سوريا والمتغيرات الإقليمية

سوريا والمتغيرات الإقليمية
أستمع للمادة

لا تتغيّر سياسات الأنظمة وتحالفاتها الإقليمية والدولية بسهولة، هي قائمة على مصالح متعددة المستويات؛ سياسية واقتصادية وعسكرية وثقافية، وسواها.

 يمنع التدخل الإقليمي والدولي الكثيف النظام السوري من القيام بأية تغيرات في سياساته دون أخذ مصالح ذلك التدخل بعين الاعتبار؛ روسيا أولاً، وإيران ثانياً، وبالتأكيد الحلف المعادي له كذلك، أي أنّه لا يستطيع اللعب مع تركيا أو أمريكا أو إسرائيل خارج إطار الشروط السابقة، التي تبقيه في الحكم، وتمنع سقوطه أيضاً! ألم يبق بسبب تلك الشروط، ألم يكن التدخل “المعادي له” سبباً في استمراريته، وليس فقط إيران وروسيا؟ إن سياسات الولايات المتحدة الأمريكية، كانت ضد إسقاط النظام، فقد استهدفت تعديل سلوكه فقط، وكذلك الاتحاد الأوربي، ولن “نشتط” بالتفكير المؤامرتي، والقول إن إسرائيل منعت سقوطه، ولكنها أيضاً لم ترغب بذلك، وفي هذا علينا دراسة دور الثورة والمعارضات السورية في بقاء النظام، وإنهاء الثورة ذاتها وتراجع دور المعارضات.

تميل التحليلات التي تُناقش التطبيع العربي مع النظام بأنه وصل إلى نهايته؛ فليس هناك من عودة له إلى الجامعة العربية، ويبدو أن خط الغاز والكهرباء من مصر والأردن قد توقف، وليس من إعفاءات أمريكية له، وأيضاً لم تتطور العلاقات مع الإمارات، وتحالفات الأخيرة مع إسرائيل خاصة وتركيا منعت ذلك؛ زيارة الرئيس بشار الأسد الأخيرة إلى طهران حسمت اصطفافاته، وأنه لن يستبدل العلاقة مع طهران بأيّة علاقة مع أبو ظبي أو القاهرة، وكذلك هي رسالة لروسيا ذاتها؛ وهذا في الوقت الذي يُطمئِن روسيا يثير حذرها أيضاً؛ وهذا موضوع جانبي، حيث العلاقات متينة بين طهران وموسكو، ولا سيما بموضوع الاتفاق النووي، وبقضايا أخرى وبالتنسيق بخصوص سوريا، ولكنها قابلة أيضاً للتغيّر على وقع الحرب على أوكرانيا، وحاجة أوربا للطاقة الإيرانية وحاجة الأخيرة للأموال وللتطبيع مع العالم، وهناك تغييرات مطلوبة من إيران من أجل تجديد العمل بالاتفاق النووي.

إن وجود علاقات أمنية بين النظام وتركيا لا يعني أنها ستتطور أكثر من ذلك، بل إن مشروع تركيا لإعادة اللاجئين إلى المناطق ال13 الجديدة وتبعيتها “للمحافظات” التركية يعني أن العلاقات مع النظام أمنية فقط، ومستمرة بخصوص سوريا عبر التحالف مع الروس، ومجريات لقاء الاستانة واللجنة الدستورية.

الآن روسيا بموقف ضعيف دولياً، ومتورطة بأوكرانيا، والتقارير الصحفية تؤكد سحبها لأعداد من الجنود والطائرات من سورية، وكذلك شحنت أفراداً من المليشيات التابعة لها للحرب في أوكرانيا؛ إيران تملأ الفراغ، والأردن يبدي التذمر من الاقتراب الإيراني من الحدود، وكذلك تفعل إسرائيل؛ إن هشاشة النظام دفعته نحو إيران، وضعف الأخيرة، وتجدد الانتفاضة الشعبية، ويبدو أنها قوية هذه المرة، يفيد أن الخط الائتماني قد ينقطع، وقد تضطر إيران ذاتها لسحب بعض مليشياتها، سيما أن هذا مطلوب أمريكياً ومحبذ من دول المنطقة، وتحديداً الخليج وإسرائيل، وبالتالي، التغيرات الإقليمية والحرب على أوكرانيا والانتفاضة الإيرانية ليست أمراً حسناً للنظام، بل وقد تضاعف من حجم أزمته.

إن الخطوة الأمريكية بالاستثمار المباشر بمناطق قسد، وبعض مناطق سيطرة تركيا، وبغض النظر عن رفض تركيا للخطوة في مناطق سيطرة قسد، يساهم بدوره في ترسيخ “الانقسام” وتشديد العزلة على النظام.

 إن تحسين الإدارة الأمريكية للأوضاع العامة في مناطق الاستثمار، هي ورقة جديدة ضد روسيا وإيران، وبخصوص تركيا ستجد طرقاً جديدة لاستيعاب رفضها، وقد وافقت على توريد الطائرات إف 16 وصواريخ متطورة.

هناك مشكلات كبرى بين تركيا وأمريكا، وتتجاوز الموقف من قسد، وستستغل تركيا الحصار على روسيا وحاجة الأخيرة لها للتخفيف من العقوبات، ولنتأمل الموقف التركي من رفض دخول السويد وفنلندة لحلف الناتو.

 أوروبا وأمريكا بدورهما بحاجة إلى تركيا لكي تلعب دورا وظيفيا محدودا لن يرتقي بها إلى مستوى الحلفاء الآخرين ولن تكافئ بالموافقة على ضمها للاتحاد الأوربي مثلا، وإنما الحاجة إليها تكمن من أجل تشديد الحصار على روسيا؛ أقول كل المستجدات أعلاه، تتيح لتركيا فرض بعض شروطها في سوريا، ولكن أيضاً ضمن الممكن، وبما لا يغير من مصالح الدول المتدخلة في هذا البلد.

تركيا الآن تطالب بمنطقة حظر جوي ومستقلة بالكامل عن النظام، وهذا يعني أنها تريد ترسيخ مناطق سيطرتها على الشمال السوري، وتتبيع تلك المناطق لها.

 روسيا التي ترفض تغيير مناطق السيطرة التي ترسخت للدول ولها في سورية قبل الأزمة الأوكرانية، سترفض أية سيناريوهات تركية أكثر طموحاً مما اتفقت فيه معها في مناطق خفض التصعيد وسوتشي والاتفاقات بين البلدين.

إن النظام السوري بحالة ضعفٍ شديدة، وإيران لن تتمكن من انقاذه وحتى ولو تمَّ الوصول إلى الاتفاق النووي، وأُفرج عن مليارات الدولارات وعادت إلى تصدير موارد الطاقة لديها؛ إن مليشيات إيران تعاني في العراق، وفي لبنان تعرضت لخسارة كبيرة في الانتخابات البرلمانية وسينعكس ذلك في الانتخابات الرئاسية القادمة، وفي اليمن هناك رغبة دولية في إيقاف الحرب، وبخصوص سوريا تُنافِسُها دولٌ كثيرة، وأصبح النظام مُرهِقاً لحساباتها الإقليمية والمالية والداخلية؛ ولن نستطرد حول تطورات الانتفاضة، وقدرتها على إضعاف النظام وحرسه الثوري، واحتمالية أن تضطر إيران لسحب مليشياتها.

إن ضعف النظام حالياً هو عنصر أساسي في أي تحليل لمواقفه وسياساته؛ فالفقر تعدى ال 95 بالمائة، وأمريكا تتشدد ضده، والاتحاد الأوروبي كرّر بالاجتماع الأخير للدول المانحة لاءاته ضده: عدم رفع العقوبات، وعدم المساهمة في إعادة الاعمار، وعدم إقامة علاقات دبلوماسية معه، وتركيا تتجه نحو ترسيخ مناطق نفوذها “تقسيم”، وكذلك الأمر في مناطق قسد، وأيضاً في مناطق هيئة تحرير الشام.

إن سماح أمريكا للاستثمار المباشر لا يعني أبداً أن النظام سيستفيد منه، وطبعاً سيحاول ذلك؛ إن النظام ذاته وصلت أليات العطالة في إداراته مرحلة تمنعه من إيفاء أية احتياجات مجتمعية، أو إحداث “إصلاحاته فيه”، وكافة المراسيم الأخيرة تعزّز انفصال السلطة عن حاجات المجتمع وقضاياه.

المعارضة بدروها لا تستفيد أبداً من التغيرات الإقليمية؛ فتشتتها، وتعددها، وفسادها، وضعف أهميتها دولياً يمنعها أن تستغل تلك التغيرات.

بدوره الانقسام بين قسد ومسد والائتلاف الوطني والفصائل أيضاً يمعن في إضعاف كافة هذه الكتل، وليس بمقدور أيٍّ منها أن يكون بديلاً عن الأخرى، وكافة محاولاتها لتشكيل معارضات جديدة لم تشكل جديداً، وهذا منذ 2011، وهذا يعني غياب القضايا التشاركية العامة فيما بينها، والمُمثِلة لكافة “السوريات”، أو “الشعوب السورية”.

حصيلة التحليل أعلاه، لن يستفيد السوريون من التغيرات الدولية والإقليمية، والتغيرات هذه لا تستهدف وضع سوريا على طاولة التفاوض الدولية والإقليمية؛ النظام بدوره ما زال غير مهتم بمصالح السوريين، والمعارضات التابعة، والمنقسمة ليس ضمن خططها العمل وفق مشروع وطني عام، يشمل كافة كتلها ويقيم تحالفات فيما بينها، وبالتالي، ستظلُّ سوريا ورقة للتدخل الإقليمي والدولي، ولصراعات هذه الدول فيما بينها، وليس فقط في الإطار السوري.

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول مساحة حرة