إعادة العلاقات مع دمشق.. دعاية انتخابية لأردوغان أم تصريحات جدية؟

أستمع للمادة

بين آب/أغسطس 2016 واليوم، شنت تركيا أربع عمليات عسكرية في شمال سوريا، خدمت كل عملية أهدافا محددة وتم تصميمها للاستجابة للسيناريوهات المتغيرة بسرعة على الأرض في أنقرة ليس سواها. من الممكن تحديد الأولويات الرئيسية التي شكلت سياسة تركيا تجاه سوريا على مرّ السنين، حيث يتلخص نشاط الحكومة التركية بسوريا في جوهره، أنه كان مدفوعا بالسياسات الداخلية وساعد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وحزبه “العدالة والتنمية” في الحفاظ على السلطة.

مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في تركيا والتي من المتوقع عقدها في حزيران/يونيو 2023، عاد الرئيس التركي أردوغان، أمس الخميس، بتصريحات تشير إلى ذات السياسة ولكن هذه المرة كانت على المستوى الدبلوماسي، حيث قال خلال عودته من قمة العشرين التي عُقدت في بالي بإندونيسيا، إنه قد يعيد النظر في العلاقات مع الرئيس السوري بشار الأسد، بعد الانتخابات.

ردا على سؤال حول احتمال عقده لقاء مع الأسد، بيّن أردوغان أنه لا يوجد استياء أو خلاف أبدي في السياسة، ما يدل على أن الرئيس التركي عازم على جمع سلسلة من المكاسب الدبلوماسية، التي سيقدم مخططا لاستراتيجية حملته الانتخابية، فما احتمال أن تكون تصريحات أردوغان بشأن العلاقات مع دمشق جدّية، أم أن تداعيات تحول الموقف التركي هو لخدمة أجندة حزب “العدالة والتنمية”، ريثما يربح معركته الأخيرة في الانتخابات، وإلى ذلك كيف غيرت سوريا سياسة تركيا الداخلية.

أردوغان والمكاسب الدبلوماسية

في الوقت الذي يستعد فيه الرئيس التركي، لما يُعد أكبر تحد انتخابي في فترة حكمه التي استمرت 20 عاما تقريبا، يستغل أردوغان إنجازاته على المسرح العالمي، خصوصا وأن المعارضين الأتراك يلقون باللوم على سياسات أردوغان الدولية والاقتصادية غير التقليدية، بما في ذلك سلسلة التخفيضات لأسعار الفائدة على الرغم من ارتفاع التضخم وإقالة ثلاثة محافظين للبنوك المركزية منذ عام 2019، مما ترك البلاد تعاني من عجز كبير في الحساب الجاري وتعتمد على التمويل الخارجي لدعم الاقتصاد.

الخبير في السياسة العربية والتركية، ستيفن كوك، أوضح لـ”الحل نت”، أن الرئيس التركي يفخر بحملات حكومته المناهضة للعديد من الدول الإقليمية والجماعات الأخرى الكردية في تركيا والعراق وسوريا، وغالبا ما استخدم أردوغان هذا الشعور لحشد الأصوات، ومن المرجح أن يفعل ذلك مرة أخرى قبل الانتخابات الرئاسية والبرلمانية لعام 2023.

برأي كوك، نجحت تلك الاستراتيجية من قَبل، فعندما بدأت حدثت سلسلة من الانفجارات في عام 2015 داخل تركيا، فقد حزب أردوغان أغلبيته في الانتخابات البرلمانية، لكن بعد فشله في تشكيل حكومة ائتلافية، فاز حزبه في انتخابات أخرى، بعد أن روّج بقوة إلى الحاجة لحكومة قوية لقمع ما يصفهم بـ “الجماعات المتشددة”، وساهمت تلك العمليات التي شنها في سوريا قبل الانتخابات بدعم أصوات القوميين الأتراك.

لكن قبضة أردوغان على السلطة لأكثر من عقدين، باعتقاد كوك قد تواجه التحدي الأكبر في الانتخابات المقبلة، لأن سياساته الدولية والاقتصادية غير التقليدية للحكومة أدت إلى ارتفاع معدلات التضخم، لذلك يعمل الآن على التخلص من حلفائه الذين باتوا عبئا عليه، ويذهب نحو عقد حلف جديد مع المعارضة.

كيف ترتّب على انفجار إسطنبول آثار سياسية، يفيد هنا كوك، أن الحزب الحاكم استغل الأمر من جميع الجهات، حيث عزز من روايته لضرورة مكافحة القوى الكردية في شمال سوريا، ثم ذهب نحو لوم الولايات الأميركية لدعمها للأكراد في سوريا، ليرضي بذلك الشريحة التي تؤيده.

أما فيما يخص الحركة السياسة الداخلية، يقول كوك، إن التحقيقات وفق رواية الشرطة التركية أوضحت تواصل المتهمة بالتفجير الذي حدث في مدينة إسطنبول يوم الأحد الفائت مع مسؤولين في حزب “الحركة القومية”، وهو مؤشر على أن الحزب الحاكم بات يعلم أن التحالف القائم مع هذا الحزب غير مجدي له في الانتخابات المقبلة خصوصا مع الشعبية التي يحضها بها تحالف “الأمة”.

بنظر كوك، ما يدل على أن أردوغان يرى ضرورة في كسب تحالف “الأمة” هو إعلان حزب “العدالة والتنمية” التركي الحاكم الأسبوع الفائت، إجراء زيارة لحزب “الشعوب الديمقراطي”، بالتالي فإن التوقعات بتصدع التحالف الذي يجمع الحزب الحاكم بشريكه حزب “الحركة القومية” صحيحة، وأيضا أثر هذه الزيارة هو احتمال كبير لتغيير في خريطة التحالفات قبيل الانتخابات.

خفض التصعيد على عدة جبهات

بحلول أوائل عام 2021، كانت تركيا معزولة في الشرق الأوسط، وواجهت تهديد عقوبات الاتحاد الأوروبي، وكانت تعاني من تدهور اقتصادي حاد. حافظ حزب “العدالة والتنمية” الحاكم على قرع طبول الاتهامات ضد القوى الخارجية التي يُفترض أنها تهاجم تركيا. لكن هذا لم يفعل شيئا يُذكر لمنع المشكلات الاقتصادية في البلاد من زعزعة هيمنة الحزب طويلة الأمد على السياسة التركية.

تركيا أمضت معظم العقد الماضي، بحسب حديث الخبير بالسياسة التركية، كوك، في محاولة لتوسيع نفوذها وإعادة تشكيل الشرق الأوسط على صورتها الخاصة، وأدى ذلك إلى خلق خط معركة رئيسي بين البلاد وخصومها امتد من ليبيا إلى سوريا وشرق البحر الأبيض المتوسط.

مع ذلك، منذ منتصف عام 2021، حاولت تركيا تطبيع علاقاتها مع دول الشرق الأوسط، وكان هذا التحول مدفوعا بالسياسات الداخلية التركية، وظهور الشرق الأوسط متعدد الأقطاب، واشتداد المنافسة الجيوسياسية.

الرئيس رجب طيب أردوغان، لا يزال ضعيفا سياسيا في الداخل، ومع تدهور الاقتصاد وصعود المعارضة في المقدمة في استطلاعات الرأي، بات إرضاء قوى المعارضة أساسيا لأردوغان، لذلك منذ أشهر تصاعدت التصريحات للمسؤولين الأتراك في الحزب الحاكم حول جدّية عودة العلاقات مع دمشق.

يعتمد بقاء حكومته الآن على الجهود المبذولة لتحقيق التوازن بين القوى العظمى وسحب التمويل من الخصوم السابقين، والحديث عن لقاء الأسد والترويج بأنه “لا يوجد استياء أو خلاف أبدي في السياسة”، هو مقدمة فعلية للمتماشي مع ما تنادي به المعارضة حول قضية “اللاجئين السوريين” والعلاقة السياسية بين أنقرة ودمشق، وقد تذهب إلى أبعد ما هو دعاية انتخابية في المستقبل، وفق حديث كوك.

كان هذا التأكيد نموذجيا للسياسة الخارجية التي اتبعتها تركيا خلال معظم العقد الماضي، حيث سعت إلى إعادة تشكيل الشرق الأوسط على صورتها الخاصة. دعمت أنقرة فروع جماعة “الإخوان المسلمين” في جميع أنحاء المنطقة، ودعمت الاحتجاجات في الدول العربية، وأدانت علانية السياسات الداخلية لدول الخليج، ووسعت أنشطتها العسكرية في سوريا والعراق، ثم انكفأت عن ذلك في كل مرة تقترب من الانتخابات.

ذلك يرجع إلى أن أردوغان يركز بشكل أساسي على حماية النظام، الذي في طريقه إلى إجراء انتخابات عامة في عام 2023، فبعد عقدين في السلطة، يواجه احتمالية حقيقية لهزيمة انتخابية. إنه بحاجة إلى تعزيز اقتصاد تركيا المحاصر بأي طريقة ممكنة. ويبدو أن أفضل ما يخدم هذه القضية هو العودة إلى العلاقات التبادلية مع سوريا.

تداعيات مشاكل أردوغان الداخلية

بشكل عام، لم يكن تدخل أنقرة في سوريا مصدرا للصراع أو للتقارب مع شركائها التقليديين وجيرانها في جميع أنحاء المنطقة، كما زودت تركيا بأدوات جديدة لإدارة سياسة خارجية قومية أكثر عدوانية.

بناء على خطاب الحكومة التركية وسياساتها القومية المتزايدة، عملت عمليات تركيا في سوريا على إضعاف المعارضة السياسية وحشد الشعب التركي حول العلم في الفترة التي سبقت الانتخابات الرئيسية، من خلال تعزيز سلطة أردوغان.

أصوات المعارضة التركية كانت تتعالى بشكل متزايد بشأن قضية اللاجئين، منتقدة سياسة الباب المفتوح السابقة للحكومة وتعاملها مع الحرب السورية على نطاق أوسع. دعا كمال كيليجدار أوغلو، زعيم حزب “الشعب الجمهوري”، أكبر منافس لحزب “العدالة والتنمية”، علنا إلى إجراء حوار مع الأسد بشأن العودة الطوعية للاجئين السوريين. كما تحدث عن إقناع السوريين بمغادرة تركيا.

في حين أن المعارضة لم تختر مرشحها بعد، تشير استطلاعات الرأي إلى أن أردوغان أقل شعبية من بعض منافسيه المحتملين، بمن فيهم رئيسا بلديتي أنقرة وإسطنبول. ومع بقاء نصف عام على الانتخابات، من غير المرجح أن يظهر مرشح المعارضة الرئيسي حتى أوائل عام 2023.

لكن في حالة فوز المعارضة في انتخابات عام 2023، قد تحاول الحكومة الجديدة في أنقرة التحول إلى أوروبا وستحاول بالتأكيد إعادة ضبط علاقة تركيا مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. لكن العلاقات الاقتصادية وقضايا الأمن الإقليمي ستضمن حتما أن تركز السياسة الخارجية لتركيا على الشرق الأوسط، لذلك يستبق أردوغان ذلك بإعادة التحالف معها، وتحوير برنامجه الانتخابي لما يتناسب مع برامج المعارضة.

أردوغان استخدم صندوق الأدوات هذا وقدراته لإثراء موقفه التعديلي في السياسة الخارجية لحصد أصوات جديدة، فلولا الصراع في سوريا، لما رأى العالم القوات التركية في الصحراء الليبية أو الطائرات التركية بدون طيار في سماء ناغورنو كاراباخ وأوكرانيا. ومع التركيز على الانتخابات الرئاسية لعام 2023، سيواصل حزب “العادلة والتنمية” استخدام هذه الأدوات لتعزيز موقعه على الساحة المحلية.

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير معمقة