موقف واشنطن من الاستدارة التركية نحو دمشق.. ما التأثيرات على “الإدارة الذاتية”؟

موقف واشنطن من الاستدارة التركية نحو دمشق.. ما التأثيرات على “الإدارة الذاتية”؟
أستمع للمادة

منذ صدور التصريحات التركية الأخيرة حول إعادة العلاقات مع الحكومة السورية، بالإضافة إلى تصريح رجب طيب أردوغان، الذي أعلن، أنه “لم يستبعد الحوار والدبلوماسية” مع دمشق، وأن تركيا لا تهدف إلى هزيمة بشار الأسد في سوريا، يبدو أن الولايات المتحدة الأميركية تراقب هذه التصريحات ببطء، حتى تعبر عن مواقفها بشأن هذه الاستدارة التركية المفاجئة نحو الملف السوري، خاصة وأن هذا التقارب يتم بوساطة روسية بين أنقرة ودمشق، لا سيما زيارة وزير الخارجية السوري فيصل المقداد الحالية لروسيا، وما يترتب هناك للقاء مرتقب بين بشار الأسد وأردوغان، أي أن إعادة العلاقات بين الطرفين بات أمر حتمي.

في حين تأتي خطوات تركيا في خضم المتغيرات الإقليمية والتطورات الداخلية في تركيا تجاه إعادة العلاقات مع دمشق، تبدي “الإدارة الذاتية”، لشمال شرقي سوريا مخاوف جمة حيال هذا التقارب التركي-السوري، فقد أعرب عدد من المسؤولين الأكراد عن خشيتهم من صفقة سورية-تركية في الشمال.

ورغم إصرار أنقرة وتصريحاتها المتتالية من جانبها التي تدلل بشكل كبير على توجهها الجديد، الذي يأتي في إطار التوجهات والأطماع الروسية في سوريا والمنطقة عموما، إلا أنه حتى الآن لم تعلق الولايات المتحدة الأميركية، على التصريحات التركية بشأن إعادة العلاقات مع الحكومة السورية في دمشق، ومن هنا تبرز عدة تساؤلات حول مواقف الولايات المتحدة، من هذا المنعطف التركي وتحديدا تجاه الأسد، بالإضافة إلى تخوفات “الإدارة الذاتية”، من هذا التقارب، وما إذا كانت واشنطن ستبدي أي مواقف وتحركات لوضع حد لهذه الخطوات، خاصة وأن موقف واشنطن واضح منذ البداية، وهو الرفض التام لأي تطبيع مع دمشق، والرئيس السوري بشار الأسد.

سلسلة الاستسلامات التركية

ضمن السياق، رأى نائب الرئاسة المشتركة للمجلس التنفيذي في “الإدارة الذاتية”، لشمال شرقي سوريا حسن كوجر، أن تقارب أنقرة مع دمشق سيسمح بضرب مشروع “الإدارة الذاتية”، في مناطق شمال شرقي سوريا مقابل دخول قوات دمشق إلى إدلب، والسيطرة على طريق “إم4”.

وحذر كوجر، في تصريحات نشرها موقع المجلس التنفيذي، يوم أمس السبت، من أن “التقاربات والاتفاقات الخطيرة ستفتح مجالا لإطالة أمد الأزمة السورية وتعميقها، وتسهم في إعادة تنشيط تنظيم داعش الإرهابي”.

وفي هذا الإطار، يقول الكاتب والمحلل السياسي، داريوس درويش، أن “ما يسمى التقارب بين تركيا وسوريا، هو في جوهره استسلام تركيا، ومن خلفها المعارضة السورية المدعومة من الأولى أمام النظام السوري”.

 ويضيف درويش، في حديثه لموقع “الحل نت”، أنه “وهكذا تُختتَم سلسلة الاستسلامات التي جرت سابقا في حمص، ثم دمشق، وأخيرا حلب”، على حد تعبيره.

وفي الواقع، وفق اعتقاد درويش، “يعود هذا التحول إلى عام ٢٠١٥ حين أصبح الهدف التركي الوحيد، وبالتالي هدف المعارضة السورية المدعومة منها أيضا، القضاء على الوجود الكردي في سوريا. لذا، فإن الاستسلام أمام الحكومة السورية، كان أمرا حتميا لتحقيق هدفهم”.

ضحالة طموحات الأسد

في الواقع، ثمّة تحديات متفاوتة تواجه دعوات تركيا، بشأن إعادة العلاقات مع دمشق، وعقد “مصالحة” بين دمشق، ومعارضيها. فهناك شروط من الحكومة السورية لجهة إجراء مفاوضات مع تركيا، أهمها سيطرة قوات حكومة دمشق الكاملة على الممر التجاري في معبر “باب الهوى”، الحدودي مع تركيا وصولا إلى العاصمة دمشق، إضافة إلى الطريق التجاري “إم 4″، الواصل بين دير الزور واللاذقية مرورا بالحسكة وحلب، بالإضافة إلى إعادة محافظة إدلب، إلى إدارتها، كشرط للتواصل مع أنقرة، بحسب ما جاء في تقرير صحيفة تركية، مؤخرا، فضلا عن مطلبها المتعلق بعدم دعم أنقرة، للعقوبات الأوروبية المفروضة على حكومة دمشق، والشخصيات الداعمة لها.

وبالعودة إلى الكاتب والمحلل السياسي، داريوس درويش الذي يقول في هذا الاتجاه، “بطبيعة الحال، يجب أن يكون هذا التحول التركي مخيفا لأصحاب التوجه الداعي للتحالف مع دمشق ضمن “الإدارة الذاتية”.

ووفق رأي درويش، فإن شروط الحكومة السورية التي تم تسريبها عبر وسائل إعلام مقربة من الحكومة التركية، تكشف مدى بؤس دمشق وضحالة طموحاتها في المنطقة، فأقصى ما يطمح إليه هو الحصول على النفط دون وضع أي اعتبارات أخرى تخص حماية سكان المنطقة من التهجير، والتغيير الديمغرافي، وهو أقصى ما يمكن توقعه من حكومة دمشق أساسا.

قد يهمك: غزل سياسي أم تخلص من المعارضة.. ما سر الانعطافة التركية نحو دمشق؟

مواقف واشنطن

يبدو أن خطوات أردوغان، تأتي في إطار لما تم التوافق عليه بين قادة مسار “أستانا”، خلال القمة الماضية في طهران، حيث توافق القادة الثلاث هناك على بدء مرحلة جديدة مختلفة فيما يخص الوضع السوري، روسيا قالت إن هذه المرحلة ستغير وجه سوريا والمنطقة، وهذا ما يحدث حقيقة، حيث أن الانعطافة التركية تجاه دمشق وتحديدا مع الأسد بهذه السرعة، يكشف لما تم الحديث عنه في قمة طهران.

وبالعودة إلى الكاتب السياسي، داريوس درويش، الذي أضاف لـ”الحل نت”، أنه من جهتها، لم تعد الولايات المتحدة تربط نفوذها في سوريا مع النفوذ التركي كما كان عليه الحال قبل معركة كوباني/عين العرب، كما أنها لم تشارك في المغامرات التركية مع روسيا، وإيران في مساري “سوتشي” و”أستانا”، إضافة إلى الدعم التركي المتواصل للتنظيمات الإرهابية، وإيوائها عناصر من تنظيم “داعش” الإرهابي في مناطق سيطرتها.

وهذا يعني، وفق اعتقاد درويش، في ختام حديثه، أنها غير معنية بالاتفاقات التركية مع أي جهة كانت، لا بوصفها حليفا ولا حتى بوصفها ذات توجه سياسي مماثل. في هذه الحال، فإن تخلي تركيا عن نفوذها في سوريا، يعني أن الطرفين الوحيدين الذين سيبقيان على الساحة هما الحكومة السورية، مدعوما بالمعارضة المستسلمة، و”الإدارة الذاتية”، مدعومة بالمنشقين عن المعارضة الحالية.

يذكر أن أردوغان، أضاف خلال تصريحاته، في أثناء عودته من زيارته لأوكرانيا للصحفيين، “منذ البداية أصدرت تصريحات تحترم سلامة أراضي سوريا، ونعلن أن المعارضة، والنظام بحاجة إلى مصالحة في سوريا، والنظام يريد حلا عسكريا، لكن الحل النهائي هو الحل السياسي“، بحسب ما نقلت وكالة “الأناضول“.

وفيما يتعلق بتداعيات هذه الاستدارة التركية على الملف السوري، أضاف محللون سياسيون في وقت سابق، لموقع “الحل نت”، أنه بات من الواضح تماما أن المعارضة السورية، أي (الجهات الرسمية الممثلة في المعارضة السورية المتمركزة في أنقرة)، رهنت كل أوراقها بيد الحكومة التركية، بل إنها تماهت تماما مع السياسة التركية إلى حدّ أن هذه الكيانات المعارضة أصبحت ذات دور وظيفي أكثر من دور سياسي حقيقي، وبالتالي في هذه الحالة، فإن هذه الكيانات السورية المعارضة ستظل متوافقة مع السياسة التركية، حتى في الذهاب إلى مفاوضات مباشرة مع الحكومة السورية في دمشق، علما أنها تعلم تماما بأنها ذاهبة إلى مفاوضات، ولا تملك من أوراق القوة بشيء، وإنما ستعيش أو تبقى تعتمد على ما يمكن أن يحققه الجانب التركي لها.

ووفق تقديرهم، فإن خيارات المعارضة السورية ستكون محدودة جدا، بمعنى أنه في حال التفاوض المباشر مع الأسد، فإن سيناريو الجنوب السوري سيلوح في الأفق، وربما بحسب ذلك، قد تنخرط “فصائل الجيش الوطني السوري” المدعومة من أنقرة، وعلى غرار ما حدث في جنوب سوريا، في فيلق ما، كما هو حال الفيلق الثامن، وسيكون هذا الفيلق إن تم، تحت إشراف روسي-تركي مشترك، لكن، السيادة ستكون لـ(نظام بشار الأسد).

في سياق متصّل، نشرت وكالة “مهر” الإيرانية يوم أمس السبت، أنباء عن احتمال لقاء الأسد، بأردوغان قريبا. وبحسب أنباء الوكالة الإيرانية، فإنها تقول: “هناك زيارة وثيقة للغاية يقوم بها زعيم الحزب الوطني التركي إلى سوريا، يرافقه عدد من الوزراء والدبلوماسيين السابقين، ولقائه بالرئيس السوري، لبحث سبل إعادة العلاقات وعودة اللاجئين السوريين من تركيا إلى سوريا، وإذا كانت نتائج اللقاء إيجابية، سيلتقي الرئيس السوري، مع الرئيس التركي في قمة منظمة شنغهاي، التي ستعقد في أوزبكستان يومي 15 و 16 أيلول/سبتمبر، حيث طلب بوتين، في وقت سابق من الرئيسين التركي، والسوري حضور الاجتماع”.

ولأجل ذلك، فإن هذا في مجمله انتكاسة كبيرة للسوريين وما سعوا إليه منذ سنوات في سبيل نيل حقوقهم وكراماتهم بالعيش في البلاد. ربما تتجه الأنظار اليوم كلها نحو واشنطن، وبعض الدول الأوروبية الذين لا يرغبون في حدوث أي تقارب بين دمشق والأطراف المدعومة من روسيا وإيران، حيث أن مسعى واشنطن والدول الأوروبية تتركز اليوم على إيجاد حل سياسي شامل للسوريين، ومكافحة التنظيمات الإرهابية في المنطقة، خاصة وأن هكذا تقاربات تعزز احتمالات إحياء تنظيم “داعش”، لذا فالأيام القادمة كفيلة لما ستبدي به واشنطن، من مواقف إزاء توجه أنقرة لإعادة العلاقات مع دمشق.

قد يهمك: ما هي خيارات “المعارضة” مع المتغيّرات التركية تجاه “الأسد”؟

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول شرق أوسط