اعتقلت قوات الأمن المحلية الأسبوع الماضي البريطانية شارمينا بيغوم، التي تقول معلومات التحقيقات الألمانية إنها كانت جهة اتصال لمنفذ هجوم “كريستوفر ستريت داي” في برلين، عبد الله بالوت، قبل أيام من الهجوم. وبحسب الصحفي الألماني المتخصص بالإرهاب فلوريان فلاده، كانت بيغوم على تواصل مع إسلاميين في أوروبا وأميركا الشمالية، وجمعت أموالاً لجهاديين ونشرت دعاية لتنظيم “داعش”.
فيديو مبايعة قبل هجوم برلين
قبل أن يستقل بالوت شاحنة مستأجرة مساء 25 تموز/يوليو ويتجه إلى غروسر تيرغارتن، سجل بهاتفه مقطعاً ظهر فيه ملثماً لا يظهر سوى عيناه، وتحدث بالعربية وأدى ما يعرف بـ”البيعة” لزعيم “داعش”. ولم يتضمن التسجيل معلومات عن الهجوم، لكن المحققين اعتبروه إعلان انتماء أو تبنٍّ له.
وعثرت السلطات على التسجيل في هاتف بالوت الذي تركه داخل السيارة قبل فراره من الموقع. ولم يُنشر عبر قنوات “داعش” الدعائية، خلافاً لما حدث في هجمات أخرى.
وقبل الهجوم، أرسل بالوت التسجيل إلى جهة اتصال سورية، وحدد محققو المكتب الاتحادي للشرطة الجنائية الألمانية (BKA) هذه الجهة بأنها شارمينا بيغوم. وبحسب فلاده، كان يفترض أن تنقل بيغوم التسجيل إلى ممثل لجهات دعاية “داعش”، لكن هذا الشخص قُتل لاحقاً، على ما يبدو خلال القتال في قطاع غزة، ما قد يفسر عدم نشر الفيديو. وتقول المعلومات الألمانية إن بيغوم كانت ستعيد إرسال التسجيل إلى المسؤول، وليس معروفاً سبب عدم حدوث ذلك.
وقبل الهجوم بأيام، تبادلت بيغوم وبالوت رسائل عبر الإنترنت، وفق تحليل المحققين لهاتف بالوت المصادَر. لكن المحققين الألمان لا يعتقدون أنها كانت موجّهة أو مدرّبة له، ولا تشير نتائج التحقيق الحالية إلى علاقة من النوع الذي ظهر في هجمات أخرى.
من لندن إلى “داعش”
كانت بيغوم في الخامسة عشرة عندما غادرت بريطانيا عبر تركيا إلى سوريا في كانون الأول/ديسمبر 2014، بعد اختفائها المفاجئ والإبلاغ عن فقدانها، وانضمت إلى ما كان التنظيم يصفه بـ”الخلافة”. وتنحدر من بيثنال غرين شرقي لندن، وقدم والداها إلى بريطانيا من بنغلادش.

وتقول معلومات فلاده إن بيغوم تطرفت خلال سنوات المراهقة وأقامت اتصالات مع إسلاميين بريطانيين توجهوا آنذاك إلى سوريا للانضمام إلى “داعش”.
وبعد ثلاثة أشهر، لحقت بها ثلاث زميلات من أكاديمية بيثنال غرين: أميرة عباسي وشاميمة بيغوم، وكلتاهما في الخامسة عشرة، وقادزة سلطانة، وكانت في السادسة عشرة. وانضمت الفتيات الثلاث أيضاً إلى “داعش” في سوريا.
ويشير فلاده إلى أن شاميمة بيغوم، رغم تشابه اسم العائلة، ليست قريبة لشارمينا، وهي التي حظيت قضيتها باهتمام واسع في بريطانيا. فقد وقعت شاميمة في أسر القوات الكردية بعد انهيار “داعش”، وعُثر عليها عام 2019 في مخيم للاجئين شمالي سوريا. وسحبت الحكومة البريطانية جنسيتها ورفضت عودتها، فيما نفت مشاركتها في هجمات إرهابية وقالت لاحقاً إنها تراجعت عن الأيديولوجيا المتطرفة وطلبت السماح لها بالعودة.
وأصبحت قضية جنسيتها وحقها في العودة إلى بريطانيا ملفاً قضائياً واسعاً، بعدما نظرت المحاكم البريطانية في قانونية سحب جنسيتها وما إذا كان القرار جعلها عديمة الجنسية. وبحسب فلاده، لا تزال شاميمة محتجزة، ولا تحمل الجنسية البريطانية ولا تستطيع حالياً العودة إلى بريطانيا.
هروب من مخيم الهول
أما شارمينا، فقد وقعت أيضاً في أسر قوات سوريا الديمقراطية، لكنها تمكنت على ما يبدو من الفرار من مخيم الهول شمال شرقي سوريا عام 2022. ومنذ ذلك الوقت، اختبأت داخل سوريا واستخدمت على ما يبدو هوية جديدة، وفق معلومات كشفت عنها BBC.

وبحسب فلاده، عادت بيغوم إلى النشاط، واستخدمت شبكات التواصل الاجتماعي لجمع تبرعات لجهاديين ونشر دعاية لـ”داعش”. كما اعتُبرت من الأشخاص الذين يربطون شبكات متطرفة، وحافظت على اتصالات إلكترونية مع إسلاميين في أوروبا وأميركا الشمالية، بينهم بالوت.
ويقول فلاده نقلاً عن دوائر أمنية إن العملية لم تتم بناءً على طلب من جهات التحقيق الألمانية، فيما قد تكون أجهزة أمنية في دول أخرى مهتمة بها أيضاً. ولا يزال من غير الواضح ما إذا كانت بريطانيا قد سحبت جنسيتها، كما حدث مع شاميمة بيغوم، أو لماذا قررت السلطات السورية اعتقالها في هذا التوقيت.
وتأتي قضية شارمينا بيغوم في سياق ما تصفه دراسة للمركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات بتغير نمط تهديد “داعش” في سوريا منذ سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، مع تراجع قدرته على السيطرة الميدانية مقابل استمرار قدرته على تنفيذ هجمات محدودة واختيار أهداف ذات أثر أمني وسياسي.
وتشير الدراسة إلى أن انتقال السلطة وتبدل السيطرة في شمال شرقي سوريا أعادا للتنظيم فرص استغلال الثغرات الأمنية والاجتماعية، موضحة أن الخطر لا يقاس بعدد الهجمات وحده، إذ يمكن لخلايا صغيرة تنفيذ عمليات محدودة ذات أثر واسع، خصوصاً عند استهداف المدنيين أو مؤسسات الدولة.
- اعتقال بريطانية مرتبطة بمنفذ “هجوم برلين” في سوريا.. القصة الكاملة
- الشرق الأوسط بعد الحضور الأميركي.. توازنات جديدة وتقليص للنفوذ الإيراني
- مليار دولار على أبواب سوريا.. هل يملك القطاع المصرفي جاهزية الاستقبال؟
- الحرب تدفع اليمنيين إلى جيبوتي.. أعباء تفوق قدرات البلد
- اختراق داخل دار الرئاسة بصنعاء.. مصير قيادي “حوثي” غامض

