيلية ضد الميلشيات الإيرانية. وكل ذلك على حساب معاناة شعوب المنطقة. وعلى رأسها الشعب السوري والعراقي واللبناني».

المستفيدون من شحنات السلاح الإيراني

ولكن من  المستفيد من شحنات الأسلحة الإيرانية المسرّبة إلى سوريا؟ ولأجل مَن تراوغ طهران الضربات الإسرائيلية ضد الميلشيات الإيرانية؟

تشير عدة مصادر متطابقة إلى شخصية “علي عساف”. وهو لبناني الجنسية، انخرط في صفوف حزب الله اللبناني. وانتقل للعمل في ميلشيا فيلق القدس الإيراني. وتم توكيله، من قبل قياده الحرس الثوري، بتدريب ميلشيات محلية في سوريا على استخدام الصواريخ من طراز “أرض – أرض”، قصيرة ومتوسطة المدى. وتوزيع المقاتلين، بعد خضوعهم للتدريبات، على جبهات تدمر وحلب ودمشق. وفقاً للمتغيرات العسكرية.

كما ترسل إيران الشحنات إلى “لواء الإمام الحسين”. المكوّن من مجموعات قتالية من جنسيات متعددة (أفغانية وعراقية وإيرانية). وينشط اللواء في مناطق تواجد الفرقة الرابعة، التابعة للقوات النظامية السورية، والتي يقودها ماهر الأسد، شقيق الرئيس السوري بشار الأسد، المحسوب على المشروع الإيراني.

للقراءة أو الاستماع: ارتفاع وتيرة القصف الإسرائيلي على سوريا.. هذه هي الأسباب

هل تتحوّل الضربات الإسرائيلية لاجتياح بري؟

من جهته يعمد الجيش الإسرائيلي إلى إجراء مناورات بكافة صنوف الأسلحة. بالقرب من الشريط المحاذي لمنطقة الجولان المحتلة. منذ صيف عام 2018. بعد إجراء تسوية مع فصائل المعارضة السورية. وتتضمّن التدريبات محاكاة لسيناريوهات اجتياح بري داخل الأراضي السورية. في حال رفعت طهران التصعيد العسكري مع إسرائيل. ما يشير إلى أن تل أبيب مستعدة لتصعيد الضربات الإسرائيلية ضد الميلشيات الإيرانية. لتشمل ما هو أكثر من الغارات الجوية المركّزة.

وتعليقاً على هذا يرى العميد “فاتح حسون”، الذي يشغل منصب “القائد العام لحركة تحرير الوطن” المعارضة، أن «الضربات الإسرائيلية ضد الميلشيات الإيرانية تضعف الأخيرة بعض الشيء. لكنها لاتحدّ من نشاطها. نظراً لأنها باتت تتبع اساليب أكثر ديناميكية في مواجهة التحديات العسكرية. إذ أن الميلشيات تركز أكثر على دعم التحصينات الهندسية، وحفر الأنفاق، وتطبيق أساليب التمويه بشكل واسع. كما أنها باتت تعتمد على زيادة الترسانة الصاروخية بشكل أكبر. وتوزيع نقاط التخزين. لتدارك النقص الحاصل في العتاد بسبب الضربات الجوية الإسرائيلية. إضافة إلى زيادة عدد مقرات التمركز المحصّنة في الموقع الواحد. وزيادة المساحة بين المقرات».

ويضيف في حديثه لـ«الحل نت»: «الميليشيات الإيرانية باتت تعتمد النقل المموّه للعتاد والسلاح بشكل واسع. عبر الشاحنات المغلقة. مستترة بقوافل الإغاثة الإنسانية الدولية. وغيرها من قوافل الحركة التجارية. ومن بديهيات العلم العسكري أن الضربات الجوية تُضعف العدو الى حد ما. ولكنها لا تفرض السيطرة الأرضية. مما يسمح له باستعادة قواه في فترة محدودة. ولفرض السيطرة ومنع العدو من إعادة التموضع لابد من قوى برية. تستثمر الضربات الجوية. وتحتل المواقع المستهدفة بشكل مباشر. ومن هنا تأتي أهمية وخطورة التدريبات الأخيرة التي يجريها الجيش الإسرائيلي. والتي تدلّ على استعداد تل أبيب لتصعيد الضربات الإسرائيلية ضد الميلشيات الإيرانية لتشمل بعض العمليات البرية».

شكوك في جديّة الضربات الإسرائيلية ضد الميلشيات الإيرانية

إلا أن “حسون” يستدرك بالقول: «من اللافت أن كثيراً من عمليات نقل الأسلحة الإيرانية إلى سوريا باتت تتم بحراً عبر مرفأ اللاذقية. في حاويات مغلقة. ويتم تمريرها بين مختلف البضائع الواردة إلى هناك. ولكن إسرائيل لم تستهدف المرفأ حتى الآن. وهذا يطرح أسئلة عن مدى جديّة إسرائيل في تقزيم الدور الايراني في سوريا. وخاصة إذا علمنا أنه بات يوجد أكثر من ثمانين موقعاً إيرانياً جنوبي البلاد. على مسافة أقل من ثمانين كيلومتراً من الحدود الإسرائيلية. وربما يشير هذا إلى تخبّط في استراتيجية تل أبيب، رغم كل الضربات الإسرائيلية ضد الميلشيات الإيرانية في سوريا».

مقالات قد تهمك: الوجود الإيراني في حمص: من المنتصر بالمعركة الإسرائيلية-الإيرانية على الأرض السورية؟

يبدو أن المتغيرات التي فرضتها الحرب السورية قد جعلت إسرائيل تعتبر إيران خطراً مباشراً وكبيراً على وجودها. وتسعى، عبر الضربات الإسرائيلية ضد الميلشيات الإيرانية، للحد من مسعى طهران لتوسيع نفوذها الإقليمي. عبر استهداف أيّة بنية تحتية، يمكن أن تعزز مساعي إيران لإنتاج المزيد من الصواريخ دقيقة التوجيه، أو أي إمكانيات عسكرية يمكن أن تضعف التفوّق العسكري الإسرائيلي في المنطقة. على الجانب الآخر تلجأ إيران إلى المراوغة والتمويه بكل الوسائل، لمداراة تحركاتها العسكرية الطموحة. ومن الواضح أن مستقبل المنطقة مفتوح على كل الاحتمالات الميدانية. وسط صراع طويل المدى بين الطرفين.

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير وتحقيقات