الترييف السياسي للمدن

الترييف السياسي للمدن
أستمع للمادة

تحظ ظاهرة ترييف المدن باهتمام كبير في الأوساط السورية؛ حيث سيطر المنحدرون من البيئات الريفية على كل مفاصل الجيش منذ استلام البعث للسلطة، وشكلوا جهاز الدولة البيروقراطي المتضخم في السبعينيات خصوصاً، وكذلك الجهاز الأمني والاستخباراتي.

واستفادت فئات من البرجوازية المتوسطة المتمدنة من الانفتاح الاقتصادي منذ السبعينيات، والذي تصاعد في النصف الثاني من الثمانينيات، وأدى إلى نشوء طبقة برجوازية متمدنة موالية للنظام، وتستفيد من التشريعات الاقتصادية “الليبرالية” التي اعتمدها النظام منذ التسعينيات، في انقلاب واضح من النظام على الراديكالية البعثية المسيطرة في الخمسينيات والستينيات.

 في حين استُبعدت من المشهد العام الفئات البرجوازية القديمة التي عارضت تغييرات البعث، والمتمثلة في عائلات دمشقية وحلبية و حمصية وحموية، التي كانت مسيطرة على الحياة السياسية والثقافية في سورية منذ أوائل القرن الماضي وحتى منتصف الخمسينيات، والتي لم تكن حياةً مستقرة، في دولة ناشئة قسراً بعد اتفاق التقسيم والنكبة الفلسطينية والنشوء تحت الاحتلال الفرنسي.

مناقشة هذه الظاهرة تحتاج إلى كثير من التروي، لشدة حساسيّتها اليوم، في زمن الصراعات والحروب والمواقف الانفعالية؛ كما أن فهم طبيعة الانقسام الريفي المديني في سوريا، يعتبر مدخلاً أساسياً لتوصيف بنية النظام السوري، أي بعيداً عن الشيطنة المتناولة بسهولة عادة، ولوضع الانقسامات الأخرى الطائفية والقومية وغيرها، في موضعها الصحيح، قبل التفكير في صياغة عقد اجتماعي سوري، حين يتسنى ذلك للسوريين، بعيداً عن التدخلات الدولية، كما هو حاصل اليوم.

من المهم ملاحظة أن التركيبة الاجتماعية السورية زراعية فلاحية في معظمها، مثلها مثل بقية مجتمعات بلاد الشام، والهجرات الريفية إلى المدن الكبرى، كانت مستمرة على مدار القرن الماضي، بسبب الزيادة السكانية المرتفعة (بمعدل 3.3 بالمئة سنويا، بين عامي 1922، 1994، حسب الإحصائيات الرسمية التي أوردها الباحث حنا بطاطو في كتابه “فلاحو سوريا”).

 وبالترافق مع سنوات الجفاف؛ وبالتالي من الخطأ القول بأن الاستقرار السياسي كان يمكن أن يحصل بإغفال الاهتمام بحقوق الغالبية الفلاحية، خاصة في ظل ظروفٍ كان يعاني فيها الفلاحون من ظلم كبير، متفاوت بطبيعته على كامل المساحة السورية.

لم تلحظ الطبقة البرجوازية ومثقفوها، هذه الظاهرة، لا بعد الاستقلال، ولا في فترة تداولهم السلطة بالآليات الديمقراطية في الخمسينيات؛ في حين أن الحزب الشيوعي الناشئ في القرى والأرياف لاحظ المسألة الزراعية، لكنه كان ينادي بحقوق الطبقة العمالية، وولاؤه للأممية الشيوعية العالمية أبعده عن أي دور قيادي.

 في نفس الوقت، كانت نضالات الفلاحين تزداد زخماً، ووعياً بحقوقهم، وقد تبلورت في أول حزب سياسي ذو توجه فلاحي، وهو الحزب الاشتراكي العربي عام 1943، في وسط البلاد، والذي رفع شعار “هاتو القفة والكريك لنعش الآغا والبيك”، واتسعت قاعدته الشعبية من الفلاحين، رغم أن قادته من أبناء مدينة حماه، وبزعامة أكرم الحوراني.

كان هناك فكرتان أساسيتان توصَّل إليهما الحوراني، الأولى هي تلازم النضال من أجل حقوق الفلاحين وتحريرهم الاجتماعي مع فكرة توحيد العرب في بوتقة واحدة، أي ملازمة القضية القومية مع المسألة الزراعية من جهة، ومن جهة أخرى، ضرورة تغلغل حزبه في الجيش السوري، والذي كان فتياً، حتى يتمكن من دعم المسألتين، الوطنية، ومطالب الفلاحين؛ في حين كان أبناء البرجوازيين في المدن يفضلون دفع البدل على الخدمة الإلزامية، والذي كان متاحاً قبل عام 1964، وبعد 1978، ولا يقوى على دفعه أبناء الريف الفقراء.

 وعلى تلك الأفكار التقى الحزب الاشتراكي العربي مع حزب البعث، الذي كان حزب نخب وصالونات، اقتصر على الطلاب والمعلمين، واستفاد البعث من شعبية الحوراني في توسيع قاعدته الشعبية، بعد الاندماج في 1952، والتي أوصلته لاحقاً إلى واجهة العمل السياسي وشكلت اللجنة العسكرية السرية في القاهرة مركز ثقل البعث، ومكنته من الاستيلاء على السلطة، مدعوماً من الفئات الريفية.

حسّن البعث من واقع الأرياف بتوفير الكهرباء والمياه والمراكز الصحية والتعليم، تماشياً مع المبادئ التي طرحها، وفي الوقت نفسه تضخَّمت بيروقراطية الدولة وزادت أعداد الوافدين من الأرياف إلى المدن خصوصا في فترة الستينيات، بحثاً عن الوظائف الحكومية أو التطوع في الجيش.

لكن الوصول إلى السلطة، وعلى أيدي عناصر ريفية صاعدة، ولديها الرغبة في السيطرة، أدى إلى صراعات داخلية في الحزب ولجنته العسكرية، وتصفيات متلاحقة، وهنا كان للعصبية الريفية، الطائفية والمناطقية، الدور الحاسم في سيطرة حافظ الأسد على الحكم منفرداً مطلع السبعينيات، حيث كان عدد العلويين في صفوف الجيش من المتطوعين وصف الضباط كبيراً، بسبب الوضع الاقتصادي السيء لمناطقهم، وخاصة اللاذقية، ما شكل عامل حسم لاحقاً، في انتصار الأسد على أقرانه.

تخلى الحزب بعد السبعينات عن أفكاره الراديكالية، واتجه نحو ترسيخ السلطة و  تأبيدها، وبدأت فترة الانفتاح الاقتصادي المتدرج لاستقطاب الطبقة البرجوازية المتوسطة، لكسب ولائها، وبالفعل دعمت النظام في حربه ضد الإخوان المسلمين في الثمانينيات. جاءت أولوية ترسيخ السلطة على حساب الاهتمام بدعم الزراعة وبناء الصناعة، وحتى التأميم، وأصبحت المسألة الوطنية والقومية العربية مجرد ديكور لازم وشعارات، أُفرغت تدريجياً من مضامينها، مع انشغال الفئات الريفية في مناصب الدولة ووظائفها ومؤسساتها العسكرية والأمنية بمراكمة النهب، حتى صار الفساد حاجزاً كبيراً أمام أية خطوات تنموية، وفي الوقت نفسه ضرورة لضمان ولاء كل أجهزة الدولة الاقتصادية والعسكرية والأمنية.

هذا التلكؤ في عملية التنمية الزراعية، وبناء صناعة وطنية حديثة، وتوغل أجهزة الأمن القمعية وغياب الرقابة الشعبية وتهجين النقابات والاتحادات المهنية، لم ينتج عنه مجتمع مدني بالفعل، بل على العكس، أدى اهتمام السلطة بالولاءات على حساب التقدم إلى تنامي جميع أشكال العصبيات الدينية والطائفية والعرقية والعشائرية والمناطقية والعائلية، ضمن الحزب وأجهزة الدولة.

 في حين أن “علونة” الجيش والأجهزة الأمنية، والحرب على الإخوان في الثمانينيات، التي كانت بطابع طائفي، فاقمت من الحساسيات الدينية، والتي ظهرت خلال الثورة.

أيضاً، كانت البرجوازية السورية منذ ثلاثينيات القرن الماضي، رثة وبطبيعة طفيلية، كونها نشأت في ظل الاستعمار الفرنسي، وبإرث إقطاعي؛ وحين تحالفت مع البعث في السبعينيات، كانت بعقلية محافظة بسبب صلة القرابة العضوية مع المشيخة الشامية والحلبية خصوصاً، والتي تنامت بدعم من النظام نفسه.

ورغم أهمية الأدوار الوطنية التي أدتها فئة من المثقفين البرجوازيين، إبان الاستقلال، وفي الخمسينيات خصوصاً، وحركة النهوض الثقافي التي نمت في المدن الكبرى، إلا أن غياب أهمية حل المسألة الزراعية عن أذهان هؤلاء حال دون أن يكون لهم دور قيادي، وفرض حتمية وصول حزب تقدمي ريفي الطابع إلى الحكم، في سيناريو مشابه لمعظم الدول العربية التي حكمتها أحزاب تقدمية.

توريث الحكم في سوريا، فتح الباب أمام الدخول في تحديثات نيوليبرالية، عبر سلة مراسيم لتحرير الاقتصاد، قضت على ما تبقى من زراعة وصناعة ودعم اجتماعي، وكانت من الأسباب العميقة لانتفاضة 2011، والتي توسعت في المناطق الريفية، بشكل خاص، في مراحلها المدنية والعسكرية.

شارك المقالة ..,
Share on Facebook
Facebook
Tweet about this on Twitter
Twitter
Share on LinkedIn
Linkedin
Email this to someone
email
Print this page
Print
كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول مساحة حرة