الوحش تحت السرير أو كيف تقنعنا “الأمومية” بتصديق كوابيسنا

الوحش تحت السرير أو كيف تقنعنا “الأمومية” بتصديق كوابيسنا
أستمع للمادة

انتشرت مؤخراَ مشاهد لدمية عملاقة، تسمّى “أمل”، يُفترض أنها تمثّل طفلة سورية تائهة تبحث عن أهلها، من الحدود السورية-التركية حتى عواصم دول في الاتحاد الأوروبي. ”أمل“ عمل فنّي مثير للدهشة بكل المقاييس. فهي تُبدي حالة من الضياع وقلة الحيلة، مما يثير شفقة الجمهور وتعاطفه. لكن، في الوقت نفسه، فإن مشهد الطفلة الاصطناعية العملاقة وهي تتمايل، بتعابير وجه لا آدمية، يجعلها تثير إحساساً عميقاً بعدم الارتياح. كأننا أمام منظر مشوّه (grotesque) يليق بفيلم رعب نفسي. بهذا تكون “أمل” مثالاً بليغاً عن صورة البشر في عصرنا: أطفال كبار مشوهون يبحثون عن أمهاتهم الضائعات. برعاية المنظمات والمؤسسات الحكومية وغير الحكومية “الرشيدة”. بحسها الأخلاقي الرفيع. والتي ستأتي في النهاية، بكل حنان وعطف. لتمدّ يدها و”تتبنى” حشود الأطفال الضائعة. في مشهد عائلي شديد الغرابة والسريالية.

يمكن اعتبار هذا نمطاً معاصراً من “الماترياركية”، أي المجتمع الأموي، الذي يتبدى في أيامنا فيما يقال إنه “التخلّي عن الأدوار النمطية”. فالأب المسيطر قد حلق شاربه الكث. وبات يظهر في الإعلانات والمسلسلات والأفلام مرتدياً مريول المطبخ. أو حاملاً لمكانس كهربائية من ماركات فاخرة. فيما تلعب مؤسسات ضخمة دور الأم الحنون، ترعى البشر الذين فقدوا ذويهم. وضيّعوا سياقاتهم الاجتماعية والثقافية المستقرة. إلا أن الأمومية المعاصرة لا تعني نهاية الأبوية فعلاً. بل ربما تكون نموذجاً جديداً لها.  

يصحّ وصف تلك المؤسسات الضخمة بـ”الأمومية” من حيث كونها موضوعاً للتذمّر والتشكّي. ومشجعاً عليهما. ولكن سلسلة “الأمهات” هذه. التي تُسمّى بـ”المنظمات غير الحكومية”، مرتبطة بنسق مترابط من الحوكمة، يمتد من داخل السلطة إلى خارجها. ويشمل كثيراً من الأجهزة المتضمّنة في الحكومات، أو الممولة منها بشكل غير مباشر. وهو نسق يمكن وصفه بالأبوي. الأمر ليس متناقضاً للدرجة التي يبدو عليها، فلطالما انبت سلطة الأمهات على قوة وحضور الأب في المجتمعات الأبوية. ولذلك أمثلة عديدة في التاريخ.

أمهاتنا الورعات

النموذج الأمومي له سوابق تاريخية عدة. لعل أهمها الكنيسة المسيحية. التي تمثّل أجلى مظاهر الثقافة الأمومية في مجتمع ذكوري. فهي تكرّس مخاوف الرعية حيال ذواتهم. تخبرهم مراراّ وتكراراّ كم هم مذنبون. وكيف أن المصائب، التي تحلّ عليهم، نتيجةُ لتقصيرهم تجاه الأم (الكنيسة) أولاً، والأب (رب الكنيسة) ثانياً.  

بهذا لا تضمن الأم/الكنيسة طاعة الرعية فقط. بل أيضاً تجعل من  نفسها قناة لمعالجة أي خلل في واقع السلطة. ناتجٌ عن التناقض الجوهري فيه: وجود طبقة (أو أي مجموعة اجتماعية) على رأس هرم السلطة والثروة يعني حتماّ أن هناك من يتم استغلالهم أو اضطهادهم بشتى الطرق. كي يبقى هرم السلطة قائماً كما هو. وعلى الرغم من أن القابعين في أسفل الهرم قد لا يكونون واعين باضطهادهم، فإنهم يشعرون، بشكل مباشر أو غير مباشر، بذلك الاضطهاد. الاستياء الناتج عن هذا الشعور لا يفنى من تلقاء نفسه. ولابد أن يتم تصريفه في اتجاه ما.

بحسب ما تظهر دراسة حالات البشر، الذين تعرّضوا لتجارب مؤلمة وصادمة، فإن الذات التي اختبرت الصدمة تُظهر ميلاً لاتهام  نفسها، بشكل مرضي-هوسي، بأنها السبب فيما حصل لها. إما لعيب جوهري فيها، أو لفشل ما في سلوكها. سعت الكنيسة فيما مضى إلى تزكية تلك النزعة للوم الذات، ورفعها لمستوى مؤسساتي، لتصبح أيديولوجيا الواقع المسيحي. وبذلك تضمن السلطات الكنسية أن أي رد فعل محتمل ضد الظلم سيكون موجهاً نحو الذات. وهكذا تؤمّن الأم-الكنيسة استمرارية “زمن السلطة” وعدم التشويش عليه، أو تعطيله من قبل أي محاولة لمقاومة الظلم، أو حتى الوعي به بوصفه ظلماً من الأساس.

يمكن اعتبار الثقافة الأمومية الحديثة الوريث الشرعي للنظام الكنسي. مع فرق أساسي: كان نموذج البشر في ظل المسيحية هو الطفل التائب العائد لأمه، ليطلب منها الغفران عن ذنوبه. دون أن يعي سبب معاناته. فيما تغرق الأمومية الحديثة أطفالها ببحور من الوعي بمأساتهم وظلمهم. وتشحذ قدراتهم على البكاء، والصراخ باسمها، اسمها هي فقط. دون أي إمكانية للغفران والخلاص.

تكمن اشكالية الثقافة الأمومية السائدة حالياً في قيامها بتمييع قدرة البشر على الفعل. وجعلهم أطفالاً لا حول لهم ولا قوة. عن طريق اقناعهم أن مخاوفهم وآلامهم صادقة وحقيقية تماماً. وتشكّل أساس وجودهم الاجتماعي. فيتم اختزال الذات بصدماتها وأمراضها. وكأن تلك الثقافة أمٌ تقول لأطفالها: «الوحش تحت السرير حقيقيٌ فعلاً. وسيأكلكم إذا لم تكونوا مطيعين». فيركض الأطفال نحو أمهم باكين ومتوسلين. لأنها وحدها من سيحميهم من الوحش.

صناعة الأطفال العصابيين

بالاستناد على أعمال مفكرين وعلماء نفس، من أمثال “سيغموند فرويد” و”فيلهلم رايش”، يمكن القول إن البشر، بشكل عام، لديهم مخاوفهم الطفولية، التي تحدّ من قدراتهم ورغباتهم. وبالتالي فإن عملية طفلنة البشر، التي تقوم بها الثقافة الأمومية المعاصرة، تجعل الناس أكثر عجزاً. مشلولين في مواجهة الوحوش الحقيقية أو المتخيّلة، التي تتربص بهم.  

بات البشر، بسبب التشجيع الثقافي المعاصر على التعبير عن المشاعر السلبية، من صدمة واضطهاد، يتوقعون وجود “الوحش” في كل زمان ومكان. مما يقلّل قدرتهم على الفعل البشري بشكل عام. تقلّصهم الأمومية الى عصابين غارقين في بارانويا الشك في الآخر والذات. ممتلئين بسوء النية والضغينة. ما نعنيه بتقليل قدرتهم على الفعل البشري هو حجب الأفراد/الأطفال عما يستطيعون فعله بوصفهم بشراً قادرين. يتم ذلك عن طريق دفعهم للإقرار بعجزهم التام أمام بحر من الظلم. فيصبحون فاقدي للأهلية بكل ما للكلمة من معنى. وتبقى الأهلية الكلية للمؤسسات، التي تقوم بالدور الأمومي معهم. هكذا يقتصر فعل الأفراد/الأطفال على التذمّر والتظلّم في تلك المؤسسات، التي يفترض بها أن تقدّم الرعاية والـ”حنيّة”. بوصفها مصدراً لأي قوة أو فعل.

كما أن هيمنة ثقافة الريبة ترهق وتفردن الذات، الى درجة انقطاع سبل التلاقي مع الآخر. فلا يبقى أي مجال للخروج من الذات الهشة إلا نحو آخر شبحي. هو إمّا شقيق منافس على اهتمام الأم (كما يحدث أثناء تنافس فئات مختلفة على إثبات أنها الأكثر تعرّضاً للظلم)، أو حليفٌ في الرثاء والحداد، أي في عدم الفعل.

لا يعني هذا أن كلّ من تعرّض للاضطهاد والظلم سيكون عصابياً بالضرورة. لكن من المنطقي القول إن ضحايا الاضطهاد أكثر عرضة لخطر العصاب.

هلوسات الدراما العائلية

تظهر الثقافة الأمومية للبشر (وخصوصاً لمن تعرّضوا للاضطهاد) أن أسوأ كوابيسهم حقيقية بالفعل. أي أنه لا مهرب من الوحش سوى حضن الأم (المؤسسات الراعية للتشكي والتذمّر)، الذي يكتسب قوته دوماً من حضور الأب (الدولة، الدين، المنظومات الاقتصادية والأيديولوجية السائدة). وبهذا يتحوّل الواقع الى مشهد مفزع من هلوسات دراما عائلية/منزلية: أطفال كبار يبكون، يصرخون في وجه أمهم (ولعلهم يشتمونها أيضاً)، بتهمة أنها حجبت عنهم ثديها. مطالبين بـ”حقهم الطبيعي” بالاهتمام والعناية. لتقوم الأم الحنون أخيراّ بإرضاعهم وتسكين بكائهم.

إن دفع المجموعات البشرية المهمشة، المهددة بالعصاب أصلاً، نحو بارانويا وهلوسات الطفولية ليس محلاً للنقد فقط بوصفه أذيةً لمجموعة معينة للبشر. عن طريق تحطيم قدرتهم على الفعل. بل إن تعطيل إمكانيات من هم في أسفل السلم الاجتماعي على الفعل والمقاومة يعني تعطيل المجتمع بأكمله. ما يحقق خمول البنية المجتمعية وسكونها، من خلال التخلّص من التيارات والقوى المناوئة للهيمنة السلطوية الفعلية.

فيما مضى سعى المناضلون اليساريون لجعل العمال المُستغَلين واعين للاضطهاد الذي يتعرضون له. لكننا الآن نواجه واقعاً تصبح فيه التوعية بحد ذاتها جزءاً من المشكلة لا الحل. أو على الأقل هذا ما يبدو. من السهل الآن على محلل ماركسي ورع أن يدين ذلك النمط من التوعية. وينعتها بـ”الوعي الزائف”. مجدِّدَاً الدعوة لـ”توعية الجماهير” بشكل حقيقي. وقد يكون هذا صحيحاً، لكن لا ضمان لنجاحه أبداً. فبعد مونولوج طويل، لتوعية عامل أو مهمّش بائس بالكيفية التي يتم بها استغلاله، لا ضمانة بأنه لن يكتفي بأن يهزّ رأسه طرباً. يشعل سيجارة حشيش. ثم يذهب ليشارك “ميم” على موقع فيسبوك عن مأساوية وضعه.

الدمية “أمل” ستستمر في الترحّل بين عواصم العالم، بينما سيظلّ الأطفال المضطهدون، من السوريين وغيرهم، يستصرخون “ضمائر العالم”، شاكين من «إهمال معاناة المظلومين والتواطؤ مع الجناة» أينما تيسّر لهم في المحافل الدولية. ولكن أي قدرة للفعل لديهم في عالم جعلنا مدمنين على الشكوى؟

شارك المقالة ..,
Share on Facebook
Facebook
Tweet about this on Twitter
Twitter
Share on LinkedIn
Linkedin
Email this to someone
email
Print this page
Print
كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول ثقافة