على الرغم من امتلاك العراق لكميات كبيرة من الغاز الطبيعي غير المستثمر، إلا أنه ما يزال يعتمد في إنتاج الطاقة الكهربائية على الغاز الإيراني، ليندرج ملف الطاقة في العراق ضمن أساليب الضغط التي تستخدمها طهران في التأثير على الحكومات الدول التي تقع ضمن مخططها التوسعي، بحسب تقارير مختصة.
ولما مثلته الكهرباء من معضلة في مسار الحكومات المتعاقبة على العراق، وإحدى أكبر معاناة العراقيين ودافع نقمتهم على النظام السياسي، تفكر حكومة بغداد حاليا في اللجوء إلى استثمار حقولها الغازية، والخروج من كنف الضغوطات الإقليمية التي تمارسها طهران مع كل موسم صيفي، من خلال الديون التي تترتب على استيراد العراق للغاز.
وفي السياق، أعلنت وزارة الكهرباء العراقية، يوم أمس الإثنين، مباشرة وزارة النفط المعنية في موضوع الغاز، بـ “استثمار حقول الغاز المهمة جدا في حقلي عكاز والمنصورية” بشكل فعلي.كما حددت نوع الالتزامات المالية فيما يتعلق بملف استيراد الغاز الإيراني، وفقا لما تحدث به المستشار الفني لوزير الكهرباء، عبد الوهاب كاظم، لوكالة الأنباء العراقية “واع“، وتابعه موقع “الحل نت“.
اقرأي أيضا: بالأرقام.. الغاز العراقي في مهب الريح وإيران أكثر المستفيدين!
تحجيم استيراد الغاز الإيراني
وقال كاظم، إن “استثمار حقول الغاز الذي يجري حاليا في العراق، سيقلل من الاعتماد على استيراد الغاز الإيراني“، مبينا أن “التزامات العراق المالية تجاه إيران نوعين؛ الأول مستحقات مالية مقابل الغاز المجهز، والثاني؛ مستحقات أخرى للمقاولين والشركات المجهزة لمعدات الطاقة الكهربائية“.فيما تم التوصل إلى “صيغة مع المصرف التجاري العراقي للتجارة لتسجيل مستحقات عادية، بما يتعلق في النوع الأول من الالتزامات“، بحسب المستشار الفني.
وأوضح، أن “موضوع الغاز من اختصاص وزارة النفط، والأخيرة عازمة حاليًا وباشرت فعليًا في استثمار حقول الغاز المهمة جدًا في حقلي عكاز والمنصورية“.
لكن “الحديث عن التخلص من استيراد الغاز الإيراني، تقديريا في الوقت الحالي غير ممكن، فمن يسعى إلى التخلص من الاستيراد عليه توفير البدائل، وبالرغم من كثرة الغاز في العراق إلا أن الحديث عن التحول إلى استثماره يحتاج إلى وقت وجهود استثنائية“، كما يرى المهتم في الشأن الاقتصادي عامر الخفاجي.
اقرأي أيضا: في تحدي للعقوبات الأمريكية.. العراق يجدد عقد استيراد الطاقة من إيران
تخادم عراقي إيراني
الخفاجي يقول في حديث خاص لموقع “الحل نت“، إن “وزارة الكهرباء أكثر من يعرف تحديات التخلي عن الغاز الإيراني، وإذا ما عدنا لمراجعة مواقف الوزارة تجاه إمكانية التخلي عن الغاز الإيراني وتنويع المصادر، بهدف خلق حالة تنافسية يمكن من خلالها استفادة العراق، سنجد إنها أول من اعترف بصعوبة ذلك خلال لجوئها إلى الغاز القطري“.وأشار إلى أن “عملية التحول إلى الاستيراد القطري وحدها تتطلب ما لا يقل عن سنتين وهذا باعتراف وزارة الكهرباء، فكيف ما إذا ما أرادت التحول إلى استثمار الغاز العراقي الذي ما يزال قابعا في جوف الأرض؟“.
ويعتقد أن “مشكلة الغاز وحل أزمة الكهرباء، تتطلب موقفا وإرادة سياسية أكثر مما هي فنية“، مبينا أن “مثل ما هو واضح في تصنيفات وتقسيم النظام السياسي في العراق، فأن هناك وكلاء لطهران نافذين بشكل كبير في العملية السياسية وهيكل النظام، بالتالي طوال السنوات الماضية التي كان بالإمكان تجاوز مشكلة الكهرباء المتعلقة بالغاز، لما كانت هناك إرادة وأياد خفية تدفع ببقاء العراق معتمدا على الغاز الإيراني“.
وتمثل إمدادات الغاز الإيراني إلى العراق “إحدى أهم الوسائل الإيرانية في الالتفاف على العقوبات الدولية، ونافذة لإنعاش اقتصادها، بالتالي أنه على أقل تقدير أن طهران لن تسمح للعراق بالاستغناء عن غازها في الوقت الحالي، سواء كان عبر وكلاءها في داخل النظام السياسي أو الأذرع المسلحة الموالية لها“، وفقا للخبير الاقتصادي.
واستدرك قائلا، إن “المناخ الأمني والأجواء المستقرة هي إحدى أهم عوامل نهضة الدول، وأكبر التحديات التي تواجهها في شق طريقها نحو الأفضل، بالتالي لمن لا يعرف أن مناطق تواجد الحقول الغازية، مثل حقل المنصورية في ديالى، يعد ضمن خارطة نفوذ الجماعات المسلحة الموالية لإيران، ما يشكل تهديدا أمنيا لأي شركة أجنبية يمكن الاستعانة بها لتشغيل حقل الغاز“.
- بانياس يتحول إلى محطة عبور للبنزين المتجه إلى العراق
- من 1000 إلى 7000.. ألمانيا تدرس رفع حافز العودة الطوعية للسوريين
- ترامب يربك طهران.. ومواقف متضاربة بين الدبلوماسية الإيرانية و”الحرس الثوري”
- صون التضحيات وبناء السيادة.. طريق الفصائل نحو مظلة الدولة العراقية
- أميركا تعيد 36 قطعة أثرية منهوبة من سوريا
دور الميليشيات بضياع الغاز في العراق
كما أنه “لذات الأسباب وأخرى اقتصادية أيضا، نجد أن الجماعات المسلحة، وبدفع سياسي من قبل مسانديها، تحاول تكريس وجودها في محافظة الأنبار التي تمثل إحدى أكبر مناطق تواجد الغاز العراقي“.
الخفاجي أردف، أن “إيران تحاول من خلال ملف الغاز تركيع الشعب العراقي، واستخدامه كوسيلة للضغط على الحكومات، سواء فيما يتعلق بتمرير أجنداتها مقابل تزويد الغاز بديون طويلة الأمد، أو من خلال تحريك الشارع بشكل خفي عن طريق قطع الغاز المتكرر في أوقات الذروة ومطالبتها في الديون المتراكمة، لذا أن هذا الملف معقد وطويل، لكن تجاوزه بات أمرا محسوما لكنه مسألة وقت لا أكثر“.
جدير بالذكر، أن “حقل المنصورية الغازي“، الذي يقع شمال شرقي محافظة ديالى، يضم مخزونا غازيا يتجاوز 4500 تريليون قدم مكعب على مساحة 150 كيلو مترا مربعا، وهو ثاني أكبر حقل للغاز الطبيعي في العراق بعد “حقل عكاز” في محافظة الأنبار.
في حين أن، “محطة كهرباء المنصورية الغازية“، والتي تمثل إحدى أهم محطات إنتاج الكهرباء في العراق وأحدثها، تقع على مسافة لا تزيد عن 3 كيلو متر من حقل المنصورية الغازي، وبجواره، لكن الحكومة تلجأ في تشغيلها إلى الغاز الإيراني الواصل عبر أنابيب تمتد من إيران إلى محافظة ديالى.
فيما يقع “حقل عكاز الغازي” الذي تم اكتشافه عام 1992 شمال غرب الانبار، 25 كم جنوب غرب قضاء القائم على نهر الفرات، وبالقرب من الحدود السورية، ويبلغ طول الحقل 50 كم ويبلغ وعرضه 18 كم ويوجد فيه ستة آبار محفورة ويبلغ المخزون الغازي المثبت فيه 5,6 تريليون متر مكعب قياسي.
اقرأي أيضا: تراجع ساعات الكهرباء بالعراق بسبب انحسار الغاز الإيراني
الغاز الطبيعي في العراق
ينقسم الغاز الطبيعي في العراق إلى نوعين: أولهما الغاز المصاحب للنفط، وهو ما يشكل الجزء الأكبر من الثروة الغازية في البلاد، والثاني الغاز الطبيعي الحر، ويتمثل في حقل عكاز، وحقل سيبة في البصرة جنوبا، والمنصورية.
وفي أحدث تقرير صادر عن “البنك الدولي” نشر في تموز/يوليو الماضي، احتل العراق المركز الثاني عالميا للسنة الرابعة على التوالي بين أعلى الدول إحراقا للغاز الطبيعي.
ويقدر الاحتياطي الطبيعي من الغاز العراقي بـ 132 تريليون قدم مكعبة -حسب منظمة الدول المصدرة للنفط “أوبك”- أُحرق 700 مليار قدم مكعبة منه نتيجة ضعف القدرة على استغلاله، مع بلوغ إنتاجه اليومي من الغاز الطبيعي المصاحب 2,7 مليار قدم مكعبة، ويستهدف وصوله إلى 3,1 مليارات قدم مكعبة، ويقدر بنسبة 1,5 من الاحتياطي العالمي من أوبك، و1,8 للاحتياط العالمي، ويحتل المرتبة 11 عالميا بالنسبة للترتيب الدولي.
وأتلف العراق عام 2020 – بحسب بيانات دولية- ما يقدر بـ 18 مليون متر مكعب من الغاز، وإذا حولت هذه الكمية إلى البرميل، فإنه يتلف ما يعادل 62 بالمئة من إنتاجه من الغاز، أي ما يعادل 196 ألف برميل من النفط، أي بما يعادل 45 مليار دولار تقريبا.وأشارت بيانات وكالة الطاقة الدولية إلى أن كمية الغاز التي يحرقها العراق يوميا تكفي لإمداد ما لا يقل عن 3 ملايين منزل بالطاقة الكهربائية، التي عجزت حكومات ما بعد 2003 عن معالجة مشاكلها حتى الآن.

