“لحافنا يدفّينا“.. برد الشتاء وأزمة المحروقات حمل ثقيل على السوريين

“لحافنا يدفّينا“.. برد الشتاء وأزمة المحروقات حمل ثقيل على السوريين
أستمع للمادة

“اللحاف هو الحل” يقول سعيد بدوي في إطار شرح استعداداته للشتاء المقبل، وذلك بعد انحسار موجات ارتفاع الحرارة، حيث بدء الشتاء يطرق الأبواب مع انتصاف شهر أيلول/سبتمبر، وتفاقم أزمة الكهرباء والمحروقات في سوريا، ما ينذر بشتاء قاسي على السوريين.

عجز حكومي

حتى لحظة كتابة هذا التقرير لم تعلن حكومة دمشق، عن خطتها لتوزيع المازوت بأسعار مدعومة على العائلات السورية، والتي اعتادت توزيعها سنويا خلال شهر آب/أغسطس، كمخصصات شتوية للأهالي، وذلك بعد رفع أسعار المازوت لأسعار غير مسبوقة.

باستياء وإحباط، يتحدث بدوي عن فقدانه الأمل في الحصول على مازوت التدفئة المدعوم، من الجهات الحكومية، لا سيما بعد أن خفضت دمشق الكميات المخصصة لكل عائلة خلال الشتاء الماضي، تزامنا مع أزمة المحروقات المتصاعدة.

ويقول بدوي (اسم مستعار لمهندس مدني خمسيني مقيم في دمشق) في حديثه لـ“الحل نت“: “أسعار المازوت وصلت لأرقام لا تصدق، حتى الآن لم نشرع في تركيب مدفأة الشتاء، فلا مازوت مدعوم ولا حر، الذي يبلغ سعر اللتر منه سبعة آلاف، من سابع المستحيلات الاعتماد على المازوت للتدفئة بهذه الأسعار، اللحاف والألبسة هي الحل الأقرب لمواجهة البرد“.

ويضيف: “مدفأة المازوت تحتاج بحد أدنى خمس لترات يوميا لتشغيلها، وبالتالي نحو 500 لتر لتشغيلها خلال الشتار، الحكومة قالت إنها ستوزع 50 فقط بأسعار مخفضة، هذه كمية تكفي لعشرة أيام فقط، ربما لا تستوجب تركيب المدفأة من أجل هذه الكمية“.

أزمة خانقة في النفط

تعاني البلاد من شح كبير، في المواد النفطية، بعد تراجع الإمدادات من إيران، في حين فشلت الحكومة في التغلب على هذه الأزمة، لتأمين المحروقات المخصص للشتاء، المفترض توزيعه خلال هذه الفترة.

بين الفينة والأخرى، تعلن الحكومة عن وصول ناقلة نفط إلى السواحل السورية قادمة من إيران، لكن هذا التزود المضاف إليه الناتج المحلي، لا يسد حاجة الاستهلاك المحلي، الذي لا يقل عن 150 ألف برميل يوميا، في حين تنتج دمشق نحو 30 ألف برميل فقط.

وكانت الحكومة السورية، قلصت حصة الأسرة من التدفئة، العام الماضي، من 200 لتر إلى 50 لترا، والتوقعات هذا الشتاء تصب في عدم رفع الكمية، بدليل تأخر وصول رسائل تسليم المازوت بالسعر المدعوم، الأمر الذي دفع السوريين للبحث عن بدائل مبتكرة لمواجهة برد الشتاء.

قد يهمك: “للتصميد وساعة الغفلة“.. هل ضاعت قيمة الجمعية في سوريا؟

أزمة المحروقات ترافقها بالطبع أزمة في الكهرباء، حيث وصلت ساعات التقنين في بعض المناطق إلى عشرين ساعة يوميا، وسط توقعات بتفاقم الأزمة خلال فصل الشتاء، نتيجة ارتفاع متوقع في الاستهلاك.

وفي خضم هذه الأزمات، اتجهت بعض العائلات الميسورة إلى تخزين الحطب، لاستخدامه في مواجهة برد الشتاء، والذي شمله هو الآخر ارتفاع الأسعار خلال الأسابيع الماضية.

وبالنظر إلى ارتفاع سعر الطن الواحد للحطب إلى 600 ألف ليرة وتوقعات تجار الأخشاب، الذين يؤكدون أن السعر لن يظل ثابتا بعد دخول فصل الشتاء، ولكنه سيشهد ارتفاعا يتناسب طردا مع موجات البرد والصقيع، لا تزال الأخشاب تتصدر قائمة وسائل التدفئة الأكثر سهولة في الاستعمال والأكثر دفئا، رغم أنها ليست الأكثر اقتصادا للجيب، وخاصة بالنسبة للأشخاص ذوي الدخل المحدود.

“منذ ثلاثة أيام لم تزرنا الكهرباء” تشرح هنادي قلعجي حال الكهرباء في منطقة سكنها شرقي مدينة حلب، مؤكدة أنها لا تعول كثيرا على الكهرباء للاعتماد على التدفئة خلال أشهر الشتاء القادمة.

وتقول قلعجي في حديث لـ“الحل نت“: “في كل عام نسمع عن وعود بتحسين التيار الكهربائي، لتبرير خفض المخصصات من المحروقات، لكن أي من تلك الوعود لم تنفذ، منذ شهر وساعات التقنين بين 16 إلى 20 ساعات، وعندما تحدث الأعطال لا نرى الكهرباء أبدا“.

وتضيف في إطار حديثها عن تحضيرات الشتاء: “قمنا بشراء الحطب، وسجلنا للحصول على 50 لتر من المازوت بأسعار مدعومة من الحكومة، لكن هذه الكميات لن تكفي لمواجهة كامل فترة الشتاء، وسائل التدفئة أصبحت مكلفة وفوق طاقتنا“.

وبحسب تقارير محلية، فإن سوق بورصة حقيقية ظهرت في سوق المدفأة المستعملة داخل سوريا، حيث تحول معظم سكان المدن من المدافئ الأساسية إلى تلك التي تحرق الأخشاب، وأدخلوا إلى المدينة سخانات تعمل بالحطب من الريف.

ولكن ما واجهه المواطنون هذا العام، كانت ارتفاع تكلفة طن الحطب، ما كبّدهم خسائر متزايدة، إذ استغل تجار الحطب الذين انتعش سوقهم خلال السنوات الأخيرة لاسيما مع هجرة الفلاح لأرضه بعد تكبّده خسائر متزايدة وتركه أشجار الحمضيات، والتفاح عرضة للتحطيب من قبل شبكة تتجول خلال هذه الأشهر في القرى لاصطياد زبائن ممن لا حول ولا قوة، حيث وصل الطن إلى مليون ليرة سورية.

قطاع كهربائي متهالك

مدير المؤسسة العام لنقل وتوزيع الكهرباء في دمشق هيثم الميلع، قال إن: “وضع التقنين الكهربائي خلال الشتاء القادم مرتبط بحوامل الطاقة وبالتالي إذا كان هناك مردود إضافي بحوامل الطاقة فسنشهد تحسنا، ونحن نسعى دائما لوضع كافة الإمكانيات لتحسين الواقع الكهربائي“.

وأضاف الميلع في تصريحات لإذاعة “المدينة إف إم” المحلية: “الحماية الترددية موجودة في كل المحطات الكهربائية في العالم، وإذا كان حجم التوليد بنفس حجم الاستهلاك فلا تعمل الحماية، أما إذا كان التوليد أقل من الاستهلاك فتعمل مباشرة وتؤدي لحدوث الفصل”

وفي إطار تبريره أعطال محتملة قادمة في التغذية الكهربائية، ختم حديثه قائلا: “توليد الكهرباء مرتبط بحوامل الطاقة ونحن بدورنا في المؤسسة نوزع الطاقة المولدة على المواطنين، فإذا زاد الاستهلاك أكثر من الكمية سنواجه انقطاع بالكهرباء بالتأكيد“.

تفاقم الأزمة الاقتصادية

منذ بداية العام الجاري، تفاقمت الأزمة الاقتصادية في سوريا، مع وصول معدلات التضخم إلى أعلى مستوياتها، تزامنا مع فشل وعجز الحكومة السورية، عن ضبط أسعار السلع والمواد الأساسية في الأسواق.

قبل أيام رفع بنك سوريا المركزي، سعر الصرف الرسمي إلى 3015 ليرة للدولار، في حين أن سعر السوق السوداء المستخدم في معظم الأنشطة الاقتصادية، هو حوالي 4575 ليرة، وكان السعر الرسمي لليرة قبل الخفض 2814 للدولار، ما انعكس سلبا على الأسواق.

الخبير الاقتصادي والأستاذ في كلية الاقتصاد بجامعة دمشق، شفيق عربش، قال في تصريحات صحفية سابقة إن: “رفع سعر صرف الليرة أمام الدولار يؤدي حتما إلى رفع سعر صرف الدولار الجمركي، وهذا بدوره يؤثر في كل رسوم عمليات التخليص الجمركي للبضائع المستوردة، وبالتالي ستكون النتيجة ارتفاعا كبيرا بالأسعار“.

ووصف عربش، وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك بأنها أدارت ظهرها للحقيقة، ورأت فقط ما تريد أن تراه عندما أصدرت تعميمها الأخير، لأن الواقع مختلف تماما عمّا نشرته، مشيرا إلى أنه لم يكن هناك أي مبرر لرفع سعر الصرف، لأنه مخالف للسعر الذي اعتمدته الحكومة في موازنة عام 2022.

وحول ما ذكرته وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك، بأن رفع سعر الصرف لن يؤثر إلا في المواد التي يتم تمويلها من المصرف وهي حصرا القمح، والأدوية النوعية، وحليب الأطفال، توقّع عربش، ألا يكون هناك زيادة في أسعار هذه المواد ولكن سيتم تعويض هذا الفرق من خلال رفع أسعار سلع مدعومة والمرشح للارتفاع، هو أسعار المشتقات النفطية.

وتواجه الأسر السورية أزمات معيشية واقتصادية مختلفة، في ظل تردي الواقع الخدمي والمعيشي في مختلف المناطق السورية، ما جعل تربية الأطفال ورعايتهم، وتأمين الحد الأدنى من مستلزماتهم تحديا حقيقيا ومستمرا تعجز آلاف الأسر السورية عن مجاراته.

التحايل على الأزمات

يواجه السوريون في المناطق الخاضعة للحكومة السورية، صعوبة في التغلب على أزمات ارتفاع الأسعار المتكررة، فبدأت العائلات السورية بحذف العديد من الأصناف الاستهلاكية من قائمة المشتريات الشهرية، بهدف التوفيق بين الدخل والمصروف.

ومع حلول العام الجديد 2022، ارتفعت أسعار المواد الغذائية في سوريا سواء الخضروات، والفواكه، أو المواد التموينية، أو اللحوم أو غيرها. ويبدو أن العام الجديد جلب معه العديد من التغييرات في الاقتصاد السوري، ويمكن أن تؤدي هذه التغييرات إلى نتائج غير متوقعة على العائلات السورية خصوصا وأن أغلبها بات يُصنّف ضمن الطبقة الفقيرة.

لا يبدو أن حكومة دمشق قادرة على ضبط أسعار السلع الغذائية بالتحديد، فقد فشلت جميع الآليات التي أقرّتها منذ بداية العام الجاري لضبط الأسعار، فضلا عن فشلها في فرض الأسعار الواردة في نشراتها الرسمية الصادرة عن وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك.

كذلك يعتمد السوريون في مناطق سيطرة دمشق، على الإعانات الخارجية من أقاربهم وأصدقائهم من دول اللجوء لتغطية احتياجاتهم الأساسية بشكل شهري، وذلك بسبب ضعف القدرة الشرائية وانهيار الليرة السورية إلى أدنى مستوياتها، في ظل الغلاء المستمر لأسعار مختلف السلع والمواد الأساسية.

قد يهمك: حليب الأطفال في سوريا.. رفاهية مسبقة الدفع!

شاركها على ...
كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول سوريا