الروبل الروسي.. بين واقع الارتفاع ووهم القيمة

الروبل الروسي.. بين واقع الارتفاع ووهم القيمة
أستمع للمادة

فرضت الدول الغربية مجموعة شاملة من العقوبات على روسيا في الأيام التي تلت غزوها لأوكرانيا في شباط/فبراير 2022، وانخفض على أثرها الروبل الروسي مقابل الدولار الأميركي بشكل متسارع من حوالي 78 إلى 138، وهو انخفاض ضخم، مما دفع البنك المركزي الروسي اتخذ مجموعة من الإجراءات التي أحدثت فرقا غير متوقع في سعر الروبل، فعلى عكس الكثير من المحللين الاقتصاديين الذين توقعوا استمرار انخفاض الروبل، فقد أصبح سعره في الوقت الحالي أكثر مما كان عليه عندما بدأت الحرب، وتبلغ قيمة الدولار الأمريكي الآن 57 روبل، وهو أفضل سعر صرف منذ حوالي أربع سنوات.

كردة فعل على العقوبات الدولية، عمل البنك المركزي الروسي على إصدار مجموعة من الإجراءات والتي تعرف باسم “ضوابط رأس المال” حيث تهدف إلى حماية الروبل من الانهيار، وكانت تلك الإجراءات على الشكل التالي:
منع النقد الأجنبي (الدولار واليورو والين) من التدفق خارج البلاد.

رفع سعر الفائدة الى أكثر من الضعف، ويساهم ذلك بسحب الأموال من الأسواق، مما يقلل من حجم المعروض من الروبل، لحمايته من معدلات التضخم المرتفعة.

تقييد استخدام الحسابات المصرفية المقيمة بالدولار واليورو، حيث لم يعد باستطاعة الأشخاص تحويل الروبل إلى دولارات. كما حددت 10000 دولار أمريكي شهريا للتحويلات التي يقوم بها المقيمون إلى حسابات بنكية في الخارج، وحددت أيضا 10000 دولار أمريكي لسحب العملات الأجنبية من البنوك شهريا.

فرضت على المصدرين استبدال 80 بالمئة من أرباحهم من النقد الأجنبي إلى الروبل في غضون ثلاثة أيام، الأمر الذي خلق طلبا مرتفعا على الروبل.

قيدت، وصعّبت موسكو على المستثمرين الأجانب الخروج من روسيا، وذلك عبر التهديد بمصادرة ممتلكاتهم.
توقيع بوتين على مرسوم يطالب “الدول غير الصديقة” ويقصد هنا دول الاتحاد الأوروبي بدفع ثمن الغاز الروسي بالروبل.

هناك أسباب أخرى أيضا غير مرتبطة بإجراءات البنك المركزي الروسي ساهمت في ارتفاع قيمة سعر صرف الروبل، وهي كالتالي:

تراجع واردات روسيا بفعل العقوبات الدولية التي قيدت وصولها إلى السلع في السوق الدولية، لاسيما من السوق الأوروبية والامريكية، مما أدى إلى ارتفاع فائض الحساب الجاري (قيمة الصادرات مطروحا منها الواردات) إلى أعلى مستوى تاريخي، مما عزز الروبل، عبر انخفاض تدفق الدولار واليورو من روسيا إلى الأسواق الدولية.

مواصلة تصدير روسيا الغاز والنفط إلى الدول الأوروبية، إلى جانب التوجه بزيادة صادرات الطاقة إلى دول لا تفرض عليها عقوبات مثل الصين والهند، بل خفضت روسيا أيضا للدولتين من سعر برميل النفط بنسبة تصل إلى 30 بالمئة.
وقد أدى ارتفاع أسعار الطاقة مع الانكماش الحاد في الواردات إلى ظهور فوائض مرتفعة في الحساب الجاري، وهو الأعلى في تاريخ روسيا. ويقدر “معهد التمويل الدولي” في غياب عقوبات جديدة كبيرة على الطاقة الروسية أن فائض الحساب الجاري لروسيا قد يتجاوز 250 مليار دولار هذا العام.

ومن المعروف أيضا عندما يرتفع سعر النفط، يصبح الروبل أقوى، وقد ارتفع سعر النفط على نطاق واسع منذ النصف الأول من عام 2020، مما أفاد الروبل في الفترة التي سبقت الحرب. بالنتيجة في الوقت الحالي تمتلك روسيا بالفعل احتياطي كبير من العملة الأجنبية التي تحتاجها لخدمة ديونها الخارجية، والذي يشكل أرضية متينة لحماية الروبل وإيقاف انهياره.

القوة الفعلية للروبل

قبل الخوض في واقعية قوة صرف الروبل لابد لنا في المقام الأول أن نبسط نقطة هامة تؤثر بدرجة كبيرة في كيفية تحديد سعر الصرف لعملة وطنية، حيث يتم تحديد سعر الصرف في أي بلد من خلال تدفقات رأس المال والتجارة، بمعنى آخر، الأموال التي تتحرك داخل وخارج الدولة، وقيمة الصادرات مقارنة بالواردات.

ولابد من الإشارة لنقطة مهمة في السياسة الاقتصادية الروسية وهي، أن السلطة الحاكمة دائما ما تدافع عن قيمة عملتها بكل قوتها، وتعتبر ذلك أحد أوجه المقاومة ضد الغرب، وفق ادعاءاتها، ومن الأمثلة على ذلك، طوال فترات السبعينيات والثمانينيات كان الاتحاد السوفيتي قد حدد سعر الصرف الرسمي للروبل الواحد حوالي 1.35 دولار، في حين كان سعر الصرف في السوق السوداء أقرب إلى أربعة روبل للدولار. ومثال أخر، عاشت روسيا أزمة الديون في أواخر التسعينيات التي كانت أحد أسبابها الرئيسية ناجمة عن دفاع “الكرملين” النشط عن قيمة العملة. بمعنى قد تستهلك الحكومة الروسية أجزاء كبيرة من احتياطاتها النقدية الأجنبية بهدف حماية سعر صرف الروبل، حتى لو كان ذلك على حساب ضعف الاقتصاد الكلي.

على الرغم من ارتفاع سعر صرف الروبل أمام العملات الرئيسية العالمية بعد الإجراءات التي أعلن عنها البنك المركزي، إضافة إلى ارتفاع أسعار موارد الطاقة، إلا أن سعر صرفه لا يعكس الواقع الحقيقي لقيمته، انطلاقا من حركة تدفقات رأس المال، حيث لا يمكن القول أن سير العملية الاقتصادية في روسيا تجري على ما يرام، حيث أن ارتفاع قيمة سعر صرف الروبل يعد مؤشرا سلبيا على الأداء الاقتصادي الروسي عموما، لأنه يعكس فقط حقيقة أن الواردات انخفضت بشكل حاد لدرجة أن المستوردين الروس لا يحتاجون إلى الكثير من العملات الأجنبية، بسبب عدم قدرتهم على استيراد البضائع من الاتحاد الأوروبي ومن الولايات المتحدة. لذا فإن الروبل القوي يعكس فقط حقيقة أنه لا يوجد تداول للنقد الأجنبي في روسيا بالوقت الحالي، وهذا بالطبع أمر سيء للغاية بالنسبة للاقتصاد. بمعنى أخر على الرغم من أن العملة قد حافظت على قيمتها، إلا أن فائدتها الفعلية تراجعت إلى حد كبير.

بالنتيجة من الواضح أن موسكو استطاعت الحفاظ على قيمة سعر صرف الروبل لتاريخ كتابة هذه السطور من خلال تطبيق ضوابط رأس المال، والفائض الحاصل في ميزان المدفوعات الإجمالي الناتج عن توقف حركة الاستيراد من الخارج، وارتفاع أسعار موارد الطاقة (الغاز، البترول). في المقابل قوة الروبل لا تعكس تماما القيمة الحقيقية لسعر الصرف. ومن جهة أخرى فإن ارتفاع سعر الروبل يؤثر سلبا على ارتفاع تكاليف الصناعات الروسية المحلية، مما يثقل كاهل المنتجين ويخفض القدرة على التصدير.

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول اقتصاد