هل تستطيع السياحة السورية النهوض من جديد؟

هل تستطيع السياحة السورية النهوض من جديد؟
أستمع للمادة

قُدّر حجم الخسائر في القطاع السياحي في سوريا بأكثر من 1.5 مليار دولار أميركي، إضافة إلى تضرر المعالم والمواقع الأثرية والتي لا يمكن إحصائها، بحسب تصريحات تابعة لوزير السياحة السوري.

حيث تُشكل السياحة في الكثير من بلدان العالم الحجر الأساس في زيادة الدخل القومي، وذلك لما توفره من قطع أجنبي للبلاد، وتخفيض نسبة البطالة مما يشجع الدول على الإنفاق في البنى التحتية، ويشجع المستثمرين على الاستثمار بشكل حقيقي في البلاد.

ولعل الحديث عن السياحة في سوريا خلال الفترة الحالية، يدفع للإشارة إلى مساعي إيران لاستغلال الحاجة السورية لتنشيط السياحة وإن كان عبر بوابة الهيمنة الإيرانية وتفعيل السياحة الدينية في سوريا، والتي كانت حاضرة في سوريا قبل عام 2011 وإن كانت بشكل أضيق فيما سبق ويأتي ترتيبها في خانة متأخرة إذا ما قورنت بالمجموعات السياحية الأوروبية والعربية التي كانت تجوب عموم المناطق السياحية في مختلف أنحاء سوريا.

كانت الإحصائيات الرسمية لحكومة دمشق تشير إلى أن السياحة في سوريا كانت تشكل 12 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي لسوريا، وكانت تخلق وظائف لـ 11 بالمئة من عمال البلاد، وبحسب صحيفة “ديلي بست” فإن 8.5 مليون سائح زاروا سوريا عام 2010. إلا أن تلك العائدات قد انخفضت لأكثر من 98 بالمئة خلال فترة الحرب.

منذ أن أعادت حكومة دمشق بسط سيطرتها على أغلب الأراضي السورية عام 2018، توالت التصريحات الرسمية الرامية إلى أن البلاد باتت تسير في المسار الصحيح، وأن القطاعات الاقتصادية تتعافى ومنها القطاع السياحي، حيث صرح وزير السياحة لوكالة “سانا” الرسمية في نهاية العام الماضي، بأن هناك عشرات الطلبات المقدمة من أشخاص ومجموعات سياحية من دول أوربية لزيارة سوريا.

وقال الوزير رامي مارتيني، أن عام 2022 سيكون أفضل عام سياحي بعد سنوات من الحرب، وبحسب تصريحه فإن نحو نصف مليون شخص مختلف الجنسيات زاروا سوريا خلال العام 2021، وأن نحو مليون و200 ألف ليلة فندقية تم حجزها في نفس العام، لتصل أرباح الفنادق في سوريا إلى 14 مليار ليرة سورية أي ما يقارب 3.8 مليون دولار.

إلا أن عدم دقة الأرقام الحكومية تدفع للإشارة إلى عدم الاعتبار بأن كل من يعبر الحدود إلى سوريا من غير الجنسية السورية هو سائح، فليس هناك إحصائيات دقيقة تفند ما إذا كان هذا الشخص بالفعل سائح أم أنه مقاتل جاء ليكون ضمن المليشيات الأجنبية المنتشرة في مناطق سيطرة حكومة دمشق.

ويرى محللون أن الوضع الأمني في سوريا مازال يهدد أموال المستثمرين إذا ما قرروا ضخها في الاقتصاد السوري لا سيما في قطاع السياحة، ما يشكل لهم مخاوف كبيرة تحول دون دخولهم القطاعات السورية المختلفة.

إذا ما أشرنا بشكل موضوعي، فإن السياح يجب أن يكون لهم حرية في إدخال العملات الأجنبية إلى البلد المضيف وحملها فيه دون قيود، وهذا يتنافى مع الوضع في سوريا، فقد تم إصدار قانون يجرم كل من يتعامل بغير الليرة السورية بحكم يصل إلى سبع سنوات، كما أن انتشار الحواجز الأمنية بين المدن ومحاصصة النفوذ بين تلك المليشيات التي وقفت إلى جانب حكومة دمشق يعيق من تحرك السياح، وكذلك الدمار الكبير الحاصل في البنى التحتية وغياب الخدمات اللازمة للسياح بشكل شبه كامل، وعدم تأهيل الأماكن السياحية من قبل حكومة دمشق، يضعنا أمام واقع مغاير لما تروج له الحكومة بقدوم السياح إلى سوريا.

هل تحولت السياحة في سوريا إلى سياحة دينية إيرانية؟

في جانب مواز، تصح الإشارة إلى ما صرح به رئيس منظمة الحج والزيارة الإيرانية لوكالة “فارس” الإيرانية، في الثاني من شهر كانون الثاني/يناير الجاري، بأن الرحلات الإيرانية ستستأنف اعتبارا من الشهر الأول للسنة الحالية حيث ستضم كل قافلة 25 سائح إيراني لزيارة ضريحي السيدتين زينب ورقية في دمشق، وأن هذه الرحلات قد استؤنفت بعد عامين من انقطاعها بسبب جائحة فيروس “كورونا”.
وتابع تصريحه قائلا بأن هذه الرحلات ستسير في الأسبوع مرتين، انطلاقا من مطار “الإمام الخميني” في طهران إلى دمشق مباشرة، مبينا أن هذه الزيارات حاليا ستقتصر على زيارة دمشق فقط.

وفي وقت سابق من العام الماضي، قال رئيس منظمة الحج والزيارة الإيرانية، أن إيران وقعت مذكرة تفاهم مع حكومة دمشق تفضي بإرسال 100 ألف حاج إيراني إلى سوريا سنويا.

يذكر أن استئناف الرحلات الإيرانية إلى سوريا يأتي بعد اجتماع ضم كل من السفير الإيراني في دمشق، ووزير السياحة السوري، وأعلن الأخير أنه تم وضع برامج وخطط لتحفيز السوريين على التوجه إلى إيران بقصد السياحة.

لم تكن تلك التصريحات هي الأولى من نوعها، حيث كان هناك تصريح لوزير السياحة عام 2017 يتحدث بأن السياحة الدينية في سوريا قد ارتفعت بمعدل ثلاثة أضعاف عن العام 2016، وأن قيمة عائدات شركة النقل قد وصلت حينذاك إلى 150 مليون ليرة سورية.

بحسب مراقبين وبخلاف ما أعلنه المسؤول الإيراني، فإن الرحلات لم تتوقف بين دمشق وطهران ولكن ليس للحج بل لزيادة التموضع الإيراني في سوريا، فإذا ما أراد شخص من إيران زيارة سوريا للحج فإن ذلك سيكلفه ما يقارب 650 دولار، وهذا المبلغ ليس بالبسيط للمواطنين الإيرانيين، بخاصة وأن الوضع الاقتصادي في إيران متدهور، في ظل معاناة البلاد هناك من ارتفاع التضخم بشكل كبير نتيجة العقوبات الدولية عليها، لاسيما وأن أكثر من ثلث السكان الإيرانيين تحت خط الفقر. فكيف للمواطن البسيط في إيران أن يتحمل عبئ تكاليف السفر إلى سوريا وهو يعاني من الفقر في وطنه؟

من جانبه الخبير الاقتصادي سمير طويل، وخلال تصريحه لـ”الحل نت” قال بأن مثل هذه الرحلات السياحية الإيرانية إلى سوريا لا يمكن أن تضيف قيمة مضافة على الاقتصاد السوري، سواء بالحجوزات الفندقية أو بعمليات الإنفاق، وعلل ذلك بأن أغلب هؤلاء السائحين يقومون باستئجار شقق مفروشة، أو يقيمون عند أشخاص تربطهم بهم صلة معرفة أو قرابة.

أما عن الاستفادة منهم من خلال عمليات الإنفاق التي يمكن أن يقوموا بها، فأشار طويل إلى عدم وجود فائدة منها، بسبب أن هؤلاء الأشخاص يقومون باصطحاب ما يحتاجون من مواد استهلاكية من إيران، لأن أغلب تلك الرحلات تكون عن طريق البر، فلا فائدة اقتصادية مرجوة من قدومهم، بل على العكس يمكن أن يكلفوا حكومة دمشق تكاليف يتم إنفاقها عليهم لأنهم يحملون امتيازات مختلفة، وفق قوله.

ليبقى التساؤل الأبرز لدى السوريين، كيف لحكومة أن تحتضن زوار وسائحين، وهي لا تستطيع أن تؤمن لأبناء البلد أبسط مقومات الحياة، وتعيد المهجّرين بضمان أمنهم وعيشهم الكريم.

شركات أوربية تنظم رحلات سياحية إلى سوريا

يأتي كل ذلك في وقت أعلنت فيه بعض الشركات الأوروبية خلال تقارير صحفية سابقة عن بدء تسيير رحلات إلى سوريا، بضمان عدم الاقتراب من المناطق التي يمكن أن يكون فيها فتيل الحرب لم يخمد بعد، حيث جاء هذا الإجراء بعدما بدأت حكومة دمشق بإصدار ما يسمى بالفيزا السياحية مؤخرا.

بعض الحكومات الرسمية الأوروبية كألمانيا حذرت من الذهاب إلى سوريا، وعللت ذلك بأن الوضع في سوريا غير آمن، وأن سفارتها في دمشق مغلقة، ما يصعب على الحكومة الألمانية تقديم الخدمات لمواطنيها في سوريا، كما وصف البعض بأن تسيير الرحلات إلى سوريا بقصد السياحة يعتبر مغامرة كبيرة، بخاصة وأن قوات متعددة الجنسيات تسيطر على مساحات من البلاد.

بالنهاية تعمل حكومة دمشق على ترويج إعلانات السياحة والدعوة لزيارة البلاد، سعيا منها لإعادة تأهيل صورتها الدولية، وتطلعها للاستفادة من النقد الأجنبي الذي يمكن أن يدخل للبلاد، بخاصة أن مثل هذه الرحلات يمكن أن تكلف السائح الواحد 2000 دولار أميركي على أقل تقدير.

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول اقتصاد