المعابر في سوريا.. ورقة اقتصادية لأنقرة على طريق التطبيع مع دمشق؟

أستمع للمادة

مع إصرار الحكومة التركية على إعادة علاقاتها مع دمشق، بدأت أنقرة مؤخرا بالتمهيد لفتح الطريق والمعابر بين مناطق نفوذها في الشمال السوري، ومناطق سيطرة القوات السورية وصولا إلى دمشق، فما تأثير فتح المعابر على ملف عودة العلاقات بين الجانبين، وكيف ستعالج تركيا ملف وجودها العسكري على الأراضي السورية خلال اتفاقها مع دمشق؟.

ورقة المعابر المحلية

صحيفة “الأخبار“اللبنانية، أفادت بأن “أنقرة أعلمت الفصائل الموالية لها شمالي سوريا، باقتراب فتح ثلاثة معابر إنسانية جرى إغلاقها سابقا تصل مناطق سيطرة الحكومة السورية بالشمال السوري كاملا، وشدّدت تركيا على أن المعابر المشار إليها ستفتح بشكل دائم، على خلاف الآليّة القائمة حاليا والمقتصرة على تشريعها خلال إرسال المساعدات الإنسانية عبر الخطوط فقط“.

يبدو أن تركيا عازمة على استثمار ورقة المعابر المحلية، على الصعيد السياسي والاقتصادي، وذلك في إطار عودة علاقاتها مع دمشق، وتأمين مصدر تمويل اقتصادي، من شأنه مساعدتها في دفع مستحقات فصائل “الجيش الوطني”، الموالي لها شمالي سوريا.

الصحفي والمحلل السياسي عقيل حسين، يرى أن بدء تركيا بخطوات فتح المعابر، هي بمثابة تعزيز للثقة بين أنقرة ودمشق، وذلك ضمن خطة إعادة العلاقات بين الجانبين، في حين ستعالج تركيا ملف وجودها في سوريا عبر اتفاقيات سابقة

ويقول حسين، في حديث خاص مع “الحل نت“: “لن يتوقف الأمر عند فتح المعابر بين مناطق نفوذ تركيا، ومناطق سيطرة النظام، بل المطلوب بالتأكيد هو إعادة فتح الطريق الدولية، وصولا إلى تشغيل الطريق الذي يربط بين تركيا والأردن عن طريق سوريا“.

تقرير الصحيفة، كشف عن اجتماع بين وزراء خارجية “مسار أستانا“، انضمّ إليه لاحقا المبعوث الأممي إلى سوريا، غير بيدرسون، لمناقشة سُبل دفع العملية السياسية قُدما، بالإضافة إلى ملف المساعدات الإنسانية، وطرق تسريع وتيرة إيصالها، وإزالة العوائق مِن أمامها.

قد يهمك: أوكرانيا من الدفاع إلى الهجوم.. معركة فاصلة في الشتاء؟

وبحسب التقرير، فإن: “تركيا كانت قد جهّزت ورقة عمل حملتها معها إلى نيويورك، تشتمل مجموعة قضايا من بينها الوجود العسكري التركي في سوريا، والذي تطالب دمشق بإنهائه كخطوة أوّلية للانفتاح بين البلدين“.

في حين تؤكد أنقرة، على ضرورة بقاء قواتها في الأراضي السورية، مع إمكانية سحبها وفق جدول زمني محدد، مقرون بخطوات مقابِلة على الأرض، “متعلقة بملف قوات سوريا الديمقراطية وملف اللاجئين السوريين بالإضافة إلى تحقيق قفزة في مسار الحلّ السياسي“.

ويعتقد حسين، أن أنقرة ستعالج ملف تواجدها العسكري، بناء على الاتفاقيات الموقّعة بينها وبين دمشق من جهة، وبينها وبين الدول الفاعلة في الشأن السوري والحليفة مع دمشق وتحديدا روسيا من جهة أخرى.

وحول ذلك يضيف: “كما هو معلوم، تركيا ترتبط مع النظام باتفاقية أضنة عام 1998، التي تتيح لقواتها التوغل في الأراضي السورية مسافة 5 كيلو متر من أجل ملاحقة التنظيمات الإرهابية، كما ترتبط مع روسيا ومن خلفها النظام بطبيعة الحال باتفاقية عام 2019، التي تمنح الجيش التركي الحق في التوغل بعمق الأراضي السورية بعمق 30 كلم، وبالتالي تركيا تتعامل مع ملف تواجدها العسكري بناء على هاتين الاتفاقيتين، وتعتقد أنها ليست مضطرة لتقديم تنازلات بهذا الصدد من حيث المبدأ، لكن برأيي عند الوصول للتفاصيل يمكن لتركيا أن تقدم بعض التنازلات؛ لكن بما لا يشمل بطبيعة الحال انسحابها الكامل من الأراضي السورية“.

وكانت فرقة “السلطان مراد“، المنضوية في صفوف “الجيش الوطني“، الموالي لتركيا سمحت قبل أيام بعبور شاحنتين تحملان مادة البرغل عن طريق معبر “أبو الزندين“، الفاصل بين مناطق سيطرتها ومناطق سيطرة الجيش السوري في مدينة الباب بريف حلب الشرقي، وذلك للمرة الأولى بعد سنوات من إغلاق المعبر.

إعادة تأهيل؟

بين أهداف سياسية وتجارية، تباينت التحليلات حول افتتاح المعبر الفاصل بين الجيش السوري، و“الوطني” المدعوم من أنقرة، خصوصا بعد الإعلان الذي صدر عن قيادة الأخير يوم الجمعة الفائت، بتشكيل ما يسمى “مجلس ثوري موحد“، مدّعين أن ذلك بهدف توحيد كل من القيادة العسكرية، وإنهاء حالة الانقسام والاحتراب.

الباحث والأكاديمي بالعلاقات الدولية، الدكتور علي بوركو، قال لـ“الحل نت” بتصريحات سابقة، إن تشجيع تركيا لتفعيل هذه المبادرة، وقبول قادة الفصائل خلال مدة قصيرة عليها يدل على أن الرؤية التركية بدأت تتبلور حول المصالحة السورية التركية، ودور الفصائل في هذا التقارب.

هذا التقارب غير المسبوق بعد عداوة مريرة، يوحي بنظر بوركو، أن أنقرة ذاهبة نحو تطويع الفصائل إلى أن تكون أكثر مرونة مع دمشق ورأب الصدع بين الجانبين، خصوصا وأن أفق الحل السياسي باتت شبه معدومة فيما يخص الملف السوري على المستوى الدولي.

برأي بوركو، هذه الأولويات رسمتها أنقرة لطمأنة دمشق، منذ افتتاح معبر “أبو الزندين“، بين مناطق ريف حلب الشمالي والشرقي الخاضعين للإدارة التركية ومناطق سيطرة دمشق، ودخلت من خلاله عدة عمليات تبادل أسرى بين “الجيش الوطني“، والقوات النظامية، برعاية تركية روسية وتحت إشراف الأمم المتحدة، والصليب الأحمر الدولي.

الاقتصاد بوابة

الإيجابيات في فتح المعابر بين دمشق والمعارضة التي تدعمها تركيا لا تنكر وجود جوانب إيجابية، خصوصا وأن الاستفادة في التعامل المباشر يكون للطرفين، حيث يتعرضان لضغوط اقتصادية كبيرة، وفتح أي معبر في مصلحتهما.

من هذه الناحية، لم يستبعد بوركو، أن يكون إعادة فتح المعبر وإعادة إغلاقه، عائد لخلاف بين الفصائل بعد مباركة تركيا لإعادة دمجها ضمن كيان واحد، خصوصا أن المفاوضات بينها قُبيل الإعلان عن هذه المبادرة كانت على نقاط خلافيه أبرزها نسب العائدات الاقتصادية من المعابر.

فالتشكيل الجديد منذ بداية طرحه كان محط جدل وانقسام، إلا أن الجلسة الثانية كانت مختلفة إذ عاد قائد الفيلق الثاني، فهيم عيسى، فجأة بموقف إيجابي بعد مرور عدد من الجلسات التفاوضية حيث كان موقفه معطّلا فيها، خصوصا على نسب العائدات الاقتصادية من المعابر، وأبدى موافقته في الجلسة التي سبقت الاتفاق الكامل على المبادرة“، موضحا أن النسب توزعت “30 في المئة، للفيلق الأول و36 في المئة، للفيلق الثاني و34 في المئة، للفيلق الثالث“.

وعليه، أشار بوركو، إلى أن فتح المعابر يساهم في تعزيز قدرة الطرفين على تمويل عملياتهم من النقد الأجنبي، حيث يمكنهم الاستفادة من الدولار الأميركي في مناطق المعارضة بينما يتعامل بالليرة السورية في المناطق الواقعة تحت سيطرت دمشق.

الجدير ذكره، أن المشهد الفصائلي في الشمال السوري لم يتغير، إذ لا تزال العشرات من الفصائل تنشط خارج إطار هذا “الجيش“، الذي لا يملك سلطة القرار على الفصائل، وهذا برأي محللين، يقود نحو أن تكون الرؤية التركية الجديدة، هي إعادة تأهيل دمج هذه الفصائل مع دمشق من البوابة الاقتصادية بداية، لطمأنة الطرفين، ومن ثم الضغط نحو إعادة دمج الطرفين ولو بصورة غير مباشرة.

فيتو أميركي

ويواجه ملف عودة العلاقات بين أنقرة ودمشق عوائق عدة، أبرزها الرفض الأميركي، لأي خطوة تركية في التقارب مع دمشق.

وقال نائب المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية، فيدانت باتيل، للصحفيين قبل أسابيع، إن “تركيا حليفا مهما في الناتو ولعبت دورا أساسيا في الاستمرار في تحميل روسيا المسؤولية عن أعمالها الوحشية في أوكرانيا“.

وأضاف: “لكن لكي نكون واضحين، لن تعرب الإدارة الأميركية عن أي دعم لجهود التطبيع مع بشار الأسد أو إعادة تأهيله، ولا تنوي الولايات المتحدة رفع مستوى علاقاتنا الدبلوماسية مع الأسد، ولا ندعم تطبيع العلاقات بين الدول الأخرى أيضا“.

الباحث في العلاقات الدولية محمود علوش، رأى أن الولايات المتحدة ستستمر في عدم دعم أي جهود لعودة العلاقات بين دمشق وأنقرة، لا سيما وأن الأخيرة تهدف للتعاون مع دمشق، في ملف قوات سوريا الديمقراطية شمال شرقي سوريا.

وقال علوش، في حديث سابق مع “الحل نت“: “تركيا لا تتحدث عن رغبتها في إعادة العلاقات مع دمشق بشكل طبيعي، بل الدخول في حوار سياسي مع النظام من أجل معالجة هواجسها الأمنية على الحدود السورية التركية، ودفع عملية التسوية السياسية“.

ويعتقد علوش، أن تقاربا لا يمكن أن يحصل بين أنقرة ودمشق في المدى المنظور، وذلك بالنظر إلى الإشكاليات الكبيرة والمعقّدة، التي تواجه إحداث تحوّل ملموس وفعلي في العلاقة بين أنقرة ودمشق.

وحول ذلك أضاف: “لكل طرف دوافع وأهداف وأولويات مختلفة في أي تغيير في العلاقات، ويحرص على تحقيقها قبل منح ما يُريده الطرف الآخر، لكن هذا الاختلاف يُديره مسار تفاوضي، سواء كان هذا المسار بعد إعادة التواصل السياسي بين أنقرة ودمشق أو من خلال القنوات الخلفية والوسطاء“.

قد يهمك: الاحتجاجات تدخل مدن إيرانية كبرى

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير معمقة