البنوك الرقمية تنطلق قريباً في سوريا؟

لا تزال البنوك في سوريا تعاني من أنظمة مصرفية قديمة، إلى جانب الروتين البطيء ومزاجية التعامل وتدخل الوساطات في الخدمات التي تقدمها، في الوقت الذي تتطور فيه البنوك حتى في دول الجوار، ولذلك برز الحديث مؤخرا عن تأهيل لإطلاق أنظمة بنوك رقمية في سوريا، ليطرح ذلك تساؤلا حول مدى إمكانية إنجاز مثل هذه البنوك في ظل وجود بنية تحتية مدمرة.

بيئة غير مكتملة

تقرير لصحيفة “البعث” المحلية، يوم أمس الثلاثاء، نقل عن مدير أنظمة الدفع في مصرف سوريا المركزي، عماد رجب، أن جاهزية البنية القانونية والتشريعية، ومدى ملاءمتها وتكامليتها لاستقبال البنوك الرقمية، أو ما يعرف بـ”بنوك المستقبل”، هو السبب الرئيسي بالتريث بإطلاقها في سوريا.

وأوضح رجب، أن البنوك الرقمية تعني تحول الخدمات المصرفية إلى إلكترونية رقمية، تبدأ من مرحلة فتح الحساب لتشمل أية معاملة يمكن طلبها من المصرف، وذلك من خلال سمات تعرف رقمية على شخصية مقدم الطلب، وغيرها من الوسائل الكفيلة لسلامة الممارسة وأمن المعلومات وحسابات المتعاملين.

وأشار رجب، إلى مناقشة بعض المواضيع المتعلقة بهذه البنوك مع المصرف المركزي، لافتا إلى وجود القدرة والإرادة لإطلاق هذا النوع من البنوك ولكن بعد تجهيز البنية التشريعية، وتأمين الحماية اللازمة لها.

كما اعتبر رجب، أن التطورات التكنولوجية فرضت نوعا جديدا من العلاقة يتم التماشي معه في مختلف الأبعاد والمسارات، وأن البنية القانونية والتشريعية جاهزة من حيث المبدأ لحل جميع الإشكالات التقليدية، لكن التعامل مع التكنولوجيا الرقمية يحتاج إلى توضيح وتحديد للمسميات والمسؤوليات، وبنود واضحة تحدد طبيعة العلاقة، وأساليب التأكد والتحقق وغيرها.

من ناحية ثانية، أشار رجب إلى أن البنوك الرقمية وتأكيد الهوية ومعايير الأمان تتطلب أنظمة أمن معلومات خاصة ومتطورة، والتي تقع مسؤولية تأمينها على عاتق البنوك المقدمة للخدمة، مؤكدا أهمية تأمين المتطلبات، والتأكد من جدوى العملية وتكامليتها لإطلاقها بالشكل الأمثل.

وفي هذا السياق، لفت رجب إلى عوائق ترافق استقدام التجهيزات الضرورية وأنظمة أمن المعلومات وغيرها.

كما اعتبر رجب أن الخدمات الرقمية التي أطلقتها البنوك السورية، تناسب المرحلة الحالية وتضعها في قلب التحول الرقمي والمالي العالمي، فضلاً عن تناسب الخدمات المقدمة مع انطلاق استراتيجية التحول الرقمي في سوريا، والعمل على تطوير الجوانب التشريعية والإدارية القانونية، وتحول المتعاملين لاستخدام التكنولوجيا العصرية، إلى جانب إطلاق مشروع الدفع الإلكتروني، وربط البنوك وشركات الحوالات، والتوسع في توزيع أجهزة نقاط البيع، وكذلك إطلاق غالبية البنوك لتطبيقاتها الذكية عبر الموبايل، وتمكين المتعاملين من طلب غالبية الخدمات من أي مكان عبر جهاز المحمول.

وكشف رجب، عن فتح 15 ألف حساب إلكتروني عن بُعد، بإجراءات بسيطة من دون الحاجة إلى زيارة فروع المصارف، والتي استفاد منها طلبة الجامعات بشكل واسع وهم يمثلون النسبة الأكبر من شاغلي الحسابات، والتي ستوسع انتشارها تدريجيا.

إقرأ:سوريا.. قروض بدون فوائد للطاقة البديلة

عوائق من البنوك الرقمية للدفع الإلكتروني

في الوقت الذي تبدو فيه فكرة إنشاء بنوك رقمية في سوريا، بحاجة إلى وقت أطول نتيجة عوائق تتمثل بالتشريعات الخاصة بهذا النوع من الأنظمة الرقمية والتي تبدأ من المصطلحات الرقمية وصولا لأنظمتها بشكل عام، فإن فكرة الدفع الإلكتروني التي تروج لها حكومة دمشق منذ مدة لم تنجح حتى الآن على الرغم من ترخيص عدد من شركات الدفع الرقمي.

تقرير سابق لـ”الحل نت”، أشار إلى أنه بعد أكثر من عامين على إطلاق الشركة السورية للمدفوعات الإلكترونية وربطها اليوم مع 10 مصارف عامة وخاصة، بالإضافة إلى التشبيك مع شركتي الخلوي، تبيّن أن البنية الأساسية للدفع الإلكتروني شبه مكتملة بعد الربط بين مصرف سوريا المركزي والمصارف وشركات الدفع الإلكتروني، والشركة السورية للمدفوعات الالكترونية، وبحاجة فقط اليوم إلى الربط بين جميع المكونات، وبعض الأعمال الأخرى لإنجاح بنية الدفع الإلكتروني.

ونقل التقرير عن مصادر مصرفية، أن عدد البطاقات المصرفية التي تعمل على الشبكة وصلت إلى مليون بطاقة تحتاج إلى الربط الشبكي ليتاح استخدامها من قبل جميع الصرافات، وأن عدد نقاط البيع الموزعة في الأسواق والمؤسسات المالية وصل اليوم إلى 3500 نقطة بيع، وتم خلال العامين الماضيين الترخيص لـ 6 شركات دفع الكتروني، واليوم هناك شركتين على أبواب الترخيص النهائي، ومع ذلك الدفع الالكتروني من خلال الحركات التي ينفذها ما زال خجولا.

لكن هذه المصادر، بيّنت أن التحديات التي تواجه الدفع الالكتروني ليس تقنية بل هي في الدرجة الأولى، تتمثل بالتخوف من قبل التجار والصناعيين، وإقناع الموظف في الدرجة الثانية، أي أن راتب الموظف لا يكفي لرسوم أو فواتير مثلا ترسيم سيارة، أو قسط تأميني أو قسط منزل، أو حتى شراء أبسط قطعة الكترونية، أو كهربائية، أو أدوات منزلية ومفروشات.

ويرى العديد من التجار، أن التحول إلى الدفع الالكتروني يعني الشفافية في التعامل ويعني أن المالية ستلاحقك على نسبة 30 بالمئة، من أرباحك وهذا ظلم لا يقبل به أحداً، والمطلوب بحسب المصدر، تعديل الضريبة وإصلاح النظام الضريبي ومنع الازدواج الضريبي، وإيجاد الضريبة على القيمة المضافة من أهم اسس انتشار الدفع الالكتروني، وقبل إصلاح هذه المنظومة لن يستخدم التجار الدفع الالكتروني في مبيعاتهم.

وبحسب التقرير، فإن التجار والصناعيين لا يستخدمون الدفع الالكتروني في عمليات البيع والشراء نتيجة مخاوفهم من ملاحقة المالية، مشيرا إلى أن الحسابات المصرفية لميلون بطاقة رصيدها أقل من 150 ألف ليرة، ويتم سحبهم دفعة واحدة، فمن الصعوبة التحول إلى الدفع الالكتروني، متسائلا لمن صممت هذه المنظومة في حال رصيد البطاقات الالكترونية للموظفين وهم النسبة الأكبر في أعلى سقف له لا يتجاوز 1000 ليرة.

قد يهمك:العقاري السوري يضاعف سقف القروض إلى أرقام هائلة

ترخيص للشركات

في منتصف أيار/مايو الماضي، منحت الهيئة الوطنية لخدمات الشبكة تصريحا أوليا لعمل تطبيق “إي ليرة” المختص في مجال خدمات الدفع الإلكتروني، من ضمن 4 شركات تقدمت للحصول على تصريح تطـبيق يقدم خدمات دفع إلكتروني، وهي “إي ليرة””، و”إي كاش”، و”سدادي”، و”سيدرة”.

ونقل تقرير سابق لـ”الحل نت”، عن مديرة التنظيم والتراخيص في الهيئة المهندسة مادلين الشلي، أن الهيئة طلبت من الشركة المشغلة للتطبيق استكمال الموافقات اللازمة من مصرف سوريا المركزي، تمهيدا لمنحه التصريح النهائي، وذلك استنادا إلى الضوابط والنواظم الخاصة بالتطبيقات الإلكترونية العاملة على الشبكة.

حيث يقدم التطبيق خدمات الدفع الإلكتروني للعموم، بما فيها تسديد الفواتير والرسومات والاشتراكات والأقساط والخدمات الإلكترونية لكل المؤسسات المتوسطة، والكبيرة ذات النشاط التجاري أو الصناعي أو الخدمي أو التعليمي في القطاعين العام والخاص.

وحول العقبات التقنية في وجه هذا المشروع، أوضح الباحث الاقتصادي، أدهم قضيماتي، خلال حديث سابق لـ”الحل نت”، أن مشروع الدفع الإلكتروني يحتاج لبنية تحتية ملائمة وهي غير موجودة في مناطق سيطرة الحكومة، فهي بنية خاصة بأنظمة متطورة، كالاتصالات والأنترنت، والبنية التحتية السورية بشكل عام تعرضت لدمار كبير خلال السنوات الماضية، دون أن يكون هناك قدرة حكومية على إعادة تأهيلها.

وأضاف قضيماتي، أنه لو تم العمل على هذا المشروع، فإنه سيواجه العديد من المشاكل، أبرزها نقص المحروقات وبالتالي نقص الطاقة الكهربائية التي تعتبر حجر أساس في المشروع، بالإضافة للحاجة لوجود كادر متخصص، وهو ما تفتقر إليه سوريا.

إقرأ:قروض جديدة في سوريا تتجاوز نصف مليار ليرة.. من المستفيد؟

وعلى الرغم من هذه العقبات، فإنه كان يمكن للحكومة إيجاد صيغ ممكنة للتعامل مع مشاكل عمل الصيارفة أو التخفيف من حدتها، إلا أن العاملين في البنوك أكدوا أن الحكومة ليست لديها رغبة جادة في حل هذا الملف، وأن كل ما يتم في هذا الشأن، هو التأجيل حتى يتحقق مشروع الدفع الإلكتروني، ما يشير إلى الرغبة في الاستحواذ على أحد القطاعات الاقتصادية المهمة من قبل فئة محددة بعد شركات الاتصالات، بحسب متابعة “الحل نت”.

عاصم الزعبي

عاصم الزعبي

كاتب سوري، محرر سابق في قسم سوريا بموقع "الحل نت"