الملاحقة القضائية في أوروبا لمجرمي الحرب: إجراءات شكلية أم نافذة أمل للسوريين؟

الملاحقة القضائية في أوروبا لمجرمي الحرب: إجراءات شكلية أم نافذة أمل للسوريين؟
أستمع للمادة

تستمر منذ عدة سنوات الملاحقة القضائية في أوروبا ضد بعض الشخصيات، التي كانت تعمل مع الحكومة السورية. وقد صدرت أحكام في بعض القضايا، كما في حالة أنور رسلان، رئيس قسم التحقيق السابق في فرع الخطيب؛ وإياد الغريب، المساعد أول في فرع التحقيق، فيما عُرف باسم محاكمات كوبلنز. إضافة إلى قضية علاء موسى، الطبيب في المشفى العسكري في دمشق، والذي تتم الآن محاكمته في مدينة فرانكفورت في ألمانيا.

وأعادت هذه المحاكمات قضية المعتقلين السوريين، وانتهاكات حقوق الإنسان في سوريا إلى الواجهة. كما اعتبرها بعض السورين نافذة أمل إلى عدالة ينتظرونها من سنين. لكن الملاحقة القضائية في أوروبا، التي تحتاج لسنوات طويلة، بدت لآخرين دون جدوى حقيقية. خاصة وأنها تحاكم ضباطا وصف ضباط سابقين، في الوقت الذي تفتح فيه حكومات عربية قنوات دبلوماسية وأمنية مع الحكومة السورية.

الإجراءات البطيئة للملاحقة القضائية في أوروبا

المحامي محمد القاسم، المدير التنفيذي لمجموعة ملفات قيصر، يقول إن “الملاحقة القضائية في أوروبا، وخاصة الدعاوي التي تم رفعها في ألمانيا، تطلبت وقتا طويلا من التحضير. إذ أن الدعاوي لا يتم تحريكها، ولا يتم توقيف المتهمين فيها، قبل جمع أدلة كافية للإدانة، وهذا يتطلب وقتا وعملا كبيرين”.

 وفي حديثه لموقع “الحل نت”، شدد القاسم على أهمية الملاحقة القضائية في أوروبا، ودورها في المضي بطريق طويل من المحاسبة وملاحقة الجرائم: “لا يتم غالبا توقيف أي مشتبه به قبل أن يتم جمع أدلة كافية وقوية، لترجيح ارتكابه لهذه الجرائم الخطيرة، وفق القوانين الدولية. وأيضا فإن عمليات فتح التحقيق تحتاج إلى تعاون الضحايا والشهود مع السلطات المختصة، في الدول التي تتم فيها المحاكمات، مع مراعاة وجود عدة عوامل، ومعايير ترافق مثل هذه الإجراءات”.

هذه الإجراءات البطيئة نوعا ما، والتي تخضع لعرف القوانين وأصولها، كما يصفها القاسم، هي برأيه “خطوة كبيرة للأمام”، مؤكدا أن “هناك عدة دول حذتْ حذو ألمانيا، مثل فرنسا وإسبانيا. خاصة بعد أن لعبت صور قيصر دورا كبيرا، في تقديم أدلة قوية للملاحقة القضائية في أوروبا وغيرها”.

 ويتابع القاسم: “أسفرت التحقيقات إلى إصدار مذكرة توقيف دولية بحق اللواء جميل حسن، وكذلك عدة مذكرات توقيف من السلطات القضائية في فرنسا”.

مشكلة أمن الشهود

تحتاج شهادات الضحايا، أو ذويهم إلى عدة جلسات وإجراءات، تجعل البعض يتحاشاها، خاصة إن كان لديه تحفظات في الكشف عن هويته، كما هو الحال مع أحمد، وهو اسم مستعار لأحد الشهود ضد أنور رسلان، والذي قال لـ”الحل نت” إنه “فضّل الإدلاء بشهادة سرية لأسباب أمنية”.

 ويضيف عن مصداقية الشهادات: “قمت بسرد بعض الحقائق، ووصف ما حدث في فرع الخطيب، وهو ما تطابق مع أقوال غيري، ما أعطى شهادتي مصداقية لدى المحققين والقاضي، وعزز الاتهامات بحق من كانوا مسؤولين عن الاعتقال والتعذيب”.

ويرى أحمد أن “الملاحقة القضائية في أوروبا يجب أن تستمر، وأن تبقى حاضرة أمام الناس، للتشديد على أهمية المسار القانوني، حتى لو لم تتم محاكمة إحدى الشخصيات الكبيرة”.

الملاحقة القضائية في أوروبا لن تغير الوضع السياسي الدولي

توجهت الملاحقة القضائية في أوروبا في معظم الحالات لمحاكمة ضباط سابقين في الأجهزة الأمنية السورية، هو ما رآه البعض غير عادل إلى حد كبير، خاصة، وأن بعض المتهمين انشقوا منذ بداية الحرب السورية.

ويخشى المنتقدون أن يتم الاكتفاء بهذه المحاكمات، فيما يتعلق بملف العدالة في سوريا. وهذا ما عبّرت عنه هلا الشاهر، الناشطة السورية، العاملة في منظمة للاجئين في مدينة كولن الألمانية: “للأسف، السوريون في حالة عالية من الإحباط. نعم، يسعدهم أن يسمعوا أن مجرما، قد تمت محاسبته، لكنهم أيضا ينتظرون أكثر من هذا بكثير”.

 وتضيف في حديثها لـ”الحل نت”: “ما أتمناه شخصيا أن تتم محاكمة من قاموا باتخاذ القرار بالجرائم، وتسببوا بتهجير ملايين الناس. أخشى أن تتحول القضية إلى محاكمات فردية هنا وهناك. في الوقت نفسه، لا أريد أن أقلل من جهد العاملين في مجال الملاحقة القضائية في أوروبا، بل أدعمهم، لكنني أرى أن الطريق مازال طويلاً جداً”.

وتعتقد الشاهر أن “طول فترة المحاكمات، وتزامنها مع إعادة العلاقات الدبلوماسية بين الحكومة السورية ودول المنطقة، يقللان من الأمل بأن تفضي الملاحقة القضائية في أوروبا إلى تحقيق العدالة، فالسياسة الدولية العامة تتجه لمزيد من التواصل مع دمشق، وإعادة التعامل معها. ولا أدري إن كانت محاكمة ضابط هنا أو مسؤول هناك يمكن أن تغير الواقع”.

من الواضح إذا أن الملاحقة القضائية في أوروبا لم ترتقِ بعد إلى تحقيق إجماع بين صفوف السوريين المعارضين، لكنها تبقى بالنسبة لكثيرين حجر أساس لعدالة ما في المستقبل، خاصة وأن وثائق عديدة، تدين حكومة دمشق، ما تزال موجودة، منها ما هو مُخبّأ لدى الدول وأجهزة استخباراتها، مثل وثائق مجزرة التضامن، التي كشفت عنها جريدة الغارديان البريطانية، على الرغم من مضي تسع سنوات عليها.

شاركها على ...
كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير وتحقيقات