ملء إيران لهوامش الجنوب السوري.. موافقة روسية أم تراخٍ في دمشق؟

ملء إيران لهوامش الجنوب السوري.. موافقة روسية أم تراخٍ في دمشق؟
أستمع للمادة

يوما بعد يوم، تتصاعد وتتسع توغلات إيران في سوريا، في الوقت الذي تتسع مروحة الغارات الإسرائيلية على مواقع إيرانية وسورية، مع انخراط أميركي أكثر في هذه الاستهدافات. لكن، هل من رابط بين هذه التطورات؟

الخيط الذي يربط بينها هو تراجع الوجود الروسي في سوريا؛ فقد سحبت موسكو منظومة “إس 300″، ونقلت نخبة من الطيارين وعناصر وقيادات من مرتزقة “فاغنر”، ونشرت عشرات من القوات البيلاروسية، وهناك إحساس بـفراغ روسي في سوريا بسبب الحرب الأوكرانية، والانتكاسات التي تتعرض لها قوات موسكو هناك. ومع أن التموضع الروسي الاستراتيجي لا يزال على حاله، لكن هناك تقديرا بأن استدامة حرب الاستنزاف تعني حتما تغييرات كبيرة في سوريا.

رد طهران على ذلك، تمثّل في رفع مستوى الوجود العسكري في سوريا، وتجنيد الميليشيات شرق البلاد، وتعميق مستوى التعاون العسكري مع دمشق، وعبرها مع “حزب الله” في لبنان وحلفاء آخرين في المنطقة. وكانت إيران تقوم بذلك عبر الممرات البرية، وحاولت القيام بذلك عبر الممرات البحرية أيضا، لكنها كثّفت في الفترة الأخيرة شحناتها وجهودها عبر المطارات الجوية، فهل كانت موسكو متفقة مع هذا الإطار، أم أن عدم وجود جدية دولية أو عربية، لمحاربة إيران من الأساس بالمنطقة، ومجابهتها، وعلى الطريقة نفسها التي تُعامل بها التنظيمات الإرهابية، ولِد تراخ وتهاون لدى دمشق.

حرب جدّية

أهم الأسباب التي فتحت الطريق أمام التطور الإيراني في الجنوب السوري، هو تكرر التركيز الروسي على الجبهة الأوكرانية، حيث خفضت روسيا وجودها وسيطرتها، وهذا ما تُلخصه الضربات الجوية الإسرائيلية المتكررة ضد أهداف عسكرية إيرانية، أبرزها المطارات في دمشق وحلب.

ومن الواضح أن سباقا لملء الفراغ الروسي قد بدأ بين تل أبيب وطهران، وفق ما يراه المحلل السياسي الروسي، أليكاس موخين، إذ يقول لـ”الحل نت”، أن الرسالة من تل أبيب، هي أن الحرب لإزالة التموضع الجديد قد بدأت، خصوصا وأن دمشق لم تحرك ساكنا بالرغم من التحذيرات التي وصلتها عبر قصف عصب تجارتها الخارجية مطاري حلب ودمشق.

يقول موخين، إن “هذا التصعيد مهين بالنسبة لموسكو ودمشق، وكان موضوع تكهنات بالنسبة إلى طهران وحلفائها، ولذلك، لم يكن أمرا مفاجئا عندما قررت إسرائيل تكثيف استهدافها لإيران في سوريا، لتقليص مخاطر جبهة لبنان وسوريا تحسبا لأي مواجهة معها”.

من الصعب رصد الهجمات العسكرية الإسرائيلية على الأراضي السورية، بما في ذلك المطار والمناطق المحيطة به، فضلا عن المناطق المتفرقة الأخرى، وربما تكون الجهات الوحيدة القادرة على الرصد، هي وكالات الاستخبارات، أو مؤسسات البحوث المتخصصة.

وطبقا لحديث موخين، فإن سوريا الآن مستودع أسلحة بالإضافة إلى نقطة تجمّع لجيوش إيران، وبالتالي فإن القضية الحقيقية تكمن في حجم المخزون الإيراني من الصواريخ والأسلحة الأخرى، والتزام طهران، ودمشق الصمت إزاء هذه الاستهدافات، يؤكد أن هدف المؤسسة العسكرية الإسرائيلية دقيق، وحقيقة أن إيران لا ترد أو تصعّد في مواجهة مثل هذه الهجمات، هي دليل آخر على أنها تنظر إلى سوريا ولبنان كساحة معركة محتملة في حالة نشوب صراع.

اتفاق إيراني – عربي

أصبح من الواضح الآن بلا شك أن إيران تتفاوض في فيينا، وتحتشد في لبنان وسوريا، وتمزق العراق حتى لا يصبح منطلقا لشن هجوم على طهران في حالة الحرب، وتصعّد في اليمن لتحييد الحدود من السعودية، وكل هذا تأكد بتواتر الهجمات الإسرائيلية على البلاد.

يظهر عدد الضربات الإسرائيلية في سوريا، أن المخزون الإيراني هناك كبير، وهذا يعني أن إيران نفذت عمليات تهريب الأسلحة بشكل متسارع خلال الفترة الماضية، بل بحسب موخين، إن عدم جدية عربية أو غربية تجاه تهريب هذه الأسلحة، سيتعين على المنطقة مواجهة العواقب.

ويعتقد موخين، أن دمشق إذا لم تتحرك نحو المربع العربي المواجه لطهران، فإن الخيارات أمامها ستكون قليلة مستقبلا، خصوصا وأن مطار دمشق الدولي بات أداة لتوسيع الهيمنة العسكرية الإيرانية، وفي تدعيم العمق الاستراتيجي للنظام الإيراني في سوريا.

وتابع موخين، “إذا لم تتحالف دمشق مع الدول العربية لعقد اتفاق مع طهران، على شاكلة الاتفاق النووي 5+1 مع الغرب، فإن منع إيران من إنشاء قواعد عسكرية في جميع أنحاء الشرق الأوسط، سيكون من الصعب، لأنها ستكون حينها متغلغلة في مفاصل الدول سياسيا”.

في الأشهر الثمانية الأولى من العام الحالي، تصاعدت وتيرة الهجمات الإسرائيلية على مطار “دمشق” الدولي، بنسبة 85 بالمئة، مقارنة بعام 2021.

وبحسب دراسة للباحث في الشأن الإيراني، ضياء قدور، فإن أهداف القصف الإسرائيلي لمنطقة مطار “دمشق” وما حولها، خلال الأشهر الثمانية الماضية من العام الحالي، شكّلت نحو 29 بالمئة، من مجمل أهداف القصف الإسرائيلي لتلك المنطقة خلال العقد الماضي، ونحو 4.3 بالمئة، من مجمل أهداف القصف الإسرائيلي لكامل الجغرافية السورية خلال العقد الماضي.

ضربة لإيران و”حزب الله”

الهجمات الجوية على سوريا توالت مؤخرا، خاصة في المناطق التي تنتشر فيها جماعات مسلحة موالية لإيران، بشكل يبعث على التساؤل حول السر وراء ذلك التصعيد، وعلاقته بما تقول إسرائيل إنه تهديد لها، وسائل الإعلام السورية الرسمية، أعلنت أمس السبت، مقتل ما لا يقل عن خمسة عسكريين، إثر استهداف إسرائيلي لمطار “دمشق” الدولي، للمرة الثانية منذ حزيران/يونيو الماضي، ونقاط أخرى في الريف الجنوبي.

بدوره، أعلن المركز الروسي للمصالحة في سوريا، مساء أمس السبت، مقتل 5 عسكريين سوريين، جراء غارات جوية شنتها 4 مقاتلات إسرائيلية من طراز “إف-16″، ونقلت وكالة “سبوتنيك” الروسية، عن نائب مدير المركز، أوليج إيجوروف، قوله خلال إفادة صحفية: “في السابع عشر من أيلول/سبتمبر ما بين الساعة 00:45 و00:55، شنت 4 مقاتلات تكتيكية من طراز إف-16 تابعة للقوات الجوية الإسرائيلية، من مرتفعات الجولان هجوما باستخدام 4 صواريخ مجنحة، و6 قذائف جوية موجهة على محافظة دمشق”.

وأشار المسؤول الروسي، إلى أن قوات الدفاع الجوي السورية، تمكنت من خلال استخدام منظومتي “بانتسير إس-1″ و”بوك -إم2” الروسيتين من تدمير صاروخين إسرائيليين، و6 قذائف جوية موجهة، إلا أن “المرصد السوري لحقوق الإنسان”، أكد أن القصف أسفر عن مقتل سبعة عناصر من “حزب الله” اللبناني، وإيران، والميليشيات الموالية لهما.

وأضاف المرصد، أن القصف استهدف محيط المطار، والسيدة زينب، المنطقة التي تتركز فيها مستودعات ومنظومة دفاع جوي وطائرات مسيّرة جميعها يشرف عليها “حزب الله”، والميليشيات الإيرانية، لافتا في الوقت نفسه إلى أن الصواريخ وصلت إلى أهدافها رغم محاولات التصدي لها.

وفي كلمة ألقاها بعد ساعات من الهجوم، بعث الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، برسالة تعزية إلى دمشق، مفادها أن “توحيد قوى المقاومة في المنطقة مطلوب، لأن هذا هو السبيل الوحيد الذي من خلاله سيحصل اللبنانيون والفلسطينيون، والسوريون على أراضيهم ويستعيدون ثرواتهم من جديد”.

الجدير ذكره، أن إيران نشرت قوات من حرسها “الثوري”، قوات النخبة، في وقت مبكر عام 2012، بهدف مساعدة دمشق لاستعادة أرضيها، إلا أن ذلك انعكس على الأرض بشكل غير مرغوب فيه، إذ إلى جانب الإيرانيين، لعبت الجماعات المدعومة من طهران دورا قتاليا حيويا. وتحت قيادة “حزب الله” اللبناني، تضم هذه الجماعات مجموعات من أفغانستان والعراق، وللقوات المدعومة من إيران وجود في معظم مناطق سوريا الخاضعة لسيطرة الحكومة، بما في ذلك على الحدود العراقية.

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير معمقة