بين الاتهامات والدعوات للصلح.. ما هي فرص إنهاء الخلافات بين المغرب والجزائر؟

بين الاتهامات والدعوات للصلح.. ما هي فرص إنهاء الخلافات بين المغرب والجزائر؟
أستمع للمادة

التطورات في القمم العربية وضعت فيما يتعلق بالخلافات بين المغرب والجزائر، أمام اختبار جديد، لا سيما بعد أن فشل رهان الجزائر في أن تكون القمة العربية مناسبة لعقد حوار بين الجانبين، بما قد يُفضي إلى تقارب وجهة نظر الجارين العربيين.

تبادل المسؤولية

خلال الأيام الماضية تبادل الجانبان المسؤولية عن عدم الجلوس حتى الآن على طاولة واحدة، بين اتهامات الجزائر للمغرب بتضييع فرصة القمة العربية كمناسبة للحوار ومحاولة إنهاء الخلافات، وبين تطمينات المغرب لجارتها وعدوتها للجلوس على طاولة واحدة.

خلال الفترة الماضية لا يبدو أن كلا الجانبين عازم على الحوار مع الجانب الآخر، فاقتصر الحديث عن الدعوات غير المباشرة والتصريحات الدبلوماسية، وذلك لقناعة كل منهما أن على الجانب الآخر تقديم تنازلات في ملفات عدة لبدء الحوار.

التوتر بين المغرب والجزائر تصاعد، قبل أسابيع من عقد القمة العربية، بسبب اتهام المغرب الجزائر بدعم جبهة “البوليساريو“، بالسلاح والمال، وهي حركة مسلحة تطالب بانفصال الصحراء المغربية المتنازع عليها عن المغرب، في حين تعتبر الرباط أن الصحراء جزء من أراضيها.

الكاتب والمحلل السياسي المغربي الحسين كنون، يرى أن ملف “البوليساريو“، عكّر صفو العلاقات المغربية الجزائرية أيضا، وذلك بالنظر لكون الجزائر هي التي تدعم جبهة “البوليساريو” بالسلاح والمال وفي مختلف المحافل الدولية للإضرار بالمصالح المغربية حسب قوله.

تجاوز الخلافات؟

كنون، أوضح في حديث سابق لـ“الحل نت” أن المغرب يراهن على مسألة تجاوز الخلافات بين الأطراف العربية خلال الفترة القادمة، وذلك بصرف النظر عن نتائج القمة العربية، حيث حضر المغرب بناء على الدعوة الجزائرية متمثلا بوزارة الخارجية.

العاهل المغربي محمد السادس، غاب عن القمة العربية، وحضر بدلا منه وزير الخارجية المغربي، وذلك في ظل استمرار قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين من جانب الجزائر منذ آب/أغسطس 2021.

وعقب انتهاء جلسات القمة دعا الملك المغربي محمد السادس، الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، إلى زيار نحو المغرب بهدف الحوار، وذلك في دعوة نقلها وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة.

بوريطة أوضح في تصريحات نقلتها وكالة “فرانس برس“، أن الملك محمد السادس، أعرب عن نيته خلال الأيام الأخيرة زيارة الجزائر، التي دُعي إليها لحضور القمة العربية، لكن الوفد المغربي “لم يتلق أي تأكيد من الجانب الجزائري بواسطة القنوات المتاحة“، بعدما طلب توضيحات عن الترتيبات المقررة لاستقبال العاهل المغربي.

أعرب بوريطة، الذي يرأس الوفد المغربي المشارك في القمة، عن أسفه “لعدم تلقي أية إجابات عبر القنوات الملائمة“.

ويبدو أن دعوة الملك السادس للرئيس الجزائري، جاءت كرد على تصريحات وزارة الخارجية الجزائرية، التي حملت اتهامات للملك المغربي، بتضييع فرصة سانحة للحوار بين الجانبين خلال القمة العربية.

وزير الخارجية الجزائري رمطان لعمامرة، رد على عدم حضور ملك المغرب القمة العربية المقامة في الجزائري، بالقول إن بلاده تبلغت رسميا بغياب ملك المغرب محمد السادس، عن قمة الجزائر، مشيرا إلى أن مشاركته كانت ستحقق فرصة للقاء قائدي البلدين اللذين يعيشان قطيعة منذ أشهر.

لعمامرة أضاف في حديثه لقناة “العربية“، “سيبقى للمؤرخين إصدار الحكم إن كانت هناك فرصة ضاعت للمغرب العربي والعمل العربي المشترك، وكذلك من يتحمل مسؤولية ضياعها، لا أتحدث عن أمور لم تتم، لكن كانت هناك فرصة لدفع العمل المغاربي وتنقية الأجواء، ولم يُستفَد من تلك الفرصة فعلا“.

استكمالا للأخذ والرد بين الجانبين، قال وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة، إن المغرب لم يهدد أحدا في سيادته الترابية، كما أن المغرب لا يسلّح أي ميليشيا لمعاداة أي دولة، فالسياسة الخارجية يجب أن تُبنى على الطموح والوضوح، على حد تعبيره.

وقال بوريطة في تصريحات نقلها موقع “سكاي نيوز عربية“، “المغرب أبدا لم يهاجم عن تراب دولة عربية، ولكن المغرب من حقه أن يدافع على ترابه الوطني“. وتساءل، “هل هناك دولة عربية توافق أن تهاجم ميليشيات دولته وتقف دون حراك؟، يد المغرب ممدودة دائمة للدولة الجارة، وجلالة الملك قالها بالحرف، لن يمس الجزائر أي سوء يأتي من المغرب“.

أسباب التوتر

العلاقات بين الجانبين، تشهد توترا منذ عقود بسبب دعم الجزائر لجبهة “البوليساريو” التي تطالب باستقلال الصحراء الغربية، بينما يعتبرها المغرب جزءا لا يتجزأ من أرضه ويقترح منحها حكما ذاتيا تحت سيادته.

التوتر زاد عندما أعلنت الجزائر في آب/أغسطس الماضي قطع علاقاتها الدبلوماسية مع الرباط متهمة إياها “بارتكاب أعمال عدائية، منذ استقلال الجزائر” في 1962.

التوتر ازداد بين المغرب والجزائر، إثر عودة العلاقات بين المغرب وإسرائيل، ضمن صفقة تضمنت اعترافا أميركيا بمغربية الصحراء وافتتاح الإمارات والبحرين لقنصليتين لهما لدى المغرب في الصحراء، إضافة لإقامة الرباط علاقات مع تل أبيب في مجالات عسكرية وأمنية.

أوقف الجزائر تصدير الغاز إلى المغرب، وأغلقت أجواء البلاد أمام الطائرات المغربية في أيلول/سبتمبر من العام 2021.

من جانبها، دعت الجزائر قبل أسابيع إلى استئناف “المفاوضات المباشرة” بين المغرب وجبهة “البوليساريو”، لحل نزاع الصحراء الغربية. وجاءت الدعوة خلال لقاء المبعوث الأممي الخاص للصحراء ستيفان دي ميستورا، مع وزير الخارجية الجزائري رمطان لعمامرة بالجزائر، حسبما ذكر بيان لوزارة الخارجية.

وبحسب تقارير صحفية، فإنه “يمكن القول إن أحد العوامل التي قد تهدئ التوترات بين المغرب والجزائر، هي أن هذه التوترات وصلت في ذروتها لمستوى بات من الخطير بالنسبة للطرفين تصعيده أكثر من ذلك؛ لأن مثل هذا التصعيد يحمل احتمال الإيذاء المتبادل مثلما حدث عندما ألمح المغرب لإمكانية دعمه لحركة انفصالية أمازيغية محظورة في الجزائر، وهو ملف إن تبادل الطرفان التلاعب به سيمثل كارثة خطيرة عليهما معا في ظل حقيقة وجود مكون أمازيغي كبير في الدولتين المغاربيتين، ووجود دوائر غربية متربصة دوما بملف الأقليات في العالم العربي، وعلى رأسه الأمازيغ، وجاهزة لاستغلاله“.

قد يهمك: ملامح استنزاف روسيا عسكرياً واقتصادياً في أوكرانيا

الخبير في السياسة الإفريقية، وليام رينو، قال في حديث سابق لـ“الحل نت“، إنه في عام 2017، عاد المغرب للانضمام إلى الاتحاد الإفريقي بعد فجوة استمرت 33 عاما، بعد أن ترك سلفه، منظمة الوحدة الإفريقية، في عام 1984 للاحتجاج على قبول المنظمة بالجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية كعضو. كانت عودة المغرب علامة على طاقة دبلوماسية جديدة وثقة في سياسته الإقليمية، في وقت بدت فيه السياسة الخارجية الجزائرية راكدة. كما نجح المغرب في إقناع موجة من أكثر من 20 دولة عربية وإفريقية بفتح قنصليات في الإقليم، مما يشير إلى قبولها بادعاء المغرب بالسيادة.

هذه التحركات الدبلوماسية أعقبتها إعادة فتح الأعمال العدائية بين المغرب، و”البوليساريو” في تشرين الثاني/نوفمبر 2020، وأعلنت “البوليساريو”، إنهاء وقف إطلاق النار بعد أن عبرت القوات المغربية إلى منطقة الكركرات، العازلة التي تخضع لدوريات الأمم المتحدة لإخراج المحتجين الصحراويين، الذين ادعى المغرب أنهم يمنعون حركة مرور البضائع.

رينو أشار إلى أنه بالنسبة للجزائر، بدأ التقارب المغربي مع إسرائيل بمثابة تهديد مباشر، حيث قال رئيس الوزراء الجزائري، عبد العزيز جراد، إن الجزائر، “مستهدفة من خلال وصول الكيان الصهيوني إلى أبوابها“. وعندما زار وزير الخارجية الإسرائيلي ياسر لبيد المغرب، انتقد دور الجزائر في المنطقة، وأعرب عن قلقه بشأن علاقاتها مع إيران.

بدأ المغرب حملة لقلب الطاولة على الدعم الجزائري لـ “البوليساريو”، من خلال الترويج لقضية الحركة الانفصالية في منطقة القبائل الجزائرية. في تموز/يوليو 2021، وزع سفير المغرب لدى الأمم المتحدة، عمر هلال، مذكرة قائلا إن “شعب القبائل الشجاع يستحق أكثر من أي شعب آخر التمتع الكامل بحقه في تقرير المصير“.

هذه كانت القشة التي قصمت ظهر البعير التي دفعت الجزائر إلى استدعاء سفيرها ثم قطع العلاقات الدبلوماسية، واتخذت الجزائر المزيد من الخطوات ضد المغرب في خريف 2021، حيث أغلقت مجالها الجوي أمام الطائرات المغربية، وأوقفت شحنات الغاز. عبر خط أنابيب المغرب العربي- أوروبا، الذي يربط الجزائر والمغرب وإسبانيا والذي يوفر الغاز المستخدم لحوالي عُشر إمدادات الكهرباء في المغرب.

المقاربات والمستقبل

في حين أن خطر اندلاع نزاع مسلح أكثر خطورة في شمال غرب إفريقيا حول مسألة الصحراء الغربية ليس حادا بشكل خاص، فمن المرجّح وفقا للباحثة في معهد “واشنطن” للدراسات، سابينا هينبرج، أن تستمر الأزمة الدبلوماسية بين بلدان المغرب العربي في التأجج. وتعاني البلدان الثلاثة في المغرب العربي من ارتفاع أسعار المواد الغذائية بسبب الحرب على أوكرانيا، وحالات الجفاف الأخيرة. وقد يهدد نقص الغذاء شعبية حكومات هذه البلدان واستقرارها.

تواجه كل دولة أيضا، بحسب تقرير المعهد، الذي نُشر في منتصف أيلول/سبتمبر الجاري، ضغوطها السياسية الداخلية الخاصة بها. وليس هناك ما يشير إلى أن المغرب سيتراجع عن إصراره على “السلامة الإقليمية” للصحراء الغربية، كونه مدعوما باعتراف الولايات المتحدة، وإسبانيا، ومؤخرا ألمانيا بموقف المغرب. وقد فتحت عدة دول إفريقية أيضا قنصليات في هذا الإقليم، منذ صدور قرار الولايات المتحدة.

طبقا لما ذكره التقرير، فقد أدّى النزاع الجاري في الصحراء الغربية إلى منع عملية التكامل المغاربي، مما تسبب في ضياع فُرص الازدهار في المنطقة. كما غذى سباق التسلح بين الجزائر والمغرب وأدى إلى انتهاكات حقوق الإنسان ضد النشطاء، إذ يُعد النمو والاستقرار في المغرب العربي عنصرَين مهمَين لمكافحة الإرهاب، ومراقبة الهجرة عبر البحر الأبيض المتوسط.

ولا يبدو أن التهدئة بين الجانبين، بحاجة إلى دعوات متبادلة للحوار، بقدر ما هي بحاجة إلى خطوات جدّية أو رؤية واضحة من شأنها حل الخلافات الجذرية بينهما.

قد يهمك: التغير المناخي.. تحديات قادمة ومقترحات دولية للحل

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير معمقة