حول العنف وخطابات تطبيعه

حول العنف وخطابات تطبيعه
أستمع للمادة

يحيط بظاهرة العنف في الأدبيات السياسية غموض وتعقيد شديد بحيث يصعب على الباحثين الاتفاق على تعريف محدد متفق عليه لهذه الظاهرة بمختلف أنواعها وأشكالها ودينامياتها. في الأدبيات السياسية التقليدية يتم اختصار ظاهرة العنف على شكلها المادي المباشر.

 بحيث يمكن تعريف العنف بأنه السلوك العلني والمقصود الهادف إلى إيذاء أو جرح أو قتل الآخرين.

 على الرغم من أن هذا الفهم المادي المباشر للعنف ما زال قائماً، إلّا أن تعقد الظواهر الاجتماعية في ظل البنى الاجتماعية المعاصرة، وبروز علاقات الهيمنة الخفية والتي لا تعتمد على العنف المباشر وأدواته لإخضاع السكان لصالح السلطات، بل عبر خطابات الثقافة والقوانين والإعلام، جعل هذا الفهم قاصراً عن تفسير التجليات الخفية وغير المباشرة للعنف. من هذا المنطلق قدم يوهان غالتونغ مفهوماً جديداً للعنف وأسماه بالعنف الهيكلي والذي لا يقتصر فقط على العنف بمعناه المادي المباشر، بل كذلك على جوانب أخرى مثل الفقر والبطالة والحرمان من التعليم.

ضمن مفهوم غالتونغ أصبح العنف الهيكلي هو التعبير عن الفرق بين الممكن والفعلي، بين ما يمكن أن يكون عليه الحال وبين الحال القائم ذاته.

فالشخص الخاضع للعنف الهيكلي هو ذلك الإنسان الذي تمت إعاقة حياته وتحقيق ممكناته الكامنة وتطوير خياراته في الحياة نتيجة للظروف السياسية وطبيعة البنى الاجتماعية القائمة. مثال على العنف الهيكلي يسوقه غالتونغ وهو أن موت شخص في القرن السادس عشر مثلاً بسبب الكوليرا لا يمكن اعتباره عنفاً هيكلياً نظراً لعدم توفر دواء له في ذلك العصر.

 لكن أن يموت إنسان في زمننا الراهن بسبب هذا المرض، لأنه عاجز عن شراء هذا الدواء، برغم توفره في الأسواق، فهذا شكل من أشكال العنف الهيكلي، بحيث تعيق العلاقات الطبقية وتركز الثروة والسلطة بيد قلة في المجتمع، قطاعات اجتماعية عريضة من حقها في العدالة الاجتماعية.

 شكّل مفهوم غالتونغ عن العنف الهيكلي قفزة نوعية في مجال دراسات الصراع والعنف في المجتمعات البشرية.

 فتحقيق السلام المجتمعي والعالمي لم يعد يقتصر على غياب الحرب والنزاعات المسلحة فقط، بل أصبح يرتبط كذلك بظروف العدالة الاجتماعية سواء على مستوى البنى المحلية أو على مستوى العالم.

 ولم يعد السلام مثلاً يقتصر على وقف المعارك والعنف المادي المباشر، بل كذلك على عملية بناء السلام اللاحقة والتي أصبحت تتطلب التخفيف أو الحد من العنف الهيكلي الذي يدفع الناس للقيام بالثورات والتمرد المجتمعي.

 كما أن هذا المفهوم يوضح أن البنى الرأسمالية“ المتحضرة“ والتي لا تشهد صراعات مسلحة مثل دول أوروبا مثلاً ليست دولاً خالية من العنف ، بل إن شكل العنف السائد فيها أصبح هيكليا بدل من أن يكون مادياً مباشراً ومظاهره العديدة يمكن رصدها مثلاً عبر القهر الذي يمارسه سوق العمل على العاملين، وحصول المرأة على رواتب أقل من الرجل في عدد من الدول الأوروبية في بعض المجالات، واستغلال المهاجرين في قطاعات الاقتصاد الثانوي التي تحتاجه هذه الدول.. الخ.

السؤال الأكثر أهمية في هذا السياق يمكن أن يطرح على الشكل التالي: إن كان البشر يميلون عبر تاريخهم إلى رفض كل مظاهر القمع والاضطهاد والعنف المباشر فكيف أمكن لأشكال العنف المباشر والهيكلي من أن تستمر، لا سيما في هذا الزمن الذي تطورت فيه العلوم والتكنولوجيا بشكل يمكن أن تهيأ للبشر نظرياً حياة أفضل خالية من الصراعات ومن مظاهر الفقر والعوز والاستغلال.

 يجيب غالتونغ على هذا السؤال بطرح مفهوم آخر للعنف ألا وهو العنف الثقافي. يقصد بالعنف الثقافي حسب غالتونغ مجال وجودنا الروحي والرمزي المتمثل في الدين والإيديولوجيات والعقائد واللغة والفن والعلوم والتي يمكن استخدامها من أجل إظهار العنف بشكليه المادي والهيكلي على أنه طبيعي واعتيادي، عبر إضفاء الشرعية عليه.

 فالعنف الذي تمارسه وتبرره الثقافة ومنتجاتها هي العامل الجوهري والحاسم في استمرار أشكال العنف المباشر والهيكلي، وإظهاره للمجتمع على أنه أمر طبيعي لا يستحق التفكير فيه أو السعي لتغيره.

تموّه الثقافة إذاً الممارسات البشرية وتزرع في عقول الممارس عليهم العنف في المقام الأول، بأن ما يخضعون له هو أمر مبرر وليس عنفاً بأي حال من الأحوال.

في هذا السياق يجب عدم الخلط بين مفهوم العنف الثقافي الذي طوّره غالتونغ وبين العنف الرمزي الذي تحدث عنه الفيلسوف الفرنسي بورديو.

 فالعنف الرمزي يتطرق لقضية مهمة وهي استخدام منتجات اللغة والتواصل من أجل تحريض الشخص الخاضع للعنف على أن يرى العالم من منظور جلّاده، بمعنى أن العنف الرمزي يحدث عندما لا يتمكن الشخص المقهور من رؤية العالم من منظوره الخاص الذي يصب في إطار تحرره من الخضوع للظلم والعنف، بل من منظور السيد ذاته الذي يظلمه.

وبهذا المعنى، يستخدم بورديو العنف الرمزي كمرادف للهيمنة الرمزية، والذي يؤدي إلى قبول غير مشكوك فيه لممارسات العنف المختلفة، على سبيل المثال حين يعتقد الطفل الذي يتعرض من والده للضرب، بأن الضرب أمر مبرر ودليل على الذكورة، ليقوم بدوره بضرب أشقاءه الصغار أو أخواته الإناث، أي حين يتقمص الضحية سلوك الجلاد ذاته.

أشكال العنف الثلاثة المادي والهيكلي والثقافي لا يجب النظر لها على أنها مفصولة عن بعضها البعض.

إذ توجد علاقة ديالكتيكية بين أشكال العنف المختلفة، فالعنف الهيكلي مثلا يمكن أن يعزز الشعور بالحرمان والاضطهاد لدى جماعات اجتماعية معينة، ويدفعها بالتالي لممارسة العنف المباشر عبر الأزمات والاضطرابات وإشعال الحروب الأهلية، والتي تعزز بدورها مظاهر العنف الهيكلي بسبب ظروف الفقر والحرمان من الرعاية الصحية وانعدام التعليم والأمن التي تترافق مع الأزمات الاجتماعية الحادة، في الوقت نفسه تعمل أطراف النزاع على تبرير مثل هذه المظاهر عبر أدواتها الثقافية والإيديولوجية من أجل تبرير لجوئها للعنف على أنه شرعي ودفاعاً عن الوجود، وأن الآخر-العدو- هو المذنب.

وبشكل معكوس يمكن أن تؤدي الإيديولوجيات والثقافات التي تبرر قتل المرتد والخائن أو صاحب الميول الجنسية المثلية مثلاً إلى تعزيز العنف الهيكلي ضد هؤلاء المنبوذون، وتضفي الشرعية والاعتيادية على ممارسات العنف المباشر التي يمكن أن تمارس ضدهم.

إن عملية تحويل أشكال العنف المختلفة لأن تصبح ظواهر طبيعية في المجتمع هي عملية معقدة، تبرع فيها الأجهزة الإيديولوجية للنظم الديكتاتورية إلى حد كبير.

عملية تطبيع العنف تعني تلك العملية التي تجعل من السلوكيات العنيفة في مجتمع ما أخلاقية ومعقولة، وينظر لها على أنها روتين اعتيادي للحياة الطبيعية.

في النظم الديكتاتورية العربية على سبيل المثال، يمارس الجلادون في السجون كل أشكال الوحشية ضد المعتقلين.

 في الغالب لا يعتبر هؤلاء الأشخاص ممارساتهم على أنها غير مقبولة، بل مظهر من مظاهر حياة عملهم الروتينية والتي تقتضي أن ينفذوا الأوامر الصادرة لهم دون تفكير.

 ضمن هذا السياق يصبح ممارسوا العنف هم ضحايا لعملية تطبيع العنف، بعد أن عملت أجهزة السلطات الإيديولوجية والقانونية على تبرير تنفيذهم للأوامر على أنه أمر مشروع ومبرر. الكثير من مجرمي الحرب الصغار كعناصر الجيش والأجهزة الأمنية يمارسون العنف بشكل طبيعي بعد أن تم غسل أدمغتهم بشكل يفقدون معه قدرتهم كبشر على التفكير في مدى معقولية وأخلاقية أفعالهم.

 وحتى يصبح العنف أمراً روتينياً لا بد أن تعمل خطابات تطبيع العنف على تصوير الأفراد والمجموعات الذين يتم ممارسة العنف ضدهم على أنهم أعداء وشياطين يهددون وجود الأمة. إن عملية تكوين صورة العدو وشيطنته تسير ضمن خطابات تطبيع العنف جنباً إلى جنب مع الرفع من شأن الذات وتصويرها على أنها البريئة، النقية التي لا تشوبها شائبة.

تتم هذه العملية عبر ثلاث خطوات رئيسية وهي: أخلاقية العنف، شرعنة العنف وتقنينه، شعبوية العنف.

 غالبا ما تركز خطابات تطبيع العنف على اعتبار العنف مبرر أخلاقياً لأنه تنفيذا لأوامر إلهية، أو لعقيدة صحيحة، أو تعبيراً عن حب الوطن والسعي للحفاظ عليه.

ممارسات العنف المباشر سواء بحجة خدمة الشريعة الإسلامية، أو لحماية الأمن القومي مثلاً دليلاً على ذلك.

فالله والوطن هي منابع التبريرات الأخلاقية لممارسات العنف المختلفة. تتبع عملية إضفاء البعد الأخلاقي على العنف، عملية شرعتنه وتقنينه. فالعنف ليس فقط أخلاقي، بل كذلك ضروري ومشروع لتحقيق المصلحة الوطنية.

 التصفيات الجماعية للناس بحجة مواقفهم السياسية وتبرير حرق أجسادهم هي خطوة مشروعة ضمن خطابات تطبيع العنف، لأن العنف هنا يتم تصويره على أنه الطريق الوحيد للحفاظ على الوجود.

 ممارسات التعذيب في السجون العربية دليل على ذلك وكذلك فقدان الكثيرين للقدرة على التعاطف مع الضحايا الذين تم تصوير العنف ضدهم على أنه ضروري ومشروع للحفاظ على الأمن الوطني.

تتبع هاتين العمليتين شعبوية العنف. إذ يتم تصوير العنف على أنه تعبير عن إرادة الشعب كوسيلة لإخفاء مصالح السلطات المستفيدة حقيقة من ممارسته. غالبا تتبنى النظم الديكتاتورية شعارات من قبيل نحن الشعب، أو نحن الجماهير، كشعارات لتبرير العنف الذي تمارسه أجهزتها ضد أولئك الذين تم تصنيفهم في خانة الخونة أو ممن تم تجريدهم من صفة الانتماء للشعب.

إن تفكيك خطابات تطبيع العنف تبدو ضرورة ملحة للتحرر العربي بشكل عام. تجارب الشعوب العربية في السنوات العشر الأخيرة أبرزت بشكل واضح أن الكثير من الضحايا الذين ثاروا ضد أنظمتهم الديكتاتورية، لم يستطيعوا التحرر من خطابات تطبيع العنف، بل مارسوها بشكل معكوس.

 هذا التفكيك أمر معقد ويحتاج بشكل أساسي لعملية تنوير طويلة الأمد تتطلب تنقيح كامل للثقافة والتراث، ونقداً جوهرياً لممارسات النظم الديكتاتورية القائمة، وقبل كل شيء البدء بحوارات مجتمعية عميقة حول هذه القضايا، والتي قد تدفع الناس للتفكير بشكل نقدي فيما يتقبلوه على أنه طبيعي واعتيادي.

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول مساحة حرة