أزمة في الأسواق التونسية.. ما قصتها؟

أزمة في الأسواق التونسية.. ما قصتها؟
أستمع للمادة

تونس الخضراء تعيش في وضع اقتصادي لا تحسد عليه، فالأسواق التونسية تواجه شحة كبيرة بالسلع الغذائية، لا سيما المواد الأساسية منها، وأبرزها الزيت والسكر والحليب والقهوة، فما القصة؟

الرئاسة التونسية، قالت في 9 أيلول/ سبتمبر الجاري، إن الرئيس قيس سعيّد جال بمدينة عوسجة في ولاية بنزرت شمالي البلاد، والتقى عددا من الفلاحين الذين يبيعون منتجاتهم بأسعار تغطي كلفة الإنتاج.

وحسب بيان للرئاسة، فإن أسعار المنتجات من جانب المزارعين مقبولة، “ولا وجه للمقارنة بينها وبين الأسعار المعمول بها في عدد من الأسواق، بما يقيم الدليل على أن فقدان بعض المواد لا يعود إلى ندرة الإنتاج، بل هو نتيجة لممارسات المحتكرين”.

رغم تهديدات قيس سعيد وأوامره بملاحقة المحتكرين قضائيا؛ إلا أن أزمة الشح الكبير في العديد من المواد الغذائية وغياب بعضها من الأسواق التونسية تماما، تفاقمت منذ مطلع هذا العام.

أزمة اامواد الغذائية، أضافت مزيدا من الأعباء المعيشية على المواطنين التونسيين، في ظل أوضاع مالية معقدة تمر بها البلاد، خصوصا وأنه منذ نهاية 2021، تسجل المحلات والفضاءات التجارية نقصا في العديد من المواد؛ مثل الزيت النباتي والسميد والسكر والأرز.

ظروف دولية

في شباط/ فبراير الماضي، حذر الرئيس سعيّد، التجار من خطورة المضاربة، وأصدر أوامره بتتبع المضاربين والمحتكرين قضائيا، وقامت وزارة التجارة بحجز كميات هائلة من المواد الاستهلاكية الأساسية، لكن كل تلك الإجراءات لم تكن لها أية آثار إيجابية على حالة الأسواق، بل تفاقمت الأزمة بشكل واضح.

أستاذ الاقتصاد، ووزير التجارة التونسي الأسبق، محسن حسن، علق على الشح غير المسبوق للسلع الغذائية في الأسواق، بقوله إنه “لأول مرّة في تاريخ تونس نتعرض بهذه الحدّة على مستوى انتظام تزويد السوق وعلى مستوى ارتفاع الأسعار”.

حسن اعتبر وفق تقرير لوكالة “الأناضول”، أن “هذا أمر خطير سيؤدي إلى قلاقل اجتماعية وتدني المقدرة الشرائية للمواطن بأكثر من 21.5 بالمئة بين كانون ثاني/ يناير 2020 و30 تموز/ يوليو 2022، إضافة لتآكل الطبقة الوسطى”.

في أسواق تونس، علقت المتاجر والمساحات الكبرى تنبيهات لزبائنها حددت فيها كمية الشراء بالنسبة لبعض المنتجات، ومنها علبة أو علبتان على الأكثر من الحليب والقهوة والزبدة ومواد أخرى.

ينذر هذا الواقع الجديد الذي لم يحدث في السوق التونسية في السابق، بفترة قادمة قد تشتد فيها ندرة عديد من السلع على الرغم من عودة انسيابية سلاسل الإمدادات العالمية، إذ تفتقد عديد من المتاجر بالعاصمة الزيت النباتي المدعم والسكر والقهوة.

وبحسب الوزير الأسبق، محسن حسن: “الأسباب الكامنة وراء عدم انتظام التزويد بالسلع الأساسية، وارتفاع الأسعار، هي الظروف الدولية بعد أزمة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية. ثمة نقص في إمدادات عديد من المواد الأساسية وارتفاع الأسعار”.

خلل برؤية سعيد؟

السبب الدولي لا يفسر وحده هذه الندرة للمواد الاستهلاكية الأساسية، بل هناك، وفق حسن، سبب داخلي يتمثل بضعف وضعية المالية العمومية التونسية؛ لأن الدولة تعيش ظرفا خطيرا على مستوى التوازنات الكبرى وعلى مستوى المالية العمومية.

“هذا الظرف لم يمكنها من الإيفاء بتعهداتها تجاه المؤسسات العمومية المكلفة بالشراء، كديوان الزيت وديوان التجارة وديوان الحبوب والشركة التونسية لصناعات التكرير (المؤسسة الحكومية لتكرير النفط)”.

حسن أوضح، أنه “عندما لا تقوم الدولة بسداد التزاماتها تجاه هذه المؤسسات (العمومية) فإن الأخيرة وجدت نفسها في وضعية خطيرة”، مضيفاً أن “وضعية المالية العمومية هي السبب الأكبر في نقص المواد الأساسية من الأسواق؛ لأن المواد الأساسية المفقودة هي أساسا مواد تستوردها الدولة وتحتكر توزيعها وتحدد أسعارها”.

وإذا كانت وضعية المالية تفسر الندرة، فإن هناك عاملا داخليا آخر، يتمثل في ضعف الإنتاج الوطني، وهناك سوء حوكمة للمنظومات الفلاحية، وسوء خيارات على مستوى السياسات القطاعية، وخاصة تلك التي تتعلق بالأمن الغذائي، وفق حسن.

منذ أن اتخذ الرئيس قيس سعيد إجراءاته الاستثنائية، بداية من يوم 25 تموز/ يوليو 2021، وانفرد بالسلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية في تونس، توالت التحذيرات من أن البلاد تواجه خطرا داهما، ستكون له تداعيات مؤلمة على الاقتصاد تحديدا.

موقع “ريسبونسبل ستايتكرافت” الأميركي، حذر في تقرير له حمل عنوان “قيس سعيّد يدخل في تحالفات إقليمية محفوفة بالمخاطر”، من عدم امتلاك الرئيس التونسي، رؤية واضحة لمستقبل البلاد.

الأكاديمي والخبير الاقتصادي التونسي، عز الدين سعيدان، قال بحسب تقرير وكالة “الأناضول”: “لا بد من التذكير أن الدولة لم تسدد مستحقات المؤسسات العمومية، وخاصة تلك المستحقات المتأتية من صندوق التعويض”.

وأضاف الخبير الاقتصادي: “الدولة لم تسدد مستحقات القطاع الخاص في عديد الميادين، سواء كانت من صندوق التعويض أو فواتير أشغال تم إنجازها لفائدة الدولة، وهذا ما جعل المؤسسات العمومية مع الأسف تفقد تماماً ثقة المزودين الأجانب، وتفقد ثقة البنوك الداخلية والخارجية”.

“نتيجة فقدان الثقة، نجد اليوم أن المؤسسات العمومية، إضافة إلى مشاكل ندرة بعض المواد في السوق العالمية، لها مشاكل ثقة ومشاكل دفع”، بحسب سعيدان.

خفض التصنيف الائتماني

القطاع الخاص أو المزودون الأجانب، بدأوا يشترطون الدفع المسبق مقابل أية عملية استيراد، سواء أكانت دواءً أو غذاءً أو محروقات، وهذا يزيد الضغط على المالية العمومية.

سعيدان أردف، أنه “يجب أن نفهم بأن الدولة هي التي أوصلت مؤسساتها العمومية إلى هذا الوضع، وحان الوقت للتفكير في خروج الدولة من هذه الأنشطة الاقتصادية، التي لا تليق بالدولة في القرن الـ21؛ أن تكون الدولة تاجرا في السكر والشاي والقهوة، بينما دورها الأساسي هو في الصحة والتربية والأمن والعدالة والبنية التحتية”.

واعتبر الخبير الاقتصادي، أنه “في هذا الدور لا يوجد أي طرف يمكن أن يعوّض الدولة، بينما هناك أطراف عديدة يمكن أن تعوّضها في أنشطة اقتصادية بسيطة، وهنا دور الدولة في وضع القوانين والترتيب والتأطير والمراقبة”.

وفي آذار/ مارس الماضي، خفضت وكالة “فيتش” الدولية للتصنيف الائتماني، تصنيف تونس السيادي من مرتبة “B-” إلى “CCC”.

وقالت الوكالة، إن “هذا التصنيف يعكس مخاطر السيولة المالية والخارجية المتزايدة في سياق المزيد من التأخير في الاتفاق على برنامج جديد مع صندوق النقد الدولي”.

الوكالة توقعت حينها، أن يستمر العجز في ميزانية تونس عند مستويات مرتفعة في حدود 8.5 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2022، مقارنة بنسبة 7.8 بالمئة من العام الماضي.

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول دولي